سماسرة الصلح العشائري...استغلال المتخاصمين في فلسطين

سماسرة الصلح العشائري...استغلال المتخاصمين في فلسطين

رام الله
مجد علي
11 يناير 2021
+ الخط -

يستغل سماسرة الصلح العشائري في فلسطين جهل المتخاصمين بقوانينه وأعرافه للارتزاق، ابتداء من ثمن تحديد جلسة للصلح، ومروراً بمراحل التقاضي المختلفة وصولاً إلى دفع مقابل النطق بالحكم والذي لا يعترف بالقضاء النظامي.

-اضطر طبيب الأسنان الفلسطيني رامي حمدان، من بلدة عناتا، شمال القدس، إلى شراء كتاب "عرب الصحراء"، للكاتب هارولد ديسكون، في محاولة للقراءة عن القوانين الاجتماعية وفهم أبعاد الصلح والقضاء العشائريين، بعدما تكبد خسائر بقيمة 30 ألف دينار (42 ألف دولار)، خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب مشاكل عرضت على رجال إصلاح وعشائر في منطقته. يقول حمدان، العائد من روسيا، إن قصته مع الصلح العشائري بدأت بعد خلاف على قطعة أرض مع أقارب له، ليتفق هو وخصمه على عرض قضيتهما على أحد المصلحين العشائريين.

وخلال الجلسة، تم الأخذ بحجته بسبب الأوراق الثبوتية التي كانت بحوزته، ومع ذلك فوجئ خلال خروجه بأن أحد الأشخاص لحق به وطلب منه دفع مبلغ بين 2000 و3000 دينار (2800 دولار ـ 4200 دولار)، ثمن الجلسة.

قناعات مفقودة وواقع معاش

توالت القضايا التي دفع فيها حمدان ثمنا لجلسات الصلح العشائري، جزء من المال كان يدفعه كرشوة للمصلح أو القاضي العشائري قبل الجلسة بيوم أو يومين، ليس من منطلق تغيير الحقائق، بل لأن النطق بالحق لا يتم إلا بثمن. وهي ظاهرة وصفها أحد وجهاء عشائر جنوب الضفة الغربية، هو داوود الزير، بأنها أساءت لسمعة المُصلحين لأن الذي يسعى للاسترزاق سيهتم بمصلحته أكثر من إحقاق الحق.

حمدان أصبح اليوم خبيرا بقانون غير مقتنع به، كما يقول، ويشاركه القناعة ذاتها الناطق باسم وزارة الداخلية غسان نمر، الذي رفض التعقيب على الظاهرة لأنها "خارج إطار عمله وقناعاته"، رغم أن معدّ التحقيق أكد له على وجود دائرة العشائر والإصلاح ضمن هيكلية وزارة الداخلية بموجب قرار مجلس الوزراء الفلسطيني المنعقد بتاريخ 15 مارس/ آذار 2005.

القانون النظامي يسهل مهام العشائري

انتشرت ظاهرة القضاء والصلح العشائري بموجب أساس قانوني في المادتين 99 و100 من قانون العقوبات الفلسطيني، واللتين تتحدثان عن الأخذ بالأسباب المخففة في حالة الجنح، ووجوب تعليل القرار عند الأخذ بالأسباب المخففة، وإذا أخذت المحكمة بالأسباب المخففة لمصلحة من ارتكب جنحة، فلها أن تخفض العقوبة إلى حدها الأدنى المبين في المادتين (21 و22)، وفق إفادة الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار جاموس، وعضو نادي القضاة الفلسطينيين أحمد الأشقر، اللذين أوضحا أن القانون لا ينص على الأسباب المخففة للعقوبة، ولكن القضاء استقر على اعتبار الصلح من أسباب تخفيف العقوبة، وهو ما يتفق مع ما وثقه معدّ التحقيق، في القرار الصادر عن محكمة النقض المنعقدة برام الله في القضية رقم 112/2020، إذ رفضت هيئة المحكمة تخفيف عقوبة المتهمين بالاعتداء على أحد الأشخاص من سنة إلى ثلاثة أشهر بسبب عدم وجود صلح.

وجاء في نص القرار أن "الفقه والقضاء استقرا على أن المصالحة وإسقاط الحق الشخصي سبب لتخفيف العقوبة، وأن من شأن ثبوت وقوع المصالحة وإسقاط الحق الشخصي التأثير على الحكم من حيث مقدار العقوبة". في مثل هذه الحالات، يلجأ أهالي المتهمين لرجال الإصلاح والعشائر، كما يؤكد جاموس والمسؤول السابق عن ملف العشائر في مكتب الرئيس محمود عباس (عميد الإصلاح) موسى تيم.

العشائري لا يعترف بالنظامي

تظهر دراسة ميدانية تحت عنوان القضاء غـير النظامي: سـيادة القانـون وحـل النزاعات في فلسـطين، أعدها معهد الحقوق بجامعة بير زيت عام 2006، ودراسة للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان صدرت عام 2019، وجود تأثير للصلح العشائري على أحكام القضاء النظامي وقراراته، وهذا التأثير ينعدم في الحالة العكسية، فلا تأثير للقضاء النظامي على الصلح العشائري، فإعلان براءة شخص أمام القضاء النظامي لا يمنع من ملاحقته عشائرياً، وهو ما يؤكده تيم وجاموس، وتكشف عنه قضية الطفل المريض نفسيا أ. ر. (15 عاما)، من قرية قصرة القريبة من نابلس، والذي تم الحكم عليه عشائريا بدفع 10 آلاف دينار (14 ألف دولار)، ونفيه عامين عن قريته إلى بلدة برطعة في الداخل المحتل بعيدا عن أهله بعد اتهامه بالتحرش، رغم أن الإجراءات القانونية النظامية لم تثبت ذلك، وفق مصدر عائلي، رفض الكشف عن هويته حفاظا على خصوصية الطفل. ويقول المصدر إن عائلة المدعي تملك المال والجاه وبالتالي استطاعت أن تفرض شروطها عبر الصلح العشائري.

ويعلق جاموس والقاضي الأشقر على ذلك بأن الحلول والأحكام العشائرية قد تتأثر بعوامل القوة الاجتماعية والاقتصادية لأحد أطراف النزاع. وبالفعل عاد الطفل لقريته قبل الفترة المقررة في الحكم العشائري بعام، بعد تواصل والده مع المصلح العشائري، الذي وافق على عودته مقابل 10 آلاف دينار (14 ألف دولار)، ذهبت لعائلة المدعي، و7 آلاف شيقل (2000 دولار)، ذهبت لجيبه، وفق ما يؤكد المصدر.

الاسترزاق والسمسرة

يحذر تيم، في مقابلة مع "العربي الجديد"، من اتساع ظاهرة الاسترزاق تحت ستار الصلح العشائري. أما الوجه العشائري، الزير، فقد اعتبر أن هذا المجال يشهد حالة من الفوضى، إذ تصدر أحياناً قرارات من غير أصحاب الخبرة في العرف العشائري، الذين يتصرفون حسب أهوائهم وغاياتهم ومصالحهم الذاتية.

ويشدد الزير وتيم على أن المعيار الأهم في الوجه العشائري أو المصلح هو عدم تقاضيه أي مردود مادي، لكن هذا لا يتفق مع رأي الوجه العشائري أبو فايز شيحة، من القدس، الذي شدد خلال مقابلة مع "العربي الجديد"، على أن "الرزقة" التي لا تقل عن 1000 دينار أردني (1400 دولار)، من كل طرف، هي حق شرعي يحصل عليه القاضي العشائري مقابل دوره وجهده في البت بالقضايا بين الناس، ويتضاعف المبلغ طبقا لحجم القضية، بالإضافة إلى "الدخلة" (الاستنجاد بطرف قوي ضد الخصم)، وهذه ثمنها لا يقل عن 2000 دينار (2800 دولار)، و"تقطيم الوجه" (إحراج الشخص الكفيل من خلال اختراق الاتفاق)، ويدفع مقابله كحد أدنى 2000 دينار (2800 دولار).

ويقارن شيحة بين الدور الذي يؤديه المحامون النظاميون في الإشكاليات المالية على سبيل المثال وحصولهم على نسبة من المال وبين دور المصلحين أو القضاة العشائريين الذين يبذلون جهودا في القضايا المماثلة، مشددا على أن "الكل يأخذ مقابلا".

"نحن مطلعون على الظواهر السلبية المرتبطة بالصلح العشائري بما في ذلك ظاهرة الاسترزاق، التي عالجناها سابقا لكنها عادت من جديد إلى الواجهة، والأساس أن يكون هذا العمل تطوعيا وهدفه إصلاح ذات البين وأن لا يكون مجالا لجني المال"، كما يقول الوكيل المساعد للشؤون العامة السياسية والعشائر في وزارة الداخلية مجدي علاونة. ويؤكد علاونة أن عمل الإدارة العامة لشؤون العشائر في وزارة الداخلية مر بحالة من التذبذب ما بين صعود وهبوط مع وجود تباين في الإشراف والمتابعة بين منطقة وأخرى، موضحا أن هناك توجها لاتخاذ قرارات بهدف تنسيق الجهود في ملف الصلح العشائري.

ورغم أن الوجه العشائري الزير يؤكد وجود استرزاق في قلب هذه الظاهرة، لكنه يعتقد بأن لرجال الإصلاح العشائري دورا هاما في تطويق الخلافات الكبيرة، مثل حوادث القتل التي زادت وتيرتها في الفترة الحالية، كما ويساهمون في التخفيف عن كاهل المحاكم والجهات الأمنية، خاصة في المناطق (ج) والمناطق النائية التي لا تستطيع الجهات الأمنية الرسمية الوصول إليها. فيما يرى تيم أن الصلح العشائري مهم جدا في السيطرة على المشاكل الاجتماعية، لأن بعض القضايا، كقضايا الشرف والقتل، قد تحل ويقضى بها لدى القضاء النظامي لكنها لن تحل اجتماعيا وتترتب عليها تبعات تفاقم من خطورتها.

قضاة مدعومون بطبيعة النظام والسلاح

يرفض ضحايا الصلح والقضاء العشائري التصريح بهوية القضاة والمصلحين الذين تدخلوا في قضاياهم، لأن ذلك قد يدخلهم في صراع مع أشخاص مدعومين بمسلحين وعائلات كبيرة، وهو السر الذي يقف وراء قوتهم وقدرتهم على فرض الأحكام، التي يرونها مناسبة، بحسب المحاضِرة في علم الاجتماع في جامعة بيرزيت رولا أبو دحو. وتشير أبو دحو، في مقابلة مع "العربي الجديد"، إلى أن النظام السياسي الفلسطيني الذي جاء بعد اتفاق أوسلو ساهم في تعزيز سلطة وقانون العشائر، لأنه بُني على نظام الكوتات، وهذا يعني أنه من الأساس لم يتم بناء نظام مدني يسمح بوجود علاقة مباشرة بين المواطن والسلطة، إلى حد أن الحيز الممنوح للعشائر كان على حساب النظام السياسي نفسه، وهو ما شجع انتشار المتسترين بلباس رجال الإصلاح والعشائر، الذين يسترزقون من وراء هذه الظاهرة.

الصورة
الصلح2

وبحكم تجربته كرئيس لهيئة الإصلاح العشائري المنبثقة عن المؤتمر الشعبي في القدس 2009 ـ 2010، يؤكد المحاضر في جامعة القدس ورجل الإصلاح ناصر أبو خضير، أن السلطة تحاول استغلال دور بعض رجال الإصلاح وتسهل مهامهم لإحكام السيطرة على المجتمع، وهذا حال كل النظم الديكتاتورية، وتشاركه الرأي في ذلك أستاذة علم الاجتماع أبو دحو.

ويكشف علاونة أن "وزارة الداخلية لا تضع فيتو على أي اسم من رجال الإصلاح، ويستطيع الكل أن يقوم بهذا الدور، شرط أن لا يكون مرتبطا بمصالح شخصية ذاتية". في المقابل، يشدد تيم على ضرورة محاربة السلطة الفلسطينية لظاهرة الاسترزاق من قبل رجال الصلح العشائري، في حين لا يبدي الزير تفاؤلا كافيا إزاء ذلك، بسبب عدم وجود مرجعية رسمية، مشددا على أن "وضع حد لهؤلاء المرتزقة يستدعي محاسبتهم من خلال الأجهزة الأمنية أو تشكيل هيئة مجتمعية عشائرية من جميع المحافظات حتى تستقر الأمور في هذا المجال ويكون لها دور نظامي.

ذات صلة

الصورة
منطقة الراس في سلفيت (العربي الجديد)

سياسة

أغلق جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الجمعة، أراضي منطقة الرأس في سلفيت شمال الضفة الغربية المحتلة، وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة بوضع أوراق معلقة على امتداد الأراضي قبيل بدء الأهالي إقامة صلاة الجمعة الأسبوعية تنديداً باستمرار إقامة بؤرة استيطانية.
الصورة
شادي سليم

مجتمع

لم يهدأ بال الشاب الفلسطيني شادي عمر لطفي سليم، من بلدة بيتا، جنوبي نابلس، شمالي الضفة الغربية، الليلة الماضية، حين رأى ضخ المياه لبلدته قد قلّ. ذهب شادي إلى مكان الموزع الرئيس للشبكة كي يفحص الخلل، لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت الرصاص عليه.
الصورة
شهيد بثياب العيد

مجتمع

ودّعت ربى التميمي ابنها الشهيد الفلسطيني الفتى محمد التميمي، وهو لا يزال يرتدي ثياب العيد. وأصيب محمد بطلق ناري في محيط منزل ذويه في قرية النبي صالح، مساء أمس الجمعة، بعد أن اقتحمت قوات الاحتلال القرية واندلعت مواجهات فيها.
الصورة
تهتم بالأطفال المرضى في المستشفى (العربي الجديد)

مجتمع

تضطرّ الكثير من الممرّضات الفلسطينيات الأمهات إلى العمل أيام العيد، من دون أن يتمكنّ من الاحتفال مع عائلاتهن. وفي الوقت نفسه، يرفضن التخلي عن مهنتهن