الشاب حسني... 23 سنة ولم يقتله الرصاص
الشاب حسني... 23 سنة ولم يقتله الرصاص
(الشاب حسني يمين الصورة/ فيسبوك)
صادف يوم الجمعة الماضية الذكرى الـ 23 لرحيل عندليب أغنية الراي الجزائرية الشاب حسني، اغتيل في الـ 29 أيلول/ سبتمبر سنة 1994 على يد جماعات مسلّحة، حسني غنّى للحب وللأمل في زمن الموت، تحدّى "الإرهاب" وصنع الفرحة وسط الخراب، وبعد بمرور قرابة ربع قرن على رحيله، لا يزال حيّاً بين عشّاقه خاصة وعند الجزائريين عامة. حسني لم يمت، ولكنّه ترك الحب يتيماً من بعده.

حسني شقرون، الملقب بملك الأغنية العاطفية، ويعرف فنّيا بـ "الشاب حسني"، وهو لقب يختصّ به الفنانون الجزائريون في طابع أغنية الراي ونذكر مثلاً الشاب خالد، الشاب مامي، الشاب حسان، الشاب نصرو، الشابة فضيلة، الشابة الزهوانية، بحيث لا يزال هذا اللقب يلازم أصحابه حتّى ولو تقدمّوا في السنّ، لكن حسني توفي حقيقة وهو شاب لا يتجاوز الـ 26 من العمر، كانت 7 سنوات كفيلة لأن يطبق سيطرته على أغنية الراي العاطفية ويحشد وراءه مئات الآلاف بل ملايين الشباب الذين يحفظون أغانيه عن ظهر قلب.

سبع سنوات "سونتيمونتال" في زمن الموت
تمكن حسني في ظرف سبع سنوات من أن يقدّم ما لم يقدمه فنانون امتهنوا الغناء لأكثر من ربع قرن، ملك قلوب الشباب وقاوم الإرهاب بفنّه وبإحساسه وتحدّى التهديد والرصاص في زمن الموت، فلم تمنعه "الحواجز المزيفة" التي أقامتها الجماعات المسلّحة في الطرقات من إقامة الحفلات ولا الغناء في أعراس الجزائريين ولم تمنعه الأحزمة الناسفة والسيارات المفخّخة من إحياء السهرات في الساحات العامّة، هكذا هو حسني الذي ارتبط بأغاني "السونتيمونتال" (كلمة فرنسية وتعني الأغاني العاطفية) التي تردّد صدى صوتها في كل مكان.


كان حسني يستلهم أغانيه من الواقع، فكادت أغانيه تلامس كل مشاكل الشباب العاطفية بدقّة وبكثير من التفاصيل، وكأنه عاش كلّ حالات الحب والحزن دفعة واحدة، كان من أشهر ما غنى "طال غيابك يا غزالي"، وأبدع في "راني نادم على ليام" و"كامل النساء"، "ما تبكيش قولي دا مكتوبي"، "عمري عمري"، "قرقشقني هاد الزين"، "مازال كاين l'espoir"، إضافة إلى أغان أخرى لا يزال وقعها يسمع كلّما تجلّى حسني بصوره على "فيسبوك" أو "تويتر" أو "يوتوب"، لا تزال مرتبطة بأذن الجزائري رغم بروز أصوات جديدة لديها من الإمكانات الفنيّة ما يكفي لأن تكسب قواعد جماهيرية كبيرة، ولكن حسني يشكّل استثناء، يشكّل قطعة أساسية من بين الشخصيات المؤثّرة في الجزائر خلال الخمسين سنة الأخيرة، بصوته العذب وبروحه الطيبة وبتواضعه وتعاطفه مع الغلابى من المجتمع والذين كان يفرد لهم أغاني خاصة، منها أغنية "داك المحروم عايش مغبون بين صحابه لا دار لا أم .." وغنّى لقوافل الراغبين في الهجرة فقال: "أعطوني الفيزا"، وقد بيع من ألبومه "الفيزا" عند صدوره في 1992 أكثر من 250 ألف نسخة، وحقق ألبوم "البيضاء مون أمور" (120 مليون نسخة) و"البراكة" (800 ألف نسخة)، وغيرها من الألبومات التي حركت مشاعر الشباب وأنستهم يوميات القتل والذبح في سنوات التسعينيات.

لم يكن يريد أن يكون طبيباً أو محامياً
ابن حي قمبيطة (الصديقية حاليًا) في مدينة وهران (غرب البلاد)، حسني شقرون قبل الشهرة، كان فقيرًا، والده كان حدّادًا، وكان حسني يهوى كرة القدم، فلعب لأحد النوادي المحلّية بمحافظة وهران، كان يحب الموسيقى والغناء أكثر من الدراسة، فلم يكمل المسيرة رغم إلحاح والده الذي كان يأمل أن يصبح فلذة كبده طبيبًا أو محاميًا، ولكن القدر شاء غير ذلك، اقترب حسني من هوايته و"محبوبته" الموسيقى، فبدأ بالغناء في الأعراس والحفلات، قبل أن يصير نجمًا داخل وخارج الجزائر، محطمًا الأرقام القياسية في مبيعات الألبومات الغنائية في زمن كان بعضهم يتوسّلون المنتجين بألا يصدروا أشرطة حسني حتى تباع كميّة من أشرطتهم، كذلك يعدّ حسني من أوائل الذين اقتحموا أسوار أوروبا وغنّوا في أكبر مسارحها رفقة ملك الراي خالد وفضيلة صحراوي والشاب مامي، وكان أوّل من أوصل الراي إلى الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة.

مضت الأيام وزاد حسني تألقًا وشع وهجًا داخل الجزائر وخارجها، حتى جاء اليوم الأسود، ففي صباح خريف الـ29 أيلول/ سبتمبر، قتل حسني برصاصة كانت كافية لأن تلبس وهران اللون الأسود، وتحزن الوسط الفني، قبل أن تقع كالصاعقة على أسرته وبالخصوص والدته وشقيقه لعرج.

رثاء نفس
قبل الاغتيال، تنبّأ حسني بوفاته، وخلّد ذلك في أغنيتين حزينتين بعد الإشاعات التي كانت تعمّ وهران حول وفاته، ولكن غالبًا ما كان يقابلها بابتسامة جميلة تلك التي عرف بها منذ بداياته الفنية ولم تفارقه حتى رحيله.

فقال حسني في أغنية "قالوا حسني مات" لمن أرادوا نشر الفاجعة وسط أهله: "لميمة دهشت وبكات قتلتوني وأنا حي، وصلتوني للمقبرة وبكلامهكم درتو فيا الهدرة، الناس ولت رايحة وجاية يادرا بصح حسني مات.."، ومعناها: (اندهشت أمي وبكت، قتلتموني وأنا حيّ، أوصلتموني إلى المقبرة، نشرتم الإشاعات، الناس في جيئة وذهاب وتسأل هل حسني فعلًا مات؟..). وقال في الثانية "الموت علينا قاع، نموت أنا سبق أه مّا، راني عليكم، جرحتولي مّا واسمحيلي ها مّا.."؛ (الموت علينا كلنّا، أموت أنا أولًا يا أمي، أنا أقصدكم أنتم، جرحتم والدتي، أمّي سامحيني).

حسني .. ما زلنا نسمع أغانيك
حسني لم يمت في قلوب الملايين من الجزائريين، مواطنين بسطاء أو نجوم، كل سنة تحتفل المؤسّسات الثقافية بذكرى اغتياله، وفي ذكراه الثالثة والعشرين استعادت وهران عاصمة الراي ومسقط رأس المرحوم حسني مجد مطربها الشهير، بمشاركة عشرات الفنانين الذين كرّموه على طريقتهم الخاصة بإعادة تأدية أغنية من روائعه التي اشتهر بها في ظرف سبع سنين فقط.

كذلك احتفل نجوم الكرة، على غرار اللاعب ونجم ليستر سيتي الإنكليزي رياض محرز بذكرى رحيل حسني، بحيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لمحرز وهو يحمل لافتة مرفقة بصورة المرحوم حسني كتب عليها 29 أيلول 1994 تاريخ وفاة حسني وبعض عبارات الرثاء منها رحم الله حسني، وهران ستظل دائما تفتقدك.

وتناقل سابقًا رواد فيسبوك فيديو للاعب بايرن ميونخ الألماني الفرنسي فرانك ريبيري وهو يستمع داخل سيارته إلى إحدى الأغاني الرومانسية التي أداها المرحوم حسني، أمّا أمير الراي مامي فقدم في واحدة من حفلاته مقطعًا لأغنية "مازال لي سوفونير عندي" (لا تزال عندي ذكريات)، وقال وقتها: "هذا تكريم بسيط لفنان طيّب رحل عنّا قبل سنوات وهو الشاب حسني".

يكفي أن تتجوّل في شوارع الجزائر، في وهران مسقط رأس الشاب حسني، أو جنوبًا في مدن الصحراء أو شرقًا في مدينة قسنطينة أو سطيف أو البرج أو حتى في تونس، حتى تسمع نغمات "راني خليتهالك أمانة"، "نهار لفراق بكيت"، "نغدى نشوف زينة لبنات"، "تندمي على أفعالك"، "ما نحكي ما نشكي"، رحل الشاب حسني ولكن قلوب الجزائريين ما زلت ترحل إليه.