العفو الرئاسي.. باب العودة إلى الإجرام في الجزائر

18 ابريل 2016
الصورة
المستفيدون من العفو الرئاسي يعانون رفضاً مجتمعياً بالجزائر(فرانس برس)
يعترف بومعيزة حسين، المدير السابق لسجن الحراش، أشهر المؤسسات العقابية في العاصمة الجزائر، بأنه كثيرا ما راوده شعور بالقلق، أثناء العمل على قائمة من يطلق سراحهم في إطار تطبيق العفو الرئاسي، لقناعته بارتفاع احتمال عودة عدد منهم لارتكاب الجريمة مرة ثانية، حتى إن بعضهم طلب من رفاقه المدانين، حجز سريره في الزنزانة، تمهيداً لعودته للسجن مجدداً.

ويكشف بومعيزة لـ "العربي الجديد" أنه كان يقضي عدة أيام في تطبيق مراسيم العفو التي تتضمن شروطا للإفراج، إذ يتكفل مدير المؤسسة العقابية رفقة قاضي تطبيق العقوبات، بتحديد القوائم وتنفيذ إجراء إطلاق السراح دون أن تكون لهما صلاحية إبداء رأيهم في خطورة الإفراج عن بعض المدانين. ومن بين العائدين إلى الإجرام، قاتل زوج الثلاثينية الجزائرية مريم حامد، الذي استفاد من عفو رئاسي عن جريمة سابقة، خرج إثره من السجن قبل قضاء مدة عقوبته، وهو ما كان سببا في تيتم أولادها الثلاثة وفقدانها لرفيق دربها، كما تقول الأرملة الجزائرية التي قتل زوجها الذي لم يمض على خروجه من السجن سوى أسبوعين، بطعنات خنجر بسبب مطالبته له باسترداد مستحقاته.

24 مرسوماً... ومرارة العفو

بالنسبة لمريم فإن مرارة ما تسميه بـ"جريمة الاستفادة من العفو"، يجعلها ناقمة على الإجراء الذي يتم سنوياً، خاصة بعد اكتشافها أثناء سير التحقيق، بأن الجاني له عدة سوابق في قضايا جنائية وخرج من السجن قبل أسبوعين من ارتكاب جريمة القتل مستفيدا من العفو الرئاسي. ويُعطي الدستور الجزائري في المادة 77 لرئيس الجمهورية حق إصدار العفو وتخفيض العقوبات أو استبدالها، وأصبح متعارفاً عليه صدور مراسيم سنوية بمناسبة الأعياد الوطنية والدينية للعفو عن المدانين.

وعبر أرشيف الجريدة الرسمية الجزائرية، أحصى معدّ التحقيق، 58 مرسوما تتضمن إجراءات عفو بتقليص مدة العقوبة بالنسبة للأشخاص المحكوم عليهم نهائيا، أصدرها الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، منذ توليه المنصب في العام 1999 منها 24 مرسوماً صدر في ذكرى عيد استقلال الجزائر المصادف للخامس من يوليو/تموز والباقي توزعت بين ذكرى الثورة وعيد المرأة وأعياد الفطر والأضحى وكذلك المولد النبوي الشريف، غير أن تبعات هذه المراسيم يراها رئيس مكتب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (منظمة غير حكومية)، عبد الغاني بادي، تشكل خطرا على الجزائريين، إذ إن "من ينالون العفو يعودون إلى ارتكاب جرائم وهو ما دعا كثيرا، من منظمات المجتمع المدني إلى دق ناقوس الخطر حول مخاطر هذه الظاهرة"، كما يقول لـ"العربي الجديد".


غياب إحصائيات دقيقة

يعد ما كشفه وزير العدل الجزائري السابق، محمد شرفي، عن عودة 800 مستفيد من العفو لارتكاب جرائم من بين 14 ألف مفرج عنهم في عام 2012، أي ما نسبته (17.5%)، الاعتراف الوحيد من جهة رسمية، بوجود نسبة معتبرة من المدانين الحاصلين على العفو ممن يعودون لارتكاب الجرائم، في حين يُقدر رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها (هيئة حقوقية رسمية تابعة لرئاسة الجمهورية)، فاروق قسنطيني، نسبة من يعودون للجرائم بعد استفادتهم من العفو الرئاسي بـ25 في المئة معتمدا على متابعته الشخصية من خلال ممارسته مهنة المحاماة والقضايا التي ترافع فيها وكذلك استنتاجاته من خلال إحصائيات تصل إلى اللجنة الاستشارية توثق عدد من يدخلون ويعودون إلى السجون.

بينما يذهب رئيس الهيئة المدنية لإدماج ذوي السوابق العدلية والوقاية من "العوّد"، عمار حمديني، إلى إعطاء نسبة تقريبية في حدود 45% لمن يرتكبون جرائم العوَد (مُصطلح قانوني يُطلق على أصحاب السوابق العائدين للإجرام)، مرجعا هذا "الرقم المخيف" إلى الملفات التي تعالجها الهيئة يوميا في مكاتبها على مستوى ولايات الجمهورية، وذكر حمديني أن أهم الجرائم التي تقع هي السرقة والضرب والجرح العمدي وحتى جرائم قتل يرتكبها مستفيدون من العفو.

ويُفسر عبد الغاني بادي، غياب إحصائيات دقيقة للمستفيدين من العفو سنويا بوجود غموض في إجراءات تطبيقه ومدى الالتزام بنص مرسوم العفو مستشهدا بالتحقيق الذي فتحته المصالح المختصة سنة 2015 بسجن البليدة (غربي الجزائر) على إثر فضيحة إدراج أشخاص في قائمة المستفيدين من العفو لا تتوفر فيهم الشروط.

ورغم أن وزارة العدل الجزائرية لم تعط أرقاما رسمية عن القضية إلا أن احتساب متوسط النسبة التقريبية التي قدمها المصدران عن عدد المساجين الذين يتم الإفراج عنهم سنويا، نجد أن حوالي ألفي سجين مرشحون لارتكاب جرائم رجوعا إلى عدد المفرج عنهم في ذكرى استقلال الجزائر السنة الماضية، والذي تجاوز أكثر من خمسة آلاف سجين.

مزايا وعيوب العفو

يرى فاروق قسنطيني، أن العفو الرئاسي ضروري لعدة أسباب أهمها "تشديد بعض القضاة في أحكامهم القضائية مما يستلزم تخفيفها، وكذلك وجود مساجين في قضايا بسيطة يُظهرون تفوقا دراسيا وسلوكا ممتازا في السجن يستوجب سرعة إعادة إدماجهم في الحياة العامة". بدوره اعتبر عمار حمديني، أن العفو الرئاسي مُدرج بمادة دستورية ولا يُمكن الطعن فيه، لكن المحامي عبد الغاني بادي، يرى عكس ذلك قائلا "إن العفو الرئاسي عند بعض فقهاء القانون الدستوري هو نوع من الدوس على قرارات العدالة وهو عمل لا يتماشى واستقلالية القضاء كما يُكرس تدخل السلطة التنفيذية في عمل السلطة القضائية".

ورغم تأكيد أستاذة القانون الدستوري بجامعة الجزائر، فتيحة بن عبو، أن صلاحية العفو لدى الحاكم تقليدية وتوجد في كل البلدان إلا أنها أوضحت لـ "العربي الجديد" أن "المشكل في الدستور الجزائري الذي كرس السلطات في يد شخص واحد"، مشددة على أن الإشكال الحقيقي في موضوع العفو هو غياب مسؤولية سياسية بعد تنفيذه.


ارتفاع معدل الإجرام في شهر الاستقلال

ينحدر الشاب حميد من مدينة سطيف شرقي الجزائر، وتعد حالته نموذجا على عودة المدانين إلى الجريمة بعد العفو، إذ دخل إلى السجن عدة مرات في قضايا سرقة واعتداء على الأشخاص واستفاد من "لاغراس" (مصطلح فرنسي رائج يرمز للعفو في الجزائر)، ويروي الشاب قصص أشخاص صادفهم داخل السجن يُفضلون ارتكاب جرائم بداية السنة للاستفادة من قرارات العفو التي تصدر عادة في الشهر السابع المصادف سنويا لذكرى عيد الاستقلال والشباب، إذ لا تتعدى فترة عقوبتهم خمسة أشهر كأقصى تقدير.

ويحتفظ الجزائريون بعدة قصص، لجرائم مروعة نفذها مستفيدون من العفو بعد أيام على خروجهم من السجون، وتبقى أشهرها على الإطلاق مقتل شاب قاصر في مدخل أحد مساجد مدينة باتنة شرقي الجزائر في شهر يونيو/حزيران الماضي، اتضح بعدها وفقا للتحقيقات، أن الجاني خرج من السجن قبل أيام من ارتكاب جريمته.

ثلاثة دوافع رئيسية للعودة للإجرام

يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة مستغانم، مصطفى راجعي، في تصريح لـ "العربي الجديد" إن وظيفة العقوبات ردع المجرمين حتى يدفعوا ثمن تصرفاتهم الخاطئة ولا يعودوا إليها، أما إذا كانت العقوبات هي ثمن رخيص يدفعه المجرم مقابل أفعاله فهذا دافع رئيسي للتمادي وارتكاب مزيد من الجرائم، ويصف راجعي مراسيم العفو الرئاسية بـ "القرارات السياسية"، التي تؤدي في النهاية إلى تخفيض تكلفة الجريمة وتشجيع المجرمين على العودة للنشاط، ويقارن الأستاذ الجامعي تبعات العفو بالسلوك الاقتصادي في قوله :"إن تخفيض تكلفة المجرمين تزيد الطلب على كمية الجرائم مثل أي إنسان عادي يشتري من السلع الكثير ويُعيد الشراء إذا كان ثمنها منخفضا".

فيما أضاف المحامي، فاروق قسنطيني، دافعا آخر إلى العودة للإجرام بعد الاستفادة من العفو الرئاسي وهو قضية الشغل، إذ ترفض الإدارات تشغيل أو إدماج السجين في منصب عمله بعد خروجه من السجن ، كما يقاطع المجتمع هذه الفئة ويرفض إقامة أي نوع من العلاقة معها وهو دافع ثالث، ويُساند المحامي، عمار حمديني، هذا الطرح مستشهدا ببعض الحالات التي تلقتها الهيئة التي يترأسها منها "شاب خرج من السجن مؤخرا قدم ملفا لشركة الكهرباء والغاز من أجل توظيفه وراسلنا الإدارة المعنية من أجل إدماجه في العمل، وكانت النتيجة أنه عاد لارتكاب جريمة".


مقترحات للحد من "العَود"

رغم وجود رأيين حول إبقاء العفو الرئاسي بصيغته الحالية أو التخلي عنه، إلا أن من تحدثت إليهم "العربي الجديد" أجمعت أن الآليات التي تم إقرارها لإدماج ذوي السوابق العدلية في الحياة العامة غير كافية.

ويقول قسنطيني إن تقريره السنوي الأخير الذي قدمه للرئيس بوتفليقة تضمن مُقترحا لإغفال الجرائم المرتكبة من صحيفة السوابق العدلية رقم 3 (مستخرج يمنح لطالبه من المحكمة) المطلوبة في ملفات التوظيف من أجل تسهيل حصول المسبوقين قضائيا على مناصب عمل، كما دعا رئيس الهيئة الاستشارية إلى تفعيل عمل اللجنة المكلفة بدراسة ملفات الإفراج المشروط على مستوى وزارة العدل، فيما يُشدد حمديني، على ضرورة التنسيق بين وزارتي العدل والعمل من أجل معالجة ظاهرة العودة للجريمة بعد الاستفادة من العفو، مُلحا على ضرورة إعطاء مساحة واسعة لهيئات المجتمع المدني لمرافقة خريجي السجون لإعادة إدماجهم في الحياة العامة.