صورة اللاجئ في الإعلام: مخيّلة اليمين العنصرية

صورة اللاجئ في الإعلام: مخيّلة اليمين العنصرية

22 يونيو 2021
من تظاهرة رافضة لإلغاء تصاريح الإقامة للسوريين (الأناضول)
+ الخط -

مع إلغاء الدنمارك لتصاريح الإقامة لأكثر من 200 لاجئ سوري قبل شهرين، بدا أن مصير السوريين في مختلف دول الشمال الأوروبي على المحكّ، خصوصاً في ظلّ "صحوة" اليمين المتطرف في هذه الدول، وتحريضه بشكل مستمّر على اللاجئين.

إذ منذ عام 2015، وهو العام الذي بدأ فيه الوصول الفعلي للاجئين السوريين على أوروبا، اصطدم هؤلاء بمجموعات من اليمين القومي المتطرف، ووسائل إعلام مقربة من المعسكر نفسه. وخلال السنوات الست الماضية ألصقت بالسوريين كل التهم، والصفات، وكل أصناف المعايرة: السوري "مغتصب" فردي وجماعي، السوري "سارق"، السوري "كاذب". تكررت الصفات والاتهامات على ألسنة متطرفين عبر مواقع التواصل أو وسائل الإعلام. بدا كأن خطة واحدة عمّمت على الجميع، في استغلال حوادث فردية (إذا حصلت، بعدما تبيّن زيف تهم جنائية عدة ضد سوريين) وتحويلها إلى سمات ملتصقة بشعب كامل.

لكن بقي المذهل طيلة هذه السنوات في عملية التحريض المقيتة هذه، هو انخراط ما يسمى "مهاجرين قدماء"، من سوريين وغيرهم، ضد اللاجئين الجدد. ولعلّ حالة اللاجئ السوري كيفورك ألماسيان، الملتحق بالحزب اليميني المتطرف "البديل لأجل ألمانيا" تؤشر إلى مدى استغلال المنابر الإعلامية والحزبية لهويته بهدف التحريض على أبناء بلده. 

وتوصل تحقيق مشترك لمؤسستين إعلاميتين ألمانيتين، القناة الألمانية الأولى (ARD) وموقع "تي أونلاين"، بحسب تقرير "دويتشه فيله"، إلى أن ألماسيان الذي حصل على لجوء بعد فراره من حلب، ساهم من خلال توظيفه في البرلمان الألماني من "البديل" المتطرف بالتجييش ضد أبناء بلده. وفي التقرير المشار إليه، يتبيّن أن الرجل بإمكانه العودة إلى بلاده، وأنه أساساً لم يخرج منها هارباً ليأخذ صفة اللاجئ. 

انخرط مهاجرون قدماء في عملية التحريض ضد اللاجئين الجدد

في الواقع فإن ألماسيان لم يكن حالة فريدة خلال السنوات الماضية في التحريض الإعلامي على السوريين. فقد اعتبر غيره، ومن بينهم سوريون ولبنانيون وفلسطينيون مؤيدون لمعسكر معين ومنتشرون في القارة الأوروبية، أن لاجئي سورية "لا يستحقون الحماية".

كتب كثيرون أن اللاجئين السوريين، هكذا بالتعميم، ليسوا سوى "لاجئين من أجل المال"، أو "لاجئين لأسباب اقتصادية"، حتى أن أحد من يسمي نفسه "مؤرخا كردياً سورياً" في إسكندينافيا ساهم في 2018 في تعزيز النظرة النمطية عن أن "سورية آمنة" لإعادة اللاجئين إليها. بالطبع تلك الحملات وجدت صدى عند التطرف الشعبوي، ما ساهم أيضاً في زيارة وفدين رسميين إلى دمشق وبيروت لاعتبار منطقتَي دمشق وريفها آمنتين. 

وبعيداً عن استعادة كل نماذج التنميط الإعلامي، أو الغوص في المذهبية والطائفية، فالحقيقة البينة أن بعض المحرضين على لاجئي سورية في السويد مثلاً، هم أنفسهم  فروا كلاجئين من سلطة حافظ الأسد، كما هي حال تجمعات برلين وكوبنهاغن، قبل أن يحول هؤلاء أنفسهم إلى "مغتربين" و"مهاجرين"، بعد الحصول على الجنسيات، واتجاههم للانضواء في معسكرات اليمين المتطرف، وعلى الأقل صياغة خطاباته المعادية لأبناء بلدهم، من دون إخفاء إعجاب هؤلاء بديكتاتورية الأسد في دمشق.   

وكما يحصل في حملات التحريض ضد السوريين في دول الجوار أي لبنان وتركيا بشكل خاص، ففي أوروبا تنتشر مقولة "اللاجئ المدلل" أي اللاجئ الذي تغدق عليه المؤسسات الأممية أموال المساعدات، بينما هو جالس في بيته لا يعمل. وهذه الأسطورة الخاطئة طبعاً، تنقضها وقائع كثيرة، خصوصاً في أوروبا. ففي الدنمارك على سبيل المثال لا يمكن بالأصل للاجئ، بعد تشديد القوانين، تلقي إعانات من دون أن ينخرط في سوق العمل والدراسة ومشاريع الاندماج.

ورغم ذلك يعيد كل فترة أوروبيون من اليمين نشر كاريكاتور ساذج يصوّر اللاجئ بصورة رجل يجلس مستمتعاً بنهاره بينما باقي المواطنين الدنماركيين يعملون. وقد عاد هذا الرسم لينتشر مع قرار إلغاء تصاريح الإقامة الأخير.

لكن على الجانب الآخر وبعيداً عن الشعبوية، يعري مواطنون عاديون، في الدنمارك مثلاً، الخطاب التحريضي ضد اللاجئين السوريين. ومن بين من تعرض لما يشبه "قصفاً" على تويتر، السياسي من أصل فلسطيني وسوري (والد من طولكرم ووالدة من سورية)، ناصر خضر. فخضر الذي أيد بقوة الثورة السورية سرعان ما تبنى "الثورات المضادة" بوصول نحو 8 آلاف سوري وفلسطيني سوري (هو المجموع الكلي للاجئين السوريين في في 2015)، واصطف إلى جانب اليمين في كتاباته متحدثاً عن ضرورة إرجاعهم ليساهموا "في إعادة بناء سورية". 

باختصار، وبينما احتفل العالم أول من أمس بيوم اللاجئين، لا يزال هؤلاء حتى بعد هروبهم من الحروب والديكتاتوريات، ضحايا تحريض إعلامي يميني يلاحقهم ويجعل منهم أعداء وهميين.

المساهمون