الصحافة الغربية في بيروت: بانتظار مأساة أكبر

الصحافة الغربية في بيروت: بانتظار مأساة أكبر

26 اغسطس 2021
اليأس شيء يصطدم به العابر في بيروت كل دقيقة (حسين بيضون)
+ الخط -

صحافيون وصحافيات من كل الجنسيات يوجدون في بيروت اليوم. في الجمّيزة، وأحيانًا في بدارو، وفيما ندر في شارع الحمرا الذي كان شارعًا كوزموبوليتانيًا ذات يوم، وفي معظم الأحياء التي تعرضت لإحلال طبقي متواصل، سبق الأزمة الاقتصادية وأذّن لها، يبحثون ويبحثن عن "الأزمة". من خلال أحاديث قصيرة معهم ومعهن، يتضح أن بيروت ما زالت مدينة "إكزوتيكية"، في تصورات الكثيرين. عندما يبدأ العمل، وليس فقط لأسباب جيوسياسية، يبحثون في لبنان عمّا سمعوا عنه في سورية أو في العراق بعد الاحتلال الأميركي، وغيرها من مناطق العالم المنكوبة: مخيّمات للاجئين، قوارب للمهاجرين، مجنّدون فارون، الحركات الإسلامية... وأشياء من هذا النوع. حتى في الصحافة التي تعتبر أكثر رصانة، فإن الأزمة اللبنانية العميقة لا تنجو من تخيّلات غربية ترنو إلى قعرٍ استشراقي، قادر على تطوير نفسه ضمن الشروط المؤسسة ذاتها، أكثر من الأزمة نفسها.

قد تكون المفارقة الأولى هي أن مركزية بيروت في التغطية الغربية هي جزء من أزمة الإعلام اللبناني نفسه الذي لا يُعد متخصصًا لدرجة تقديم محتوى خاص بالمناطق، وفي ذات الوقت، يركّز محتواه على متابعة مقاطعات محددة جغرافيًا وطائفيًا، وقد تفاقمت هذه الأزمة تدريجيًا. هكذا تصير الأحداث في طرابلس مادة "شيّقة"، ويبدو انفجار عكار (شمال لبنان) يحدث في مكان بعيد جدًا، وقد لا يعني سقوط صواريخ إسرائيلية على أراض لبنانية في الجنوب شيئًا لأحد. ويبدو أن جزءًا كبيرًا من الإعلام الغربي، عندما يأتي إلى هنا، لا يأتي بـ"أجندات"، بل يأتي على الأرجح بتصورات مسبقة ولكنها راسخة. فحسب كثير من الدارسين، يبدو أن التحول الأول في العلاقة بين بيروت والميديا حدث بعد اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لبيروت في 1982، عندما تم اكتشاف بيروت كمدينة مفتوحة. مدينة عصابات، مدينة مخدرات، مدينة شرقية فيها شبيهات لنساء فدريكو فيلليني في روما، وأهلها يتحدثون الفرنسية بطلاقة، قبل أن يأتي "الغرباء" من "الصحراء". كأن ذلك كان يحدث تمهيدًا لاجتياحها وتسويغ اجتياحها، ولكن يبدو أيضًا أنه ترك أثرًا. حتى اليوم، تصوّر أفلام عن بيروت في طنجة، أو تصوّر أفلام عن طنجة في صنعاء، ويسأل الصحافيون الأجانب أسئلة عن بيروت سمعوها في حمص، ومنهم من لا يعرف فعلًا أن حمص أقرب إلى البقاع اللبناني منها إلى بيروت، وأن لبنان ثقافيًا أقرب إلى فلسطين، أكثر بكثير من قربه إلى فرنسا.

التصورات الغربية في الإعلام عن لبنان تبحث عمّا يشبهها. سنجد في "فيغارو" الفرنسية مثلًا، مقالًا طويلًا تتقاطع فيه روح الصحيفة اليمينية نفسها مع الوطنية اللبنانية الكلاسيكية. تفرط كاتبته ناتالي فينان في شرح العلاقة الأبوية بين فرنسا ولبنان، من ضمن التصورات التقليدية لليمين عن "الروح الوطنية". وتُلاحظ في المقال اللطيف طفرة الافتخار بالجغرافيا الفرنسية، معطوفًا على الفخر اللبناني، على النسق الذي يرد في المسرح الرحباني بالجغرافيا اللبنانية. والأهم، يبرز الشكر موصولًا ودائمًا للعلاقة الهرمية بين لبنان وفرنسا. صحيح أن الكاتبة تعترف بوجود "جانب مظلم" في الانتداب الفرنسي للبنان، لكنها تتنصل من الحديث عن معنى الانتداب من أساسه، فقد قدم لها الانتداب فرصة العيش مع "المحيط والبحر والسهول والجبال والبراكين والشلالات". وليس هذا إعلانا ترويجيا لإحدى فروع قنوات "ناشونال جيوغرافيك"، بل هو مقال، تشي لغته بأنه مكتوب بصدق ومن دون أي نزعة للمبالغة على ما يبدو، يحاول معالجة أزمة الهوية اللبنانية، في عزّ أزماتها الأخرى والمتعددة.

الأزمة هائلة. حسب كاتبة العمود والمعلّقة على شؤون الشرق الأوسط في "فورين بوليسي" أنشال فوهرا، فإن مستوى اليأس لدى اللبنانيين وصل إلى درجة غير مسبوقة. وبالنسبة للبنانيين، أو حتى للعرب الذين يعرفون لبنان، لا يبدو هذا جديدًا، ولا يمكن اتهام الكاتبة "بتوهين الحس القومي"، على الطريقة الكاريكاتورية للأنظمة الديكتاتورية. اليأس شيء يصطدم به العابر في بيروت كل دقيقة، وقد يصح في البيروتيين ما يقوله الشاعر الأميركي بوكوفسكي: "يمكنني أن أرى في النهار ألف شخص استسلموا تمامًا". ليس ما تقوله فوهرا بحد ذاته هو المشكلة، حتى وإن أكدت أن 77 بالمئة من اللبنانيين يريدون الخروج من لبنان، ناسبةً الرقم إلى "أحد الاستطلاعات"، مقارنة بـ 54 بالمئة من السوريين في بلادهم المنكوبة و58 بالمئة من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال. ليست وظيفة الصحافي هي البحث عن الأمل، ولن يستغرب أحد من اللبنانيين أن 77 بالمئة من الشباب في البلاد يرغبون بالهجرة، وقد يفترض كثيرون أن الرقم أقل من الرقم الحقيقي. لكن عرض الأرقام من دون رفدها بالمعطيات، على هذا النحو، يترك شهية القارئ مفتوحة للغوص في تحليلات قد يكون بعضها مخزيًا إلى درجة الهزل، مثلًا، كما لو أن الوضع في سورية الآن أفضل من أي مكان آخر في المنطقة.

ببساطة، يعرض الصحافيون الأجانب عن بيروت مما بات موجودًا في بيروت اليوم، ولم يعد خيالًا استشراقيًا تامًا. أي أنها مدينة عنيفة، مدينة مرشحة لأن تكون مدينة عصابات (طائفية بالدرجة الأولى)، مدينة تحتضر، وكل هذا العنف الذي يحب الغرب أن يتصوره في الشرق وعن الشرق. وهم ليسوا بحاجة إلى تخيّل الكثير من هذا اليوم. جزء منه صار موجودًا في بيروت التي تمشي على طريق بغداد ودمشق وصنعاء، وتبدو بعيدة عن أي حالة ديمقراطية. اليأس الذي تتحدث عنه "فورين بوليسي" صحيح. المفارقة تكمن في أن المادة الصحافية المتقنة لا تبحث في أسباب اليأس، ولا في أسباب الرغبة في الهجرة، ولا في العنف، ولا في معنى الأزمة، وفي علاقات الأزمات بعضها ببعض. تكتفي بعرض الأرقام لتأكيد اليأس، كما لو أن كل ذلك حدث لوحده، وليس بسبب سياقات طويلة. ولا تضمر الفكرة الأخيرة ميلًا لتحميل الصحافة الغربية بالعمل وفق "أجندة"، على طريقة اتهام جميع الجمعيات الأهلية في العالم بأنها تعمل وفق "أجندات"، بل تحاول التأكيد أن الإعلام الغربي لا يرغب في تغيير صورة بيروت في رأسه، ولا يريد وجعًا في الرأس، عندما يكتشف أن هذه الصورة كانت خاطئة، وأن الرغبة بالهجرة شهدت نسبًا مماثلة سابقًا، وأن زلزالًا كبيرًا اسمه "الاستعمار" قد حدث هنا وترك أثرًا يتناسل، وأن الحكومات الغربية متواطئة مع الاستبداد بأشكاله المختلفة، في لبنان وفي غيره من الدولة العربية، وفق شروط ومصالح مختلفة.

قبل أن تتراجع حرارة الصيف الحارق، يجمع عمال المرفأ الفئران الميتة من الصوامع. يقذفونها إلى تحت، إلى البحر. "غارديان" البريطانية تحدثت مع "أبو هيثم"، وهو ضابط لبناني "صغير" في أحد الأجهزة الأمنية، على حد وصف التقرير، فأخبرهم أن "رائحة الفئران كريهة للغاية". لكن ما يميّز تقرير الصحيفة البريطانية عن معظم التقارير الأخرى أنه يتكل على سرد جذاب من دون أن يبحث عن الفانتازيا، أو عن تصورات متشابهة لما يحدث في "الشرق المنهار والغارق في الحروب". سرعان ما يوضح التقرير أن تكدس القوارض في موقع الانفجار يعني شيئًا ما للبنانيين الذين يعانون من الخيانة. يصفها التقرير بـ"خيانة الدولة"، لكن الدولة في لبنان، وهي تعبير عصي على اللبنانيين أنفسهم فهمه وتفكيكه، تبقى مصطلحاً هلاميًا بالنسبة للصحافة الأجنبية. فعندما يقول صحافي في جريدة أجنبية "الدولة"، فإنه يقصد مجموعة أجهزة تعمل لإدارة مجموعة مصالح، وتحصل على الشرعية ضمن شروط محددة. أما عندما يقال "الدولة" في لبنان، فيقصد بالتعبير، غالبًا، "الشبح" الذي يلقى اللوم عليه في انهيار البلد وفي كل شيء، بينما هو في الواقع جهاز يدير مصالح الطوائف وأوليغارشياتها، وليس شبحًا، بل هو كائن أكثر من معنوي، يحظى بمشغلّين محددين ومعطّلين محددين أيضًا. وتاليًا، "الدولة" التي يتحدث عنها تقرير "غارديان"، أو أي صحيفة أخرى أكثر رصانة أو أقل، ليست "الدولة" كما هي في لبنان، أو كما يفترضها اللبنانيون، أو حتى كما يتخيّل الغربيّون أنهم يتخيّلونها. 

ما ينقله معظم الصحافيين من لبنان وإليه، عن الأزمة وتغيراتها، ليس ماهية الأزمة ولا التصورات عنها أيضًا. ما يفعلونه، هو تخيّل الأمة، على طريقة تخيّل الجماعات لأنفسها وفق شروط القومية، ولكن بشروط استشراقية، كما لو أنهم ينتظرون اللحظة التي تبدأ فيها القوارب الإبحار من بيروت نحو غرب المتوسط، لكي يتسنى لهم إقناع أنفسهم بأنهم كانوا على حق، وأن القارئ الغربي لم يكن بحاجة للحقيقة، أو للتفاصيل التي تساعد على تخيّل الحقيقة بدلًا من الاستمرار في تخيّل الماضي.

المساهمون