سوريو الدنمارك... ضحايا نفاق أوروبي

16 ابريل 2021
الصورة
يعارض دنماركيون كثر سياسة تجميد الإقامة للاجئين (العربي الجديد)
+ الخط -

أحالت سياسات الدنمارك الأخيرة، مئات اللاجئين السوريين منذ عام 2015 إلى "مقيمين غير قانونيين"، عبر تجميد إقاماتهم، في استمرار لمآس كثيرة ترافقهم. وبات عشرات الشباب، الملتحقين بالدراسة والأعمال، تحت رحمة السياسة الجديدة، مع انعكاس الأمر على نفسية العائلات التي تخشى التشتت مجدداً. ينبع ذلك من نظرة حكومة يسار الوسط، برئاسة ميتا فريدركسن، التي تعتبر العاصمة السورية دمشق وريفها "آمنتين"، بناء على لقاءات سابقة مع أمنيي النظام لوفود زارت سورية ولبنان. وعندما تستطلع "العربي الجديد" آراء دنماركيين، وبعضهم من اليسار، ويسار ويمين الوسط، يعبّرون عن سخطهم من تحول سياسات بلدهم المتشددة إلى عناوين رئيسية في الصحافة الأجنبية، رافضين كل المبررات المستهدفة للاجئين السوريين، ومحذرين من خطورة "رمي هؤلاء في حضن ديكتاتور سورية".

ولا يتعلق الأمر بـ900 إنسان فقط، بل بالجميع لو عاد القرار لليمين المتطرف، إذ تتعالى الدعاية الفاشية من مجموعات "جيل الهوية" المتطرفة بملصقات: "خبر جيد.. يمكنك الاستمتاع بشمس سورية.. بلدك بحاجة إليك". وعلى الرغم من تحذير تقارير حقوقية ومتخصصة، محلية وعالمية، وآخرها عن استخدام السلاح الكيميائي، من خطورة الوضع، تستمر الحكومة بتبني ما أقره يمين الوسط بدعم اليمين المتطرف، بين عامي 2015 ومطلع 2016، مع السوريين والعرب. ويستند ذلك في الأساس إلى موقف إيديولوجي عند معسكر التطرف والتعصب القومي الأوروبي، يعتبر وجود مهاجرين عرب "مهددا لهوية أوروبا"، ومفضلين لهم العيش تحت الاستبداد الأمني وأنظمة الفساد والتخلف.

أما التذرع الرسمي بأن "عليهم العودة للمشاركة في إعادة بناء بلدهم" فيثير سخرية وغضباً بين الدنماركيين، ويسأل بعضهم متهكماً: "كيف تطلب حكومتنا من الفارين من الديكتاتور (بشار) الأسد العودة لمساعدته في تعمير ما دمره في بلادهم؟". ويستحضر هؤلاء على وسائل التواصل صوراً فضائية وفيديوهات توضح حقيقة الوضع السوري، وربطه بمحاولات روسية لجذب أموال واستثمارات أوروبية وعربية لتثبيت نظام الأسد.

صحيح أن تجميد الإقامات لا يعني بالضرورة الترحيل الفوري، لكنه في المقابل يفضح ثمار الخدمات الأمنية التي راكمها نظام دمشق، بإشعال الحرائق والظهور كإطفائي، وتوجيه خلايا إرهاب (نحو العراق وغيره سابقاً) والإيقاع بها. كما اختطف أجانب للمساومة عليهم، حسبما كُشف أخيراً في أواخر عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، عدا تقديمه خدمات في سياق "البحث عن جثث جنود الاحتلال الإسرائيلي".

ووسط كل ذلك يسأل سوريو الدنمارك: "أين الائتلاف السوري والأحزاب والمؤسسات مما يجري مع السوريين اللاجئين؟". صحيح أن تسول نظام دمشق جيوب المهاجرين والغرب، بمظاهر خداعة وبلوبيات "البزنس" وصفقات الفساد، بما فيها طمر نفايات نووية في البادية السورية فترة حكم حافظ الأسد، ليست بسياسة جديدة، لكن لا أحد يهتم بأرواح ومستقبل بلد وشعب بأكمله. وهو ما أثبتته تجربة استدعاء شعار "سورية المتجانسة"، الذي أفقد البلاد وحدتها وسيادتها، وحوّلها إلى مقاطعات لأمراء الحرب، بما فيها مربعات داخل دمشق.

وتأتي أسئلة السوريين في المهاجر الأوروبية، حيث تعيش الأسر التي نجت من براميل وتهجير مليشيات الأسد وإيران وروسيا، مع تلمسها وقوى محلية مؤيدة لهم، غياب أحزاب عدة عن التواصل مع المؤسسات والحكومات في الاتحاد الأوروبي. وكوبنهاغن تحديداً، مجرد نموذج مصغر لذلك الغياب، رغم الجهود المحلية المتواضعة. في المقابل فإن "القوى" والأذرع المقربة من نظام دمشق، في واشنطن واستوكهولم وكوبنهاغن وبرلين وباريس وبروكسل ولندن، استمرت بتشويه الثورة السورية منذ أيامها الأولى في 2011، وبالأخص مطالبها التي يفترض أنها قيم إنسانية مجمع عليها. وبعد 10 سنوات من الحديث عن "حالة تصحر سياسي ـ حزبي" خلقها نظام الأسدين، الأب والابن، في البلد، ما تزال الحركة الوطنية السورية تعيش ذات الشكوى، التي تعمق السؤال الأبله: "ما البديل عن الأسد؟".

في نهاية المطاف، بالتأكيد أن ملايين المهجرين السوريين يودون العودة إلى الديار، لكن بوجود الاحتلالين الروسي والإيراني، وتوابعهما، ونظام قهري دمّر سورية ووحدتها، تصبح الرغبة كابوساً، ما لم تتحرر البلاد من نظام جلب غزاة استباحوها، حتى يصبح أهلها غرباء، والمرتزقة يحلون مكانهم، كأنها "تغريبة فلسطينية" أخرى، يؤمل ألا تتواصل.

المساهمون