"في سبيل الله والفوهرر" .. النازيون والإسلام

"في سبيل الله والفوهرر" .. النازيون والإسلام في الحرب العالمية الثانية

01 ديسمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يجري الباحث الألماني، الإيراني الأصل، ديفيد معتدل، في كتابه "في سبيل الله والفوهرر: النازيون والإسلام في الحرب العالمية الثانية" (مدارات للأبحاث والنشر، ترجمة محمد صلاح علي، القاهرة، 2021)، مسحاً شاملاً لعلاقة ألمانيا النازية بالعالم الإسلامي والمسلمين في بحثٍ استغرق عشر سنوات، وتناول فيه تفاعل ألمانيا النازية مع الإسلام في أثناء الحرب العالمية الثانية، مبيّناً الكيفية التي حاولت فيها ألمانيا توظيف الإسلام في سياق جهودها الحربية، واستخدامه في الدعاية الدينية خدمة لأغراضها السياسية، والتي شملت مناطق واسعة، امتدت من لاتفيا وليتوانيا وأوكرانيا، مروراً بدول البلقان ومناطق القرم والقوقاز، ووصولاً إلى أذربيجان وإيران وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وطاولت كذلك الهند وأفغانستان وتخوم الاتحاد السوفييتي السابق، حيث حاول المسؤولون الألمان، من خلال توظيفهم الإسلام في سياساتهم، إسباغ الشرعية والمرجعية على حروبهم، وتعبئة المسلمين للقتال في صفوف قواتهم، وإثارة العصيان الإسلامي والتحريض على أعدائهم في دول الحلفاء.

ويستند المؤلف في كتابه إلى مصادر أرشيفية، من بينها أوراق ومذكّرات سياسية، وتقارير عسكرية وكتيبات دعائية، وتسجيلات مراقبة إذاعية، وخطب ورسائل بريد ميدانية، ومحاضر محاكمات نورمبرغ، وأوامر عسكرية عديدة. وأكثر الوثائق محفوظ في دور المحفوظات الألمانية، إلى جانب مصادر محفوظة في دور محفوظات غير ألمانية، كما استند إلى مقالات وكتب وسير ذاتية كثيرة وغيرها.

لم ينظر المسؤولون الاستعماريون الألمان إلى المناهضة الإسلامية للإمبريالية، وفكرة الجامعة الإسلامية، بوصفهما تهديداً لهم

ولا يخرج الكتاب، بشكل عام، عن سياق تناول العلاقة بين الدين والسلطة، من جهة تبيان دور الدين بوصفه أداة توظف في السياسات الدولية والنزاعات والصراعات العسكرية. لذلك تكمن أهميته في أنه يساهم في تعميق إدراكنا الطرق والكيفيات التي سعت من خلالها القوى الدولية إلى توظيف الدين في خدمة مصالحها وتمدّدها السياسي والعسكري، وخصوصا أن تعبئة الجماعات الدينية وحشدها كانت في صلب سياسات الدول العظمى على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين المنصرمين. كما أنه يكشف السبل التي فهمت بها السلطات الألمانية الدين الإسلامي، ووظفته في تحقيق غايات سياسية واستراتيجية، إلى جانب فحص عمل السياسات الدينية، واستعراض التفاعل مع المؤسسات والسلطات والتقاليد الدينية، مع تسليط الضوء على توظيف العقيدة والخطاب والرموز الدينية، وعلى البروباغندا الدينية أيضاً.

يبدأ المؤلف بتتبع سياسات ألمانيا مع الإسلام في فترة ما قبل عام 1914، حيث سعى الألمان إلى توظيف الدين بوصفه أداة حكم في مستعمراتهم في أفريقيا، من خلال ترك البنى الإسلامية المحلية على حالها، طالما قبل الزعماء المسلمون الوجود الألماني الاستعماري، وزاول المسؤولون الألمان الحكم من خلال وسطاء ووجهاء مسلمين، أسبغوا الشرعية على الدولة الاستعمارية.

واستمرّت ألمانيا في تعزيز سيطرتها الاستعمارية عن طريق استخدام الإسلام، لكن مع تزايد انخراط الألمان وتدخلهم في العالم الإسلامي، تصاعدت وتيرة نقاش الخبراء ومسؤولي الدولة الألمانية عن الإسلام بوصفه مقولة سياسية، وكانت أشكال السياسات الموجهة نحو الإسلام أو سياسة الإسلام مثار جدل كبير في الدوائر الاستعمارية والحكومية. ويرى المؤلف أنه على النقيض من نظرائهم البريطانيين والفرنسيين والروس، لم ينظر المسؤولون الاستعماريون الألمان إلى المناهضة الإسلامية للإمبريالية، وفكرة الجامعة الإسلامية، بوصفهما تهديداً لهم، ونظروا إلى الإسلام بوصفه فرصة، ليس فقط في المستعمرات، بل في سياق السياسة العالمية التي تبناها قيصر ألمانيا فيلهلم الثاني، وتجلت أطرها وملامحها في جولته الشرق أوسطية التي قام بها في خريف عام 1898، وفي خطابه الذي ألقاه، بعد زيارته قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق، واعتبر فيه نفسه "صديقاً لثلاثمئة مليون محمدي" في العالم.

وصل التودّد الألماني للإسلام إلى ذروته في الجهود التي بذلت من أجل تعبئة المسلمين إبّان الحرب العالمية الأولى

ووصل التودّد الألماني للإسلام إلى ذروته في الجهود التي بذلت من أجل تعبئة المسلمين إبّان الحرب العالمية الأولى، وأثمرت عن إصدار شيخ الإسلام العثماني مصطفى خيري الأوركوبي خمس فتاوى تدعو إلى جهاد قوى الوفاق، التي تمخضت عن حلف عسكري بين إنكلترا وفرنسا وروسيا القيصرية، وخاضت الحرب العالمية الأولى ضد قوى المركز التي كانت تضم ألمانيا القيصرية والإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية ومملكة بلغاريا. وكثفت ألمانيا والدولة العثمانية، طوال فترة الحرب، جهودهما بغية تحريض "العالم المحمدي أجمع" على ثورة عارمة، حسب تعبير فليلهم الثاني، ضد الإمبراطوريات البريطانية والروسية والفرنسية، وقد وظفت السلطات الألمانية والعثمانية شعارات وشبكات إسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهند، وردّ عليهم البريطانيون والفرنسيون والروس بشعاراتهم ودعايتهم الخاصة.

وقدّم المسؤولون الألمان خططاً وتصورات بغية تثوير المناطق الإسلامية في "مستعمرات الأعداء وعلى تخوم إمبراطوريتهم"، وأن "تثار القلاقل في الأعماق الإسلامية في الإمبراطوريات المناوئة، بغية إشغال قواتهم عن جبهات أوروبا"، ومن بين "الاقتراحات المتماسكة: العمل على ثورة دينية في الهند بأسلحة ألمانية مهرّبة، وتحويل القوقاز إلى مهد لانتفاضة إسلامية، وغزو مصر، والتودّد إلى الأسرى المسلمين من الجيوش الاستعمارية للوفاق ثم حشدهم ضد أسيادهم الإمبرياليين". كما لعب العلماء والخبراء الألمان دوراً مهماً في الدعوة إلى استخدام الدين الإسلامي، وأسّسوا مراكز لدراسات الشرق، ونشروا كتباً وأبحاثاً عن الإسلام. "وفي سنوات الحرب العالمية الأولى، راج الهوس بالإسلام في جميع أنحاء الرايخ، إذ كانت الصحافة الألمانية تطفح بمقالات عن الجهاد، وحاضر خبراء الإسلام محاضرات عامة عن التحالف مع العالم الإسلامي، وصدرت العديد من الكتيبات والبحوث الموجزة عن الجهاد". وكان مركز حملة ألمانيا الإسلامية مكتب استخبارات الشرق، التابع لوزارة الخارجية والقيادة الألمانية العليا، حيث "وظف المكتب عدداً من الخبراء والأكاديميين والدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين، والمتعاونين المسلمين كالفقيه التونسي الشهير صالح الشريف التونسي، والداعية المصري عبد العزيز جاويش، والداعية التتري البارز إلى فكرة الجامعة الإسلامية عبد الرشيد إبراهيم".

لم تكن ألمانيا القوة الوحيدة التي حاولت توظيف الإسلام لحشد الدعم في العالم الإسلامي خلال الحرب العالمية الثانية، ففي الواقع بذلت شريكتاها في المحور، اليابان وإيطاليا، جهوداً مماثلة

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، اعتقد بعضهم أن الإسلام لا ينطوي على أهمية سياسية، بالنظر إلى إخفاق التعبئة المستندة إلى فكرة الجامعة الإسلامية، وإلغاء الخلافة العثمانية في 1924، ومحاولة نخب سياسية فرض رؤى علمانية وحداثية في كل من تركيا الكمالية وإيران البهلوية وألبانيا الزوغوية (نسبة إلى أحمد زوغو ملك ألبانيا من 1928 إلى 1939). لكن المؤلف يعتبر أن الفترة ما بين الحربين هي حقبة إحياء إسلامي عالمي إلى حدّ كبير، وظل الإسلام على جدول أعمال المسؤولين الألمان طوال تلك الفترة، ثم سادت نقاشات في برلين عن أهمية الإسلام وتوظيفه مع وصول الحرب إلى الأراضي الإسلامية في عام 1941، حيث احتلّ الألمان جميع أراضي أوروبا الشرقية التي تقطنها أغلبيات أو أقليات مسلمة، ووصلوا إلى جزيرة القرم في البحر الأسود، جنوب الاتحاد السوفييتي السابق. وهناك، ودعماً لحلفائهم الإيطاليين، احتل النازيون تونس مدة وجيزة، ثم وصلوا إلى مصر عبر ليبيا، حتى هزيمتهم الشهيرة في معركة العَلَمين على مشارف مدينة الإسكندرية.

ولم تكن ألمانيا القوة الوحيدة التي حاولت توظيف الإسلام لحشد الدعم في العالم الإسلامي خلال الحرب العالمية الثانية، ففي الواقع بذلت شريكتاها في المحور، اليابان وإيطاليا، جهوداً مماثلة، وفي أواسط الحرب نافسهم البريطانيون والأميركيون والسوفييت، إذ تعهدوا جميعاً بالدفاع عن الإسلام ونصرة المسلمين، وهي ظاهرةٌ يمكن تسميتها باللحظة الإسلامية في الحرب. وفي أوائل عام 1937، نظَّم الدوتشي بنيتو موسوليني احتفالًا عامًّا في طرابلس (الغرب)، حصل فيه على "سيف الإسلام" المرصَّع بالجواهر، ليعلن نفسه، رمزيًّا، حامي حمى العالم الإسلامي، وأعلن أن إيطاليا ستُجِلُّ "شريعة النبي"، وقد علَّق غوبلز في يومياته قائلًا: "يجوب موسوليني أفريقيا مشيدًا بالإسلام، وهو تصرُّف ماكر شديد المكر، أثار، من فوره، قلق باريس ولندن".

وقد حاول الألمان استمالة السكان المسلمين والتودّد إليهم وتجنيدهم في فرق عسكرية مسلمة موالية لهم. وكان أكثر المجندين من الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم من البلقان، إضافة إلى عدد أقل من الشرق الأوسط، وخصوصا الدول العربية. وأنشأت السلطات الألمانية عدداً من المؤسسات الإسلامية، مثل معهد برلين الإسلامي المركزي في عام 1942، ووظفت زعامات دينية عديدة في جميع أنحاء العالم الإسلامي لدعم جهودها وخططها، وكان أبرز هؤلاء المفتي الليتواني يعقوب شينكييتش، الذي روّج لنظام هتلر، بوصفه أساساً للوحدة والإحياء الإسلامي في الأراضي الإسلامية في أوروبا الشرقية وأسيا الوسطى، ومحمد بانجا، أحد وجهاء البوسنة المسلمين وعلماء سراييفو البارزين، وكان حليف الألمان في البلقان، ومفتي القدس الشهير أمين الحسيني، الذي دعا المسلمين من المغرب إلى الملايو إلى جهاد الحلفاء.

السير التي تناولت نشاط الحاج أمين الحسيني بالغت في تقدير نفوذه في برلين

ويصف المؤلف المفتي أمين الحسيني بـ"المزهو بنفسه"، ويعتبره من أبرز الرموز الدينية التي وظفتها وزارة الخارجية الألمانية في تغذية دعايتها الدينية الموجهة للعرب والمسلمين، ويرى أن السير التي تناولت نشاط الحسيني بالغت في تقدير نفوذه في برلين، "ففي المحصلة كان نفوذه محدوداً للغاية، إذ فشلت خطته في تحقيق هدفها الرئيسي بالحصول على امتيازات وضمانات واضحة باستقلال العرب والمسلمين، ولم تفعّل مقترحاته إلا بقدر اتفاقها مع المصالح الألمانية".

الحاج أمين الحسيني مع الجنرال هاينريش هيلمر (Getty)
الحاج أمين الحسيني مع الجنرال هاينريش هيلمر (Getty)

 

وعندما وصل الحسيني في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 1941 إلى برلين على متن طائرة ألمانية، استقبله هتلر في دار مستشارية الرايخ الجديدة، و"اقتصر الحوار بينهما على تبادل عبارات المجاملة الشكلية والتأكيد أنهما يحاربان العدو نفسه، الإنكليز واليهود والبلشفية. وعندما طلب الحسيني من هتلر ضمانة مكتوبة باستقلال العرب، خاصة استقلال فلسطين، تهرَّب هتلر من الأمر، وعندما كرّر الحسيني طلبه، أخبره هتلر بأن الوقت لم يَحِن بعدُ لهذا النوع من المطالب. لكن هتلر أكد كفاحه ضد اليهود بلا هوادة، بمن فيهم يهود البلاد العربية". واستمرَّ المفتي في برلين، وحاول في السنوات التالية التأثير في السياسات الألمانية تجاه العالم الإسلامي، "لكن سرعان ما ساءت سمعته لِمَا عُرف عنه من الكيد لخصومه"، الذين كان من أبرزهم رئيس الوزراء العراقي الأسبق رشيد عالي الكيلاني، الذي حضر إلى برلين بعد هزيمته في العراق.

ركّز النازيون في دعايتهم الدينية في المناطق الإسلامية بالقوقاز والقرم على منح الحريات الدينية لهؤلاء السكان، كونهم عانوا من الاضطهاد السوفييتي؛ حيث فُرض عليهم منع المظاهر الدينية

ويورد المؤلف أسماء شخصيات ورموز إسلامية عديدة أقل شهرة عملت تحت إشراف وزارة الخارجية، مثل الإمام عالم جان إدريس، الذي كلفته بترجمة كتاب هتلر "كفاحي" إلى اللغة الفارسية، إلى جانب توظيفها متعاونين لدعم جهودها الدعائية، وكان من بينهم عبد الحليم النجار ومحمد الصفتي، اللذان قاما على إدارة المهد الإسلامي المركزي التابع لوزارة الخارجية، والذي سيغدو مركزاً للبروباغندا الإسلامية الألمانية. ومالت ألمانيا تدريجياً إلى الأهداف قصيرة المدى والضرورات العاجلة للحرب، وسعت مراكز شتى في برلين إلى بناء تحالفات عسكرية أكبر، مبديةً درجةً كبيرةً من البراغماتية، حيث أصبحت العوائق الأيديولوجية أقلّ تأثيراً، وغدت الحواجز العرقية أقلّ صرامة أيضاً. وكانت إحدى ميزات استغلال الإسلام، بدلاً من الشعارات العرقية والقومية في مناطق البلقان والقوقاز، هي أن برلين ستتجنَّب تشجيع إعلانات الاستقلال القومي للأقليات القومية المسلمة في الاتحاد السوفييتي.

وركّز النازيون في دعايتهم الدينية في المناطق الإسلامية بالقوقاز والقرم على منح الحريات الدينية لهؤلاء السكان، كونهم عانوا من الاضطهاد السوفييتي؛ حيث فُرض عليهم منع المظاهر الدينية. ومع وصول القوات النازية إلى هذه المناطق، اتبعت سياسة منح المسلمين امتيازات دينية، بهدف الحصول على ولائهم وعلى متعاونين محليين لإحلال السلم في هذه المناطق، وتأمين ظهر القوات النازية في حربها ضد الروس؛ إذ أمرت بفتح المساجد مرة أخرى، بل بُنِيَت مآذن جديدة، ووافق الجيش الألماني على إعادة التعليم الديني، وأمرت الفرقة النازية بأن يصبح يوم الجمعة في المناطق الإسلامية في القوقاز يوم عطلة، وروَّجت ألمانيا في كتيبات دعائية لنفسها بوصفها صديقة للإسلام. ويعتبر المؤلف أن المسلمين رأوا "في قدوم القوات النازية فرصة لممارسة الشعائر الدينية، وحيَّوا جنود القوات النازية بهتافات المحررين، وأرسل المسلمون في القرم فواكه ومنسوجات للقيادة الألمانية ولـ"أدولف أفندي".

ومنذ عام 1943، شرعت وحدات الحماية النازية في الاهتمام بالشؤون الإسلامية، وشاركت في السياسات الإسلامية في البلقان، ثم توسّعت لتشمل الاتحاد السوفييتي وآسيا الوسطى. وعلى الأرض، شرعت وحدات الحماية في توظيف التشكيلات الشرقية المسلمة، وزوّدت جنودها برعاية دينية خاصة، وتلقين سياسي مشحون دينياً، وفي عام 1944، افتتحت مدرسة للملالي في درسدن لتدريس الأئمة الميدانيين. ولدعم هذه السياسة، وظفت خبراء بالإسلام كي يساعدوا في إدارة الفرق المسلمة التي انضمت إلى القوات النازية، ووضعت خططاً لتأسيس فيلق عربي وجيش إسلامي هندي.

حاول الألمان استمالة السكان المسلمين والتودّد إليهم وتجنيدهم في فرق عسكرية مسلمة موالية لهم

ولجأ الألمان في بلدان المغرب العربي إلى البث الإذاعي والمنشورات المطبوعة، بغية حضّ العرب المسلمين على الثورة ضد حكّامهم الإمبرياليين، حيث ألقت الطائرات الألمانية مئات الأطنان من المنشورات والبطاقات البريدية والكتيبات، وأعدت الخارجية الألمانية منشورات تصور الحرب على أنها فرصة للثورة على البطش الإمبريالي الفرنسي: "لقد أنعم الله عليكم بهذه الفرصة، وعليكم ألا تضيعوها"، و"سيعينكم الله إن أخلصتم لمعركتكم"، و"هلُمُّوا إلى الألمان، الذين لم يُؤذوا المسلمين قَطّ". وكان أحد المنشورات الصادرة في خريف 1941، حينما كانت القوات الألمانية تقترب من الحدود المصرية، يهيئ المدنيين فيما وراء خط النار للهجوم، ويؤكد أن الشعب الألماني "يتعاطف مع نضالكم ضد الإنكليز واليهود بحرارة، وقريباً إن شاء الله بأكثر من ذلك"، وصدر منشور آخر بآيات سورة الأنفال (الآية 15): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}. ووصل عدد منشورات الحملة الدعائية في مصر إلى مليونين ومئة ألف منشور، منها مئة ألف نسخة من منشور "راية المسلمين الخضراء"، أما في تونس فقد وُزِّع ما لا يقلُّ عن ستة ملايين منشور، بينما نشرت الدعاية النازية في سورية ولبنان أنشودة "لا مسيو ولا مستر، الله في السماء وفي الأرض هتلر"، فضلاً عن أنه جرى طبع القرآن بكميات كبيرة وتوزيعها على الجنود المسلمين في القوات النازية، كما أن المسؤولين الألمان اهتموا بمراعاة الحساسيات العربية، حيث عُدِّل اسم مكتب النشاط "المُعادي للساميين" في وزارة الدعاية الألمانية إلى النشاط "المُعادي لليهود"، ثم جرت محاولات للبحث عن أوجه شبه بين النازية والإسلام، من خلال الحديث عن المماثَلة بين مفهوم الأمة الجرمانية المرتكز على العِرق، ومفهوم الأمة الإسلامية المرتكِز على الدين وسوى ذلك.

والحاصل أن كتاب "في سبيل الله والفوهرر" لا يجيب شكل حاسم عن سؤال الأثر الأوسع للسياسة الألمانية والبروباغندا الدينية حيال المسلمين، كونه، حسبما يرى المؤلف، يهتم أكثر بالمحاولات الألمانية النشيطة لتسييس الإسلام وتوظيفه في الحروب.

وإن كان الألمان قد وجودوا متعاونين معهم بين الزعامات المسلمة، إلا أن القضية أعقد من ذلك، ولعل القيام بتعميمات عن دور من تورّط من المسلمين في الحروب الألمانية هو أمر شبه مستحيل، فهي ليست قضية ضحايا ومجرمين، إذ إن المسلمين قد يكونون ضحايا وقد يكون بعضهم مجرمين، حيث تعاون بعضهم مع الجيش الألماني، فيما قاتل الآلاف من المسلمين ضد الجيش النازي، وكلّفت الحرب العالمية الثانية وما بعدها مباشرة آلافاً مؤلفة من المسلمين حياتهم.