المُشاهدة السينمائية: القرار فرديّ

06 نوفمبر 2020
الصورة
"الايرلندي" لمارتن سكورسيزي: مُشاهدته على منصّةٍ مُمتعةٌ (يوتيوب)
+ الخط -

أفلامٌ كثيرة تُشاهَد حالياً عبر مواقع ومنصّات مختلفة. الحاجة ماسّة إلى مُشاهدةٍ تُخرج الفيلم ومُشاهِدَه من الصالة إلى غرفةٍ منزلية. للنقد متطلباته. المهنة تتجاوز آلية المُشاهدة أحياناً، فالأولوية، في زمنٍ كهذا، منصبّة على متابعةٍ ضرورية لنتاجاتٍ، كما لأحداثٍ ومسائل وتفاصيل، وهذه كلّها تحتاج، هي أيضاً، إلى مواقع ومنصّات. إصرار مهرجانات عربية وأجنبية على تنظيم دوراتٍ جديدة لها، في زمن كورونا وإغلاق الصالات، يؤكّد أنّ طقوس المُشاهدة يجب ألّا تُمسّ، ويجب أنْ تُمارَس كالمعتاد. لكنّ صالات عدّة مغلقة، والمواقع والمنصّات منفذٌ وحيد للمُشاهدة وفق طقوسٍ جديدة.

تَحوّل مُشاهدة كهذه إلى عادةٍ، فردية أو جماعية، يُصبح مشكلة. هناك ما يُتيح لمُشاهِد فيلمٍ عبر موقع أو منصّة التحكّم بالمُشاهدة، بدلاً من أنْ تتحكّم الصالة وطقوسها به وبالمُشاهدة. في الصالة، يُجبَر المُشاهِد السينمائي على تركيزٍ كاملٍ، ومتابعة دقيقة، ومرافقة حثيثة لأحداثٍ ومسارات وانفعالاتٍ. في الغرفة، "يتلاعب" المُشاهد بالفيلم، وبأحداثه وشخصياته ومساراته وانفعالاته. يوقف العرض لاستعادة لقطة أو كلام، أو لمحاولة ربط مَشَاهد، بعضها ببعض. يتأمّل الترجمة، فيُقارن بينها وبين النصّ الأصليّ، إنْ يُتقن لغة النصّ الأصلي. يُعيد مشهداً للتفكير فيه أكثر. يتمعّن بالمُصوَّر أمامه، فينتبه أكثر إلى مسائل تقنية وفنية. لن تُتيح له مُشاهدة الصالة إمكانية "ارتكاب" فعلٍ كهذا.

في النقد، المسألة مقبولة إلى حدّ ما، فالدقّة والملاحظة والكتابة ضرورية للمهنة، من دون تناسي أهمية مُشاهدة عفوية تكون الأولى عادة. المُشاهدة في الصالة مفتوحة على احتمالات وخيارات وتأثّرات غير معروفة مسبقاً. مُشاهدة لن تسمَح للمُشاهِد بإعادة لقطة مراراً، فالإعادة تُسقِط المفاجأة والعفوية والتواصل الحرّ.

أهذا تناقضٌ؟ يصعب حسم الجدل. المهنة غير متوافقة كلّياً مع طقوسٍ ثابتة، رغم أنّ الطقوس الثابتة حاضرةٌ في مهنةٍ سابقةٍ لعصر التقنيات الحديثة. في النقد، يُستحَسن التنبّه إلى أمورٍ، لن يقدر ناقدٌ على التنبّه إليها في مُشاهدة أولى في صالة سينمائية، مهما يبلغ مدى تركيزه وانسجامه وتواصله وتفاعله. إعادة مشهدٍ مراراً يُسيء، أيضاً، إلى الشعور العفوي الأول، وإنْ يُساعد على التنبّه أكثر إلى تقنيات وفنيات وجماليات وسرديات.

 

 

أدوات المُشاهدة التقليدية، في صالات سينمائية مُجهّزة بأحدث الاختراعات، تتوفّر غالبيتها في مُشاهدة منزلية، بفضل اختراعات كهذه. الانفصال عن مُشاهدين آخرين ضروريّ أحياناً، فبعضهم، خصوصاً في دول عربية أو في صالات غربيّة (فالعربيّ عربيّ في كلّ صالة يدخلها لأسبابٍ لن تكون سينمائية دائماً)، مزعجٌ وغير قابلٌ لأنّ يكون مُشاهداً سينمائياً. التقنيات الحديثة تُفيد مُشاهداً يريد استحواذاً كاملاً له على الفيلم، بعيداً من أيّ ازعاج يُمكن أنْ يُسبِّبه جالسٌ في الصالة نفسها. لكنْ، ألنْ يكون هناك ازعاجٌ في غرفة منزلية، أثناء مشاهدة يُفترض بها أنْ تكون سينمائية؟ ماذا عن ضجيج في الحيّ، أو زيارة غير متوقّعة، أو رنين هاتفٍ (هذا حاصلٌ في الصالة السينمائية العربية أيضاً)؟ ماذا عن حاجات يريدها المُشاهد في غرفة منزلية، كمأكل ومشربٍ (هذا حاصلٌ في الصالة السينمائية العربية أيضاً)، وتدخين؟ ماذا عن أولادٍ يلعبون في غرفة مجاورة، وزيارات صباحية أو مسائية: أيُمكن ضبط هذا، أقلّه في وقت المُشاهدة؟

تساؤلات يصعب حسم الإجابات عنها. الحاجة ماسّة إلى المُشاهدة، ما يسمح بالتغاضي عن الوسيلة أحياناً. النقد مُطالَب بمرتبة أعلى من التنبّه والمعاينة، فالمهنة تُلحّ على المتابعة. كورونا يُساهم في تأجيج نقاشٍ غير منتهٍ إلى نتائج واضحة. نسبٌ كبيرة من قيمة المُشاهَدة في صالة سينمائية تُفقَد في مُشاهدة منزلية، وإنْ تمتلك الأخيرة تقنيات حديثة للغاية.

المزاج الذاتيّ في المُشاهدة حاضرٌ. التقنيات متوفَّرة لكثيرين. لكنْ، يبقى القرارُ فرديّاً بحتاً.

المساهمون