العنوسة في الجزائر.. الأوروبيّات يرفعن الأرقام
العنوسة في الجزائر.. الأوروبيّات يرفعن الأرقام
(فرقة أوروبا الشرقية للباليه في الجزائر، تصوير: ميليت جورجس)
تشكّل العنوسة ظاهرة مخيفة في المجتمعات العربية، وبدرجة أقل في المجتمعات الغربية بحكم مجموعة من الأطر والأحكام والتقاليد المتعلّقة بالفرد الغربي وتفكيره وغيرها، لكن العنوسة في العالم العربي ومنها الجزائر أصبحت مشكلة يستعصي إيجاد حلول لها من طرف الأسر وجمعيات المجتمع المدني وحماية المرأة والجمعيات الخيرية، وحتى من السلطات الرسمية التي تُسهم بشكلٍ أو بآخر في ارتفاع نسبة العوانس في الجزائر.

عادة ما تُطلعنا تقارير صحافية ودراسات وإحصاءات رسمية، عن ارتفاع مخيف في نسبة العنوسة وعدد الشباب العازب، وعادة ما تقدّم عدة أسباب لبروز هذه الظاهرة التي أصبحت تطارد الفتيات في الجزائر لاسيما في السنوات الأخيرة، ويدور جدل دائم حول حقيقة هذه الإحصائيات والمبالغة فيها، وبين من يرى أن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير من المصرّح عنها.


العانس "قنبلة موقوتة"

تبدو أسباب العنوسة بسيطة بالإمكان تفاديها ومعالجتها، إذا ما ارتبطت بتوجيهات سليمة من طرف السلطة والجمعيات والأسر، أو بتغيير الذهنية التي يصفها مختصّون بـ"المتحجّرة" تجاه المرأة، فعلى سبيل المثال ترفع شعارات الجمعيات النسوية والتيّارات المدافعة عن حقوق المرأة باختيار الزوج الأنسب وصاحب العمل المريح، واشتراط عمل المرأة، ورفض تعدّد الزوجات، وتحديد النسل، أسهم الزواج في الجزائر، إلى جانب البطالة وغلاء مهور الزواج وتكاليفه في مناطق كثيرة داخل الوطن، فضلًا عن النظرة الذكورية للمرأة العاملة والتي بقيت حبيسة

السلبية، مما أدّى إلى تخلّي كثير من الشبان عن اختيار النساء العاملات شريكات لحياتهم، اعتقادًا منهم أنّهن نساء متمرّدات ولا يصلحن لأن تكنّ زوجات مثاليات، حيث تكثر هذه الظاهرة في الأرياف والقرى والمداشر بفعل المعتقدات والتقاليد التي تحكم أفراد تلك المناطق، ويكون هذا التوجّه بدرجة أقل في المدن الحضرية، بل إنّ الشاب يفضّل أن تكون شريكة حياته امرأة موظّفة في القطاع الخاص أو الحكومي لتساعده على أعباء الحياة وتقاسمه تكاليف الإيجار وغلاء المعيشة... وغيرها.

وبالرغم من جهود الجمعيات الخيرية والدينية التي تنظّم زواجًا جماعيًا للشباب، تدفع تكاليفه من خلال التبرّعات، إلا أن هذه العملية التي يستحسنها الجميع، خاصّة الفقراء، تظل محدودة وتقتصر على مناسبات دينية فقط، في ظل عدم وجود قوانين تؤطّر الزواج وتسقّف المهور باعتبار أنّ الحدّ الأدنى لإقامة حفل زفاف في الجزائر يفوق 100 ألف دولار، يتبخّر رهان الشباب البالغين سنّ الزواج وسط المعتقدات الخاطئة، وتفشي البطالة، والغلاء الفاحش للمهور التي تتراوح في عديد مناطق البلاد بين 2000 و4000 دولار، وهو رقم لا يمكن تحصيله بالنظر إلى قلّة فرص العمل ومرتّب الموظف الجزائري الذي لا يكفي حتى لتغطية حاجيات شهر واحد، بصرف النظر عن هواجس إيجار السكن من منازل أو شقق في ظل أزمة السكن الحاصلة في البلاد.


أرقام مخيفة
وفي ضوء هذه التناقضات والمعادلات الصعبة حول قضية العنوسة في الجزائر، كشفت إحصاءات رسمية عن زيادة عدد النساء غير المتزوجات في الجزائر بنحو 200 ألف سنويًا، حيث ارتفع عددهن إلى 11 مليون امرأة عانس، وهو الرقم الذي يفوق عدد سكان 5 دول عربية، وفقًا لتقارير صحافية.

وحسب ما أوردته إحدى الصحف مؤخرًا، فإن معدّل العنوسة في البلاد على النحو التالي: 11 مليون عانس منهن 6 ملايين فوق سن 25 عامًا، و5 ملايين عانس فوق سن الـ 35. وأشارت الصحيفة ذاتها إلى تسجيل 200 ألف عانس سنويًا في الجزائر.

وكشفت الأرقام الرسمية المعلنة من طرف الديوان الوطني للإحصاء الجزائري قبل نحو 3 سنوات، عن وجود 4 ملايين فتاة لم تتزوّج بعد رغم تجاوزهن سن الـ 34، من مجموع السكان الذي يقدر بأزيد من 40 مليون نسمة، وفي إحصاء آخر، وقعت 56 ألف حالة طلاق في الجزائر عام 2016، كما جرى إحصاء نحو 41 ألف سيّدة مطلقة عاملة. وتسجّل أعلى حالات الطلاق لدى المتزوّجين في الفئة العمرية من 20 إلى 30 عامًا.


حظوظ الزواج تتقلّص
ووفقًا لهذه الإحصاءات، يرى مختصّون أنّ رقم العنوسة مرشّح للارتفاع في السنوات المقبلة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بفترة العشرية السوداء.

وتقول رئيسة المرصد الجزائري للمرأة شائعة جعفري، إنّ ظاهرة العنوسة مرشّحة للارتفاع في الجزائر بحكم عدة الأسباب أهمّها؛ انتقال فكر المرأة الجزائرية من تلك المرأة الماكثة في البيت إلى المرأة الباحثة عن العلم والعلم.

وتضيف جعفري في حديث إلى لـ"جيل"، أنّ الأولوية عند المرأة الجزائرية في وقتنا الراهن أصبحت الحصول على درجة كبيرة من العلم والحصول على شهادات عليا بدعم من العائلة، في مقابل ذلك لا تضع الزواج ضمن قائمة أولوياتها عكس ما كان في السابق، حيث كانت الأسرة تبحث عن الاستقرار العائلي لبناتها بتزويجهن.

وتشير المتحدّثة أنّ العائلة الجزائرية اليوم لا تنزعج لعدم زواج بناتها، بل تنزعج لعدم حصولها على شهادات دراسية عليا وعدم حصولها على وظيفة معينة ولو تجاوز عمرها الثلاثين سنة.

وحسب جعفري فإنّ هذه العوامل قلّصت من حظوظ زواج الفتيات والشبان معًا، فضلًا عن غلاء المعيشة والمهور.

وتؤكّد المتحدّثة في السياق، أنّ الخطر يحدّق بالعائلات الجزائرية وينذر بانفجار وشيك للحمة المجتمع الجزائري، خصوصًا مع التحوّل الحاصل اليوم من العائلة الممتدّة (العائلة الكبيرة) إلى الأسرة النووية، من خلال بحث المقبلين على الزواج عن بيوت منفردة للعيش فيها وليس العيش ضمن أحضان العائلة الكبيرة كما في الماضي.

وتوضّح جعفري في معرض حديثها، أنّ الحصول على بيت منفرد في الجزائر ليس بالأمر السهل، ناهيك عن ذهنية الشباب التي تتلخّص في ترتيب الأمور المادية والمتعلّقة بإيجاد وظيفة مناسبة بدخل مرتفع والحصول على سكن، في ظل ارتفاع سعر إيجار وبيع المساكن بمختلف أصنافها.

ولم تخف جعفري أنّ بعض "المعتقدات البالية" التمييزية، كالنظر إلى المرأة التي تدخل مرحلة العنوسة بنظرات دونية، عكس الذكر الذي تتفاداه نظرات المجتمع، أسهمت نوعًا ما في ارتفاع نسبة العنوسة وتقلّص زواج العوانس.


المجتمع الجزائري في خطر
من جهته، يؤكد رئيس النقابة الوطنية للأئمة الجزائري جلول حجيمي، أنّ نسبة العوانس في الجزائر ترتفع بشكل مفزع في البلاد خاصة وفي الوطن العربي بصفة عامة، وليست أيّة دولة بمنأى عن هذا الخطر.

ويُرجع حجيمي في تصريح إلى "جيل"، تفاقم أرقام العوانس في البلاد إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي المزري الذي يعيشه الجزائريون، كانتشار نسب البطالة في أوساط الشباب، وغلاء المهور بسبب الشروط القاسية التي تفرضها العائلات لتزويج بناتها وغيرها من العوائق.

ويلفت المتحدّث إلى أنّ عقلية الشباب الجزائري (الذكور) اليوم تغيرت، حيث أصبحوا يحلمون بالعيش في الضفة الأخرى من المتوسّط والزواج من الأوروبيات أو المهاجرات، بدليل موجات الهجرة غير الشرعية التي تزداد دائمًا، وبالتالي -وفقه- يترك هؤلاء الشباب بنات بلادهم عانسات أملًا في الحصول على الجنسية الأوروبية وتحسين ظروف عيشهم.

ويدعو المتحدّث، إلى إيجاد مخرج لهذه الظاهرة الخطيرة بتشجيع الجنسين على الزواج في سن مبكرة وتخفيف أعباء تكاليف الزواج، وتقليص قيمة المهور، وكذلك تشجيع تعدّد الزوجات بغية كبح خطر العنوسة، لكن يعتقد حجيمي أنّ تطبيق هذه الحلول على أرض الواقع يبدو صعبًا، ممّا يؤدي إلى تفكك الأسرة ونسيج المجتمع الجزائري.

وأمام استفحال ظاهرة الغلاء في مهور الزواج، وانتشار البطالة وأزمة السكن، وتغير ذهنية المرأة والرجال نتيجة لعوامل نفسية وثقافية مرتبطة بالعولمة ووسائل الاتصال الحديثة، والانفتاح على الثقافات الأخرى، يشكّل الطلاق كذلك نقطة سلبية سوداوية في هذه الحلقة المتعلّقة بالعنوسة، فبغض النظر عن العوانس من دون زواج، تضاف المرأة المطلقة إلى القائمة ولو بصيغة أخرى.