متحف أزياء عربية... في البال فكرةٌ

متحف أزياء عربية... في البال فكرةٌ

21 أكتوبر 2021
تأثّر إيف سان لوران بالأزياء المغربية (Getty)
+ الخط -

لا شك في أنّنا نعيش اليوم داخل العالم العربي حداثة فنيّة مُتصدّعة، تجعل مؤسّسات فنيّة عربيّة عدّة تبقى تابعة على مُستوى النسق والإنتاج والإبداع للمؤسّسة الغربية. وكأنّ في الغرب يكمن خلاص فنون أزياء العرب وميلادهم وبعثهم وتصاميمهم وملابسهم. مع العلم أنّ الأزياء العربيّة حقّقت لها سُمعة طيّبة ومُنجزاً رفيعاً يُضاهي في جماليّاته وبراعته ما أنجزته الموضة الغربية.
لكنّ سوء تقديم وتقدير الحرفيين والخيّاطين والنسّاجين والمُصمّمين، باعتبارهم فنانين يُنجزون أعمالاً فنيّة وجماليّة، تستحق الإشادة بها وتثمينها وعرض محتوياتها وتصاميمها داخل متاحف خاصّة، حتّى لا يجعل ذلك عالم الموضة منسياً ومُهمّشاً داخل المتاحف العربيّة. فالموضة ليست بذخاً فنياً كما قد يتبادر إلى الذهن، بل إنّها تُشكّل أبرز دعائم فنّ الحداثة وأحد أنماط وأشكال وتمثّلات هذه الحداثة على جسد الإنسان وعيشه. إنّها طريقة تجعلنا، عن طريق اللباس، ننتمي إلى عيش "الحداثة" ونكون طرفاً في صناعتها وتقديمها إلى الناس، بدل الاكتفاء باستهلاكها من منابعها الغربية.
بهذا الفهم، تكون فنون الأزياء قد استقرت داخل نسيج المتاحف الفنيّة العربيّة، وأرست لها مكانة في وجدان مُؤسّساتها، بطريقة تجعلها تفكّر في إنشاء متاحف خاصّة لعرض الأزياء العربيّة، كما يحدث ذلك منذ أكثر من 20 سنة بمُدنٍ كنيويورك ولندن وباريس، حيث تتربّع اليوم على عرش متاحف الأزياء في العالم، بما تعرفه من صيغةٍ تجديدية وحداثية تجعلها تتطلّع دوماً إلى عرض أزياءٍ أكثر معاصرة.
وبما أنّ هذه المتاحف قد تأسّست لغرض العرض، فإنّها سرعان ما أمست، في مدّة زمنيّة قصيرةٍ، تدر أرباحاً كبيراً على الجسم التنظيميّ، بل إنّ هذه المتاحف غدت تتنافس على عرض أحدث الأزياء المعاصرة، ولأكبر المُصمّمين في العالم، بما فيها أزياء عربيّة. في وقتٍ ما زلت فيه المتاحف العربيّة، عامّة، تُعاني من مشكلة بسيطة تكمن في صعوبة التواصل مع الفنّان والجمهور، وحثّهما على ارتياد المتاحف، التي بعضها مجرّد أرشيفٍ بصريّ للتُحف الفولكلورية غير المُتجدّدة.
تعيش الأزياء العربيّة وحدة قاسية داخل مناخات في مُجملها غربية، ما يجعلها تجد صعوبة في إيجاد مكانٍ مناسب لها داخل متحف أزياء أوروبية. ولا سيما إذا كانت طبيعة الأزياء ذات ميسمٍ تراثيّ عربيّ، فإنّها تدخل في نقاشاتٍ أنثروبولوجية لتبرير وتسويغ مُنجزها الفنّي، ليتماشى مع مشروع المُتحف الفرنسي أو البلجيكي أو الأميركي.
الأمر نفسه يحدث ولكن بطريقة مغايرة: ففي متحف المًصمّم الفرنسي إيف سان لوران (1936-2008)، الخاصّ بالأزياء بمدينة مراكش المغربيّة، تحضر عروض الأزياء لكن وفق نفسٍ غربيّ لا يكفّ عن تقييم الملابس والإكسسوارات والمجوهرات المعروضة. بما يجعل عملية الرقابة بمثابة سُلطةٍ استشراقيّة تنزع صوب فرض نمط من الأزياء الفرنسيّة. هذا مع أنّ إيف سان لوران يبدو أقلّ سُلطة بكثير من بعض المتاحف الأميركيّة، حيث يُواجه مُصمّمون مغاربة صعوباتٍ جمّة، إلّا إذا كان عرض أزيائهم يأتي وفق خطّة بديلةٍ وتواطؤاتٍ تجعل الأزياء العربيّة تدخل وفق مسار فنّي، يُنظر إليه بوصفه فنّاً ينتمي لبيئاتٍ أخرى لم تعرف الحداثة الفنيّة بعد.
لكن الطريف في سيرة المُصمّم الفرنسيّ إيف سان لوران أنّه في عام 1966 يستأثر بمدينة مراكش ونسائها وألوان ملابسهن، والزخارف الآسرة على السجاد والزربية، ما جعله يفتح آفاقاً جديدة، بعدما كانت تصاميمه حكراً على اللون الأسود الذي اشتهرت به ملابس سان لوران في باريس. آنذاك، قرّر شراء بيتٍ هناك يضمّ آلافاً من الهكتارات، حيث عمل على تأسيس متحف باسمه يعرض فيه أعماله إلى جانب مرافق أخرى تضم قاعات عرض ومكتبة ومقهى.
إنّ هذا الاعتراف الضمني لسان لوران بمدينة مراكش الروحية، حيث سيستوحي منها ألواناً مزركشة سيعمل عليها لاحقاً لتغيير نمط عيشه وتصاميمه، حيث سيخترق بها أسواق الموضة الفرنسيّة انطلاقاً من مُكوّناتٍ فنيّة مغربيّة وآفاق رمزيّة ضاربة في شموخ الحضارة العربيّة وتحوّلاتها.

لكن بعيداً عن متحف أزياء سان لوران، يصطدم المرء بالمتاحف المغربيّة الرسميّة الأشبه بالأماكن السلطويّة. لا شيء يتغيّر إلا بإذن من المسؤول عن عملية الاقتناء والعرض والطلب.

معروضات جامدة لا تتغيّر لسنواتٍ، بل لا يعثر الناقد الفنّي على وجود مُستقّل للتحف وصيغ الشراء والتعاقد والشراكات مع الخارج، باستثناء بعض المتاحف في مدينة الرباط والتي تحظى دوماً بعناية فائقة وبتجديدٍ دائمٍ لمعروضاتها الفنيّة، من دون أنْ تُفكّر يوماً المُؤسّسة الوصية على المتاحف المغربيّة بإحداث مُتحفٍ كبير وخاصّ بالأزياء المغربيّة، يُجمّع بين موادّه وردهاته آلاف مشاريع الأزياء الأمازيغية والعربيّة المنسيّة، وإعادة التعريف بها على أساس أنّها جزءٌ من سحر وتحوّلات الفنّ العربي المعاصر.

المساهمون