جورج غيرشوين... ملامح أميركية مرسومة بالنغمات

27 سبتمبر 2020
الصورة
لا تزال مسرحيته الغنائية بورغي وبس تُثير الجدل الفني والثقافي والسياسي (Getty)

فيما ظل جورج غيرشوين (1898 - 1937) موجهاً جلّ طموحه وتطلّعاته نحو عمالقة الحداثة الغرب - أوروبيين، كالمؤلف الفرنسي موريس رافيل (1875-1937)، والروسي إيغور سترانفسكي (1882-1971)، الذي اتخذ من فرنسا مقراً ومستقراً لفترة، هاجر بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية. إلا أنه وعلى الرغم من تموضعه الغربي، قد جسد غيرشوين كثيراً من السمات الأميركية تجسيداً شمل كل نواحي حضوره الفنية والشخصية.

عُرفت عنه مثلاً عفويته وتواضعه البالغان، وبالأخص حيال نظرائه من بين الموسيقيين الأوروبيين. فيُحكى أنه كان كلما التقى أحدهم، طلب منه دروساً في التأليف الموسيقي. وكأني به يتماهى بواقع حداثة الولايات المتحدة إزاء غربٍ كان منذ أمد قد بلغ سن الرشد على الضفاف المقابلة للأطلنطي، ليبادره دوماً بانحناءة ابن أمة وليدة سيُكتب لها عما قريب أن تقود العالم.

المثير هنا أن قوة الولايات المتحدة الناعمة منذ أن تبوأت دورها القيادي، تأريخاً عقب دخولها الحرب العالمية الثانية إثر اجتراعها مذلّة بيرل هاربر سنة 1941، ثم خروجها سيداً منتصراً بعد أن وضعت الحرب أوزارها، تبدو كما لو أنها تأسست حول النهج الغيرشويني ذاته الذي تُمكن ترجمته نقلاً عن التعبير الأميركي الدارج: "ألا تأخذ أبداً نفسها بجدية" Never Take Itself Seriously؛ حيث ما فتئت تعيد إنتاج البساطة والعفوية والسخرية من الذات، سواء في الدبلوماسية أو في الثقافة، فيما السبابة على الزناد والباهم على زر إطلاق الترسانة النووية.

بنفس التوليفة التي ظلت توائم بين واقع القوة المغالية في صلابتها، وظاهر القوة المبالغة في نعومتها، تُمكن مقاربة إرث جورج غيرشوين الموسيقي. وبسبب التوليفة ذاتها، قد يُساء تقييمه في كثير من الأحيان. حيث سعى إلى مجامعة تراث الجاز والبلوز الشعبيين الأفرو- أميركيَين اللذين كان يُنظر لهما في حينه بعين الفطرية والبدائية، بأقوى وأحدث المعالجات الموسيقية اللحنية والهارمونية وأشدها تعقيداً وتطوراً من بين تلك التي توصّلت إليها عقول وآذان كبار مؤلفي العصر من غوستاف ماهلر (1860-1911) إلى آرنولد شونبرغ (1874-1951).

سمة أميركية أخرى لغيرشوين في الموسيقى وفي الحياة، ألا وهي ولوج السوق الترفيهية منذ البداية وعدم إبداء الحرج حيالها، تستراً بمعطف النخبوية الذي لطالما زينته الثقوب وزوّقته الرُقع. انفتاحه على ثقافة التسويق والاستهلاك جعله ألمع المواكبين لصناعة الأفلام الهوليوودية الصاعدة وللمسرحيات النيويوركية الرائجة في الميتروبوليتان والبرودويه، التي أمنت له الاستمرار بجني المال في عزّ الضيق أيام الكساد الكبير خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، حتى غدا مدخوله السنوي يعادل مداخيل كبار مؤلفي عصره مجتمعين.

في سنة 1923، حصد بول وايتمان، وهو قائد فرق موسيقية مرموق، بعض النجاح نتيجة استحضاره ألحاناً زنجية بعد إلباسها أطقُماً أوركسترالية على الطريقة الرومانسية، ليُخرج الجاز من نطاق الارتجال المحض إلى مجال التأليف الرحب؛ فلقّبه النقاد "ملك الجاز". صادف وايتمان جورج غيرشوين العشريني اليافع وعرض عليه كتابة موسيقى باللون الجديد الصاعد الذي بات يُصطلح عليه كلاسيك - جاز. أثار غيرشوين إعجاب وايتمان، ما جعل الأخير يعرض المزيد. ومن هنا كانت البداية.   

تتابعت الأحداث على الطريقة الأميركية، فـ "أوقع به" Been Set Up على حد القول الأميركي؛ فيما كان إيرا غيرشوين، الأخ الأكبر لجورج، يطالع إصدار اليوم من صحيفة نيويورك تريبيون وقع بصره على خبر عنوانه: "الشاب جورج غيرشوين يعكف على كتابة كونشرتو جاز لبول وايتمان وفرقته". فوجئ إيرا بالخبر وهاتف أخاه على الفور الذي صُعق بدوره، حيث لم يكن على أي علم بالأمر. احتج جورج لدى وايتمان الذي ما كان منه إلا وأن أقنعه بأنه إن لم ينصع ويقبل التكليف، فسيوكله لأحد منافسيه؛ فسارع إلى القبول.

علاوة على تلك "المكيدة"، لم يحظ غيرشوين بالطويل من الوقت لكي ينهي المؤلف، إذ كان على متن رحلة قطار من بوسطن إلى نيويورك؛ فألهمه هدير المحرك متناغماً وإيقاع العجلات شكل الصيغة الإيقاعية التي سيبني عليها الألحان. مع أنه لم يكن راضياً تماماً، إلا أنه نجح بتسليمه إلى وايتمان وفرقته ليتم تقديمه خلال حفلٍ كبير حضره نجوم الموسيقى الفن والأدب. أدى فيه غيرشوين بنفسه دور البيانو المنفرد ترافقه أوركسترا وايتمان. بعيد ارتجاله المقطع الأخير، حيث لم يكن قد نوّته بعد، نهض الجمهور، وعم صوت التصفيق أرجاء القاعة فكانت تلك ولادة واحدة من تحف الموسيقى الأميركية، ألا وهي مقطوعة "رابسودي ب بلوز".

سمة أميركية وثيقة الصلة بشخصية غيرشوين وسيرته الذاتية تجلت عبر مسرحيته الغنائية الخالدة بورغي وبس التي لا تزال إلى اليوم تُثير الجدل الفني والثقافي والسياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ هي تعد، شكلاً وموضوعاً، مثالاً على امتياز النخبة البيضاء في تمثيل الثقافة الأفرو- أميركية من دون مغبة الوقوع في خطيئة الاستيلاء الثقافي التي عادةً ما تُشهر بوجه أيّ تمثيل محتمل في الاتجاه المعاكس. كأنما للأبيض حظوة عرقية يحتكر بموجبها طرح سردية "البوتقة" الأميركية القادرة على صهر ثقافات المهاجرين إليها طوعاً، أو قسراً كما كانت حال العبيد الأفارقة.

تدور أحداث المسرحية حول بورغي، وهو متسول أسود البشرة ذو إعاقة يعيش متشرداً في عشوائيات شارلستون الفقيرة التي يقطنها الزنوج. بدافع الحب، يسعى بورغي إلى حرف مجرى حياة بس البائس، وهي أيضاً امرأة سوداء البشرة، محاولاً تخليصها من براثن علاقتها المسمومة مع حبيبها الأرعن والعنيف، وتحريرها من عبودية إدمانها على المخدرات.

على الرغم من إصرار غيرشوين وأخيه إيرا، وكلاهما سليلا عائلة يهودية مهاجرة من روسيا، على حصر من يجسد شخصيات المسرحية بالسود منعاً منهما لاعتماد تلوين أيّ من الممثلين البيض لبشرتهم من أجل تجسيد شخصيات العمل، وذلك عن طريق ما يُدعى بـ "الوجه الأسود" الذي يعد سلوكاً موسوماً بالعنصرية كان قد راج في القرنين التاسع عشر والعشرين في أرجاء أوروبا ومستعمراتها، هدفه البيّن هو السخرية من أشكال الأفارقة. إصرارٌ أفسح المجال أمام مواهب سوداء رائدة بالظهور كـ إيلا فيتزجيرالد (1917-1996) ولوي أرمسترونغ (1901-1971) تحدياً لمناخات الفصل العنصري السائدة آنذاك.

وعلى الرغم من أن المسرحية خلفت روائع غنائية أثْرت التراث الأميركي حديث الولادة أصلاً كـ "ليس بسلوك حسن" Ain’t miss Behaviour وأغنية "فصل الصيف" Summertime، بيد أن السجال يبقى محتدماً إلى اليوم حول حقن عمل فني من قبل مؤلفين ومنتجين، هم في المحصلة من بيض البشرة، بكمٍّ لا بأس به من التنميطات الثقافية والاجتماعية حول حياة السود الأميركيين وتمثيلهم داخل المجتمع تمثيلاً محرقياً يتناول قصص الفقر والعنف والإدمان، خصوصاً اليوم، بعد أن أخذت مظاهر الحرب الثقافية والهوياتية السياسية تتصدر المشهد السياسي الصاخب الذي أمسى بحماوة "برميل بارود" Tinder Box كما يقول الأميركيون، قابل للاشتعال في أية لحظة.