الفساد البنكي في الجزائر... قروض بلا ضمانات للمتنفذين

الفساد البنكي في الجزائر... قروض بلا ضمانات للمتنفذين

الجزائر
إيمان الطيّب
08 فبراير 2021
+ الخط -

تمتع رجال أعمال نافذون ومقربون من النظام السابق في الجزائر بقروض بنكية عالية بلا ضمانات، بينما ينتظر مستثمرون ورجال أعمال لا يحظون بدعم سياسي منذ سنوات عديدة رد المؤسسات المالية الحكومية على طلباتهم المهملة.

- تقدمت شركة مرزوقي ميتاليك المتخصصة بإنتاج حاويات حديدية للشركات النفطية بملف عام 2017، من أجل الحصول على قرض من البنك الوطني الجزائري (حكومي) بقيمة 240 مليون دينار (الدولار يساوي 133.45 ديناراً)، بهدف توسيع وحداتها الإنتاجية الكائنة بولاية المسيلة شرق الجزائر، وإبرام شراكة مع المجمّع النفطي المملوك للحكومة "نفطال"، لكنها لم تتلق رداً بالقبول حتى اليوم، رغم تقديم ضمانات بعقارات وأملاك أخرى تفوق قيمة القرض بثلاث مرات، وفقاً لمدير الشركة سيد أحمد مرزوقي.

لم تكن ميتاليك الشركة الوحيدة التي انتظرت لسنوات عديدة دون الحصول على قرض، إذ تلقت الكونفيدرالية الجزائرية لأرباب العمل (منظمة خاصة لأرباب عمل) 40 شكوى على مستوى ولاية بومرداس شرق العاصمة منذ عام 2016 وحتى اليوم، بحسب إفادة رؤوف بوحبيلة رئيس الكونفيدرالية، مشيراً إلى أن الكونفدرالية تلقت خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي 5 شكاوى من مقاولين شباب، لم يتلقوا رداً بشأن طلبات القروض التي قدموها لـ 5 بنوك مملوكة للحكومة رغم إيداعهم ملفات كاملة وانتظارهم سنوات عديدة.

سياسة العزل والتهميش

يعاني صغار رجال الأعمال في الجزائر من سياسة العزل والتهميش التي تمارسها البنوك بحقهم، وحرمانهم من القروض، رغم إيداعهم ملفات كاملة مقابل طلبهم قروضاً صغيرة، في حين يستفيد رجال الأعمال من "ذوي الوزن الثقيل" من قروض مرتفعة بلا ضمانات يقدمونها. بحسب بوحبيلة، الذي قال إن رجال الأعمال ممن لديهم علاقات مع سياسيين يتدخلون لصالحهم يمكنهم الحصول على قروض مرتفعة القيمة من البنك الوطني الجزائري.

ووصلت إلى الاتحاد الوطني للمستثمرين الشباب 50 شكوى منذ بداية عام 2020 وحتى ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، من مستثمرين شباب في المجال السياحي، منهم 12 مستثمراً في ولايتي سكيكدة والقالة شرق العاصمة، قدموا جميع الضمانات وملفات كاملة لكنهم صدموا برفض طلباتهم، علماً أن الحكومة أمرت بمنح تسهيلات وامتيازات للمستثمرين الشباب في مجال السياحة، لكن البنك كان متعسفاً معهم، بحسب رئيس الاتحاد رياض طنكة، والذي يوضح لـ"العربي الجديد" أن مستثمرين ينتظرون الحصول على قرض من البنك الوطني الجزائري منذ 7 سنوات.

ويقدر طنكة حجم القروض المرفوضة لخمسين رجل أعمال من أعضاء الاتحاد قدموا ملفات كاملة الأوراق والضمانات بـ 14 مليار دينار. لكن رئيس قسم الاستغلال والتنشيط التجاري في البنك الوطني الجزائري، إسماعيل شعلال، يرد بأن البنك يعتمد نظام رقابة صارماً يجعله يبتعد عن أي قرض يستبعد أن يدر أرباحاً له، لذلك يرفض طلبات هؤلاء المستثمرين.

الواسطة هي الضمان

يكشف المحامي المتخصص في قضايا الفساد المعتمد لدى المحكمة العليا نجيب بيطام أن منح القروض لرجال أعمال جزائريين يتم عبر الواسطة وبتدخلات سياسية قائلا  "امنحوه القرض ولا تبحثوا عن الضمانات". وفق تعبيره.

هذا ما تؤكده سيدة الأعمال سعيدة نغزة رئيسة الكونفيدرالية العامة للمؤسسات الجزائرية (منظمة لأرباب العمل تضم 300 رجل أعمال)، قائلة إن منح القرض أو الحرمان منه من قبل مسؤولي البنوك الجزائرية يتم بناء على تدخل رجال أعمال نافذين تربطهم علاقات بمسؤولين في الدولة، مشيرة إلى أن رجال الأعمال المستفيدين من قروض كانوا إما مقربون من النظام السابق، وإما من رجل الأعمال علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات.

ومن هؤلاء محمد العيد بن عمر، نائب رئيس منتدى رؤساء المؤسسات السابق والذراع الأيمن لعلي حداد، والذي حصل على قرض بقيمة 963 مليون دينار، لإنجاز مشروع مخبزة صناعية بمنطقة قورصو، في ولاية بومرداس، وفق ما تكشفه وثيقة حصلت عليها "العربي الجديد". في حين أن الضمان الذي قدمه هو قطعة الأرض التي حصل عليها مجاناً عبر صيغة "عقود الامتياز"، أي منح العقار مجاناً للراغبين في الاستثمار.

الصورة
ج3

وعمد النظام القائم في حقبة الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة إلى سنّ قوانين وتشريعات تخدم مصلحة رجال الأعمال والوزراء وأصدقائهم وحاشيتهم وأصحاب النفوذ، عبر استحداث صيغة "عقود الامتياز"، والتي تمكّن المستثمر من الحصول على قرض مقابل رهن العقار الذي منحته له الدولة مجاناً أو بسعر منخفض جداً، بموجب عقود الامتياز.

قروض لم تُردّ

بلغ حجم القروض التي خرجت من البنوك الجزائرية في حقبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة 1216 مليار دينار (9.44 مليارات دولار)، خلال في الفترة الممتدة بين عامي 1999 وحتى يناير/ كانون الثاني 2020، واستفاد أربعة رجال أعمال فقط من قروض بقيمة 2.602 مليار دولار، ولم يردّ شيء منها، ويحاكم هؤلاء في عدة قضايا بحسب ملفات التحقيقات التي اطلعت عليها "العربي الجديد" عبر محامي الخزينة العمومية زكرياء دهلوك.

وحصل رجل الأعمال أحمد معزوز، صاحب مجمع معزوز للسيارات والمواد الغذائية، على قرض بقيمة 39 مليار دينار، أما رجل الأعمال علي حداد الموجود رهن الحبس حالياً، والذي كان يترأس "منتدى رؤساء المؤسسات"، أكبر تنظيم أرباب عمل في الجزائر، وصاحب مجمع "إي تي أش بي" للأشغال العمومية، فقد استفاد من قرض بقيمة 210.159 مليارات دينار (1.62 مليار دولار)، 81% منها ممولة من بنوك عمومية، وهي القرض الشعبي الجزائري والبنك الخارجي الجزائري وبنك التنمية المحلية، بحسب دهلوك.

ويكشف المصدر ذاته أن المدير العام لمصنع السيارات "كيا الجزائر" حسان العرباوي استفاد من قرض بقيمة 87 مليار دينار من البنك الوطني الجزائري، كما استفاد محمد بعيري، مالك مجمع المركبات الثقيلة "إيفال" من قرض بقيمة مليار و300 مليون دينار.

ويتساءل المحامي بيطام المكلف بالدفاع في المحاكمات الراهنة عن رئيسي الوزراء السابقين المسجونين في نفس القضايا عبد المالك سلال وأحمد أويحيى عن الضمانات التي قدمها رجال الأعمال الأربعة للحصول على 2.6 مليار دولار، بينما يجزم محمد زوبيري، رئيس الاتحادية العامة لعمال البنوك والتأمينات (جمعية نقابية تمثل 50 ألف عامل وموظف في قطاع البنوك والتأمينات) بأن هؤلاء حصلوا على قروض دون ضمانات بناء على تعليمات عليا تلقوها من مقربين من الرئيس السابق، ودليل ذلك أن 180 مسؤولاً وموظفاً في البنوك وجدوا أنفسهم أمام المساءلة بسبب منحهم قروضاً دون ضمانات.

صعوبة استرداد الأموال

يوضح المحامي المختص في قضايا الفساد عمار خبابة أن المادة 9 من قانون العقوبات الجزائري رقم 06-23 لعام 2006 تنص على أنه: "في حالة الحكم بعقوبة جنائية تأمر المحكمة وجوباً بالحجر القانوني الذي يتمثل في حرمان المحكوم عليه من ممارسة حقوقه المالية أثناء تنفيذ العقوية الأصلية"، مع العلم أنه من بين الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون "مصادرة العائدات والأموال غير المشروعة، وذلك مع مراعاة استرجاع أرصدة أو حقوق الغير، ورد ما تم اختلاسه من منفعة أو ربح انتقلت إلى أصول الشخص أو فروعه أو إخوته أو زوجته، سواء بقيت الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى جهات أخرى". ويؤكد خبابة أن النصوص السابقة تنطبق على المتورطين في الحصول على قروض بشكل غير مستحق.

لكن عضو لجنة المالية بالبرلمان الجزائري عمار موسي يجد أنه من الصعب جداً استرجاع الأموال التي خرجت على شكل قروض من البنوك الجزائرية، لأن بعضها تم تهريبها إلى الخارج، وإجراءات الاسترجاع تستغرق 3 سنوات على الأقل، كما أبلغهم وزير المالية أيمن بن عبد الرحمن عندما طرحوا الملف عليه في مايو/ أيار المنصرم. ويؤكد الوزير في إفادة خاصة لـ"العربي الجديد" أن مسحاً شاملاً لمعرفة حجم القروض التي خرجت ونسبة تحصيلها سيتم إجراؤه قريباً، وبناء عليه ستتخذ القرارات اللازمة باسترجاع تلك الأموال.

ويوضح خبابة أن موظفي البنوك المتورطين في منح قروض غير مستحقة وبلا ضمانات يخضعون للعقوبة المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 26 من قانون مكافحة الفساد رقم 06-01، الصادر في 20 فبراير/ شباط 2006، والمعدل بالقانون رقم 11-15، الصادر في 2 أغسطس/ آب 2011، ونصت على أنه: "يعاقب بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات، وبغرامة من 200.000 دج إلى 1000.000 دج (1500.9- 7504.8 دولارات أميركية) كل موظف عمومي يمنح عمداً للغير امتيازاً غير مبرر، عند إبرام أو تأشير عقد أو اتفاقية أو صفقة أو ملحق، مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بحرية الترشح والمساواة بين المترشحين وشفافية الإجراءات".

الصورة
ج2

تشديد الشروط

جمدت الحكومة الجزائرية عقب حراك 22 فبراير/ شباط 2019 القروض البنكية في 1 مارس/ آذار 2019، وحتى إبريل/ نيسان 2020، ثم عادت البنوك إلى منح القروض بعد ذلك التاريخ، وفقاً لرئيس اتحادية عمال البنوك والتأمينات السابق محمد زوبيري، ولكن بشروط مشددة وعبر التدقيق في الملفات، خاصة ملف الضمان، وهو ما يؤكده بحث وزير المالية ومحافظ بنك الجزائر لمقترحات تتضمن إقرار مرونة في منح القروض لصالح رجال الأعمال الجادين، مقابل تجريم أي تدخل أو واسطة سياسية، ومراجعة قانون الاستثمار الذي يمنح امتيازات لبعض رجال الأعمال، عبر إلغاء قبول رهن الأصول التي يحصل عليها رجال الأعمال مجاناً من الدولة، كضمان للقرض وفق تأكيد رئيس لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني أحمد زغدار.

ذات صلة

الصورة
ثغرات يستغلها منتحلو الصفة تتعلق بالضحايا والقانون

تحقيقات

تفشت ظاهرة المسؤولين الوهميين في الجزائر، إذ يبحث الجميع عن وسطاء سواء كانوا مواطنين أو حتى وزراء وولاة، ووصل الأمر حتى انتحال صفة مستشارين في رئاسة الجمهورية، وفق ما يوثقه التحقيق الذي تتبع حجم الظاهرة وأسبابها
الصورة
الجزائر

تحقيقات

تستنزف عمليات الغش، شركات التأمين الجزائرية، إذ تتزايد الظاهرة التي يشارك فيها عملاء وموظفون وشركات وسيطة يتلاعبون بعقود التأمين وتفاصيل الحوادث، في ظل عقوبات وغرامات غير كافية تنتهي بالتصالح مقابل رد المال