"كلوب هاوس" .. ادخل برجلك اليُمنى

23 فبراير 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

لا بأس بالصراخ، إذا كان مقدمةً للكلام، لانتزاع الحق في التعبير، أو العودة إليه. هكذا يخبرنا "كلوب هاوس". عشر سنوات من عمر الانتفاضات العربية حملت كثيرا من الصراخ والغضب، على مواقع التواصل. أنتج الغضب ثورات، وأزاح زعامات، وخلّف هزائم ومرارات، وأورث ضغائن وأحقادا وعداوات، ليس لأنه بدأ، لكن لأنه استمر. الصراخ في موضع الصراخ حق، لكنه في موضع النقاش جريمة.
يأتي "كلوب هاوس"، ويمنحنا فرصة جديدة. مهم جدا أن نتكلم، الأهم أن نسمع، عشر سنوات من الصراخ لم تسمح لأحدٍ بأن يسمع. السماع من الطرف الآخر "معرفة"، والمعرفة سلطة، وسيطرة، وامتلاك لزمام الأمور، والذين اخترعوا الصراخ في الجانبين، الأنظمة وأمراء الانقلاب والدماء والحروب في الخارج، كان هدفهم الأول ألا يستعيد الشباب سلطتهم على لحظتهم التاريخية، ويعيدوا اختراع الواقع. تطبيق جديد، يعتمد على الصوت، أنت من يتكلم، لا غيرُك، لا الكتائب الإلكترونية، ولا الإعلانات الممولة، ولا الأفكار المعلبة، ووجبات المكايدة السريعة التي يمنحها "غوغل" إلى محترفي الـ "كوبي بيست". الآن يجلس الجميع على مائدة افتراضية، صوتا لصوت، تكلم حتى أراك، ربما لأول مرة منذ عشر سنوات.
تكشف التجربة، في مدة قليلة، عن أشياء كثيرة، أبرزها حجم العزلة. نجحت الأنظمة باقتدار في تعطيل فاعلية "فيسبوك" و"تويتر"، وتحويلهما إلى وسائل للتناحر الاجتماعي، واستغلال ممكنات التعليق والشير واللايك والإيموشن في تطييف أي نقاش، يختلف الوضع في كلوب هاوس، حيث تختصر المواجهة نصف الطريق، فيما تتكفل "حداثة" التطبيق بالنصف الآخر، فالأجهزة الأمنية لم تفهمه بعد. تتخذ "الخناقة" الآن شكلا جديدا. بالأحرى، يحاول أن يكون جديدا، وينجح. اختفت كلمات كوميدية مثل الاصطفاف، وباتت محل تندّر على من يردّدونها، حل محلها الاعتراف بالخلاف، بالصراع، بالجرائم كما يراها كل فريق، ومحاولة الوصول إلى "صيغة" لإدارة ذلك كله، أن نسوق بدلا من أن نُساق. اصطدمت مسلماتٌ كثيرةٌ بنظيراتها لدى الفريق الآخر، وهو ما يحتاج مزيدا من"السمع" والوقت ليصل بالطرفين إلى أهم مسلمات السياسة، وهو أنه لا مسلّمات.
لم تخل التجربة من استعادة بعض المرارات، وترديد بعض السذاجات والمثاليات و"الصعبانيات"، وهذا طبيعي. ثمّة جروح وتقيحات ودمامل لم تجد من ينظفها بعد، ما زالت مطالبات الاعتذار لدى الطرفين. اعتذر أولا لكي نقبلك، أعلن توبتك، وبكاءك وندمك على تقديرك السياسي. ما زال إسلاميون يتفنون في توسيع دائرة الإدانة بالقتل والدم، لتشمل من كتب "بوست" أو "تويت" أو شارك في مظاهرة أو شاهد برنامجا ساخرا، أو نام في بيته وسكت، ولم يكتب في تأييدهم والدفاع عنهم، يقابلهم على الطرف الآخر من يرفضون مجرّد وجود الإسلاميين، بعد فشل تجربتهم، سواء اعتذروا أم لم يعتذروا، لم يخل المشهد أيضا من تصفية بعض المرارات السياسية، بالاغتيال الذي يتخذ شكل النقد، وهو ما حدث مع المخرج خالد يوسف في إحدى الغرف، وتسبب في نقاشات كثيرة بشأنه، استمرت يومين، بدأت بالصراخ، لكنها وصلت إلى الكلام. لم يتفق الطرفان، وهو ما لن يحدث، لكنهما تكلما، وهذا وحده فارق.
كشف "كلوب هاوس" عن قدرة أكاديميين في تقريب أفكارهم وتذليل لغتهم. غرف مختلفة، وتخصصات مختلفة، تأتي السياسة في المقدمة، بطبيعة الحال، والممنوع مرغوب. لفت نظري جهد أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا، خليل العناني، وقدرته على اجتذاب الأطراف كافة، وإدارة نقاش سياسي، يخلو من التعالي الأكاديمي، ويتجاوز الانحيازات الأيديولوجية إلى المعرفية.
كان "كلوب هاوس"، بالنسبة لي، فرصةً لسماع نقاشات سورية وفلسطينية وخليجية، والاقتراب أكثر من مغتربين، ومنفيين، ومُطبعين، ومثليين، وملحدين، ومؤيدين للأنظمة الاستبدادية "لديهم وجهات نظر"! ما يخفيه "الكيبورد" يفضحه "الإيربودز". خايلني صلاح جاهين، أكثر من مرة، كلما تجاوزت غرفة إلى أخرى، تذكرت رباعيته: "عيني رأت مولود على كتف أمه/ يصرخ تهنن فيه، يصرخ تضمه/ يصرخ، تقول يا بني ما تنطق كلام/ ده اللي ما يتكلمش يا كتر همه".

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان