صحافيون لبنانيون وسط انفجار المرفأ: هكذا سقط الموت علينا

صحافيون لبنانيون وسط انفجار المرفأ: هكذا سقط الموت علينا

بيروت
ريما أبو خليل
بيروت
ريتا الجمّال
04 اغسطس 2021
+ الخط -

الرابع من أغسطس/آب 2020. تاريخٌ حُفِرَ في ذاكرة مراسلين وصحافيين كتجربةٍ لا تشبه غيرها في مشوارهم الإعلامي، رغم المخاطر الكثيرة الناتجة عن "مهنة المتاعب". منهم عايشوا تحدّي مشاعر الواجب والإنسانية، وآخرون كانوا على مسافةِ "لحظةٍ" من الموتِ، لم تقف بعد النجاة حاجزاً أمام تصميمهم على استكمال مسيرتهم، "عاضّين" على الجروح الجسدية والنفسية التي يحملونها معهم.

يروي المراسل حسان الرفاعي، في حديث إلى "العربي الجديد"، تفاصيل الدقائق الأخيرة قبل وقوع الانفجار في مرفأ بيروت، حيث تحرّك من تظاهرة كان يغطّيها، من أمام وزارة الطاقة في العاصمة اللبنانية إلى جهة مقابلة للمرفأ مفتوحة على العنبر رقم 12، بينما كان يندلع الحريق، "إذ إن هدف المراسل أن يكون الأوّل على الأرض"، يقول الرفاعي، ويضيف: "توجهنا بسرعةٍ جنونية. وأثناء تحضيرنا المعدات والكاميرا لبدء النقل المباشر، تلاشت كل الذكريات، لا أذكر لحظة الانفجار أو سماع أي صوتٍ، آخر ما أتذكره زميلي جهاد الزهري يطير من جانبي. هذا آخر ما رأيته، قبل أن أفقد الوعي لبعض الوقت".

بعد ذلك، استعاد الرفاعي (كان وقتها مراسلاً لقناة الجديد المحلية، أصبح اليوم في الـLBCI) وعيه لبضع الوقتِ، ووجد نفسه بعيداً مسافة أمتارٍ من المكان الذي كان يقف فيه، وقيلَ له إنه كان مغطى بالردم والركام. أول ردة فعل يتذكرها ذهابه إلى المصور جهاد للاطمئنان عليه، فكانت الدماء تغطي رأسه ووجه، وبدأ يبحث عن هاتفه ليتواصل مع زوجته، حيث جلس على الرصيف وظهرت صورته على وسيلة إعلامية؛ فسارع لطمأنة زوجته، وكان وقتها يشعر بآلام في الرأس، ثم اكتشف أن أحد المواطنين وضعه في السيارة وأقلّه إلى المستشفى.

يقول الرفاعي: "أنقذ حياتي الرجل والأطباء في المستشفى. وضعي كان دقيقاً جداً، عانيت من نزيفٍ في الرأس وشِعر في الجمجمة، ونزيف في أكثر من نقطة وارتجاج في الدماغ نتيجة قوّة الانفجار. ووضعت تحت الرقابة لـ48 ساعة لمعرفة ما إذا كنت سأبقى على قيد الحياة أم لا. وبدأت أستعيد عافيتي والتركيز تدريجياً، وبقيت في المستشفى بين أسبوع وعشرة أيام".

يتابع: "في 19 أكتوبر/تشرين الأول عدت إلى العمل، وصممت على البقاء في المهنة واستكمال رسالتي. لا أريد أن أستسلم، خصوصاً أمام ابني. ليست هذه الحياة التي أريد أن أظهرها له. لا أريد أن أنسحب أمام موقف صعب كهذا".

يشير الرفاعي إلى أن علاقته بالمرفأ تعود إلى سنين طويلة ماضية أيام الشباب، عندما كان يمارس هناك هواية الغطس مع رفاقه، وقد قرّر أن ينزع الخوف من هذه النقطة، فبدأ يقصد المرفأ كل يوم على مدى أسبوع، يجلس في النقطة نفسها التي كان فيها وقت وقوع الانفجار، ومعه قهوته، حتى يتقبّل ما حصل: "الحياة لم تتوقف، ووضعي أفضل بكثير من غيري، أنا قادر على العمل، والبقاء مع عائلتي وابني. هناك سبب لبقائي على قيد الحياة، ولن أسمح أن أكملها وأنا محكوم بالخوف، لذلك قررت المواجهة". يتابع: "هناك أشياء بدأت أتذكرها بعد فترةٍ من الانفجار، من جثث إلى ضحايا وما إلى ذلك من تفاصيل لا أريد الدخول فيها، ولكن الأصعب بالنسبة إليّ كان أن أرى شخصاً فقد حياته".

يتحدث الرفاعي عن دور زوجته خلال هذه الفترة ووقوفها إلى جانبه، وعلاقته التي صارت قوية جداً مع ابنه (أربعة أشهر)، وشعوره بأنه لا يريد أن يستيقظ زين (ابنه) ذات يوم ولا يجد أباه، وهو مسؤول تجاهه ويريد مساندته وسير مشوار الحياة معه.

فترة علاج الرفاعي لم تنتهِ، يفضّل عدم الغوص في تفاصيل معاناته؛ لأن هناك حالات أصعب بكثير من حالته، مكتفياً بالقول إنه محروم مدى الحياة من نشاطات كثيرة اعتاد القيام بها، وذلك بسبب الارتجاج الدماغي الذي أصابه.

من جهة أخرى، لم تكن تجربة سلوى بعلبكي، الصحافية في صحيفة "النهار" اللبنانية، أسهل، هي التي أصيبت في مكان عملها، ورقدت في المستشفى بين الحياة والموت، ولا تزال تعيش مع إصاباتها الجسدية والنفسية.

تخبر بعلبكي "العربي الجديد" كيف "سقط الموت عليها" رذاذاً زجاجياً من واجهات المكتب في مبنى "النهار"، وتتحدث عن طنين الانفجار الذي لم يفارق رأسها، كما حصل معها إبان اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، لكنه كان مضاعفاً. وتقول: "في تلك اللحظة، عند الساعة السادسة وسبع دقائق مساءً، غاب الإرسال الهاتفي لبعض الوقت، لم نتمكن من التواصل مع أحد، حتى الصليب الأحمر. كنت أنزف كثيراً من يدي اليمنى، ووضع كتفي يتفاقم. شُلّت حركة الساعد عندي، والأصابع، وأصبحت بيد نصف مشلولة". هكذا، إلى أن ساعدها شاب يستقل دراجة نارية، أقلّها إلى أقرب مستشفى، كما تقول.

لم تنسَ بعلبكي المشاهد التي رأتها في الطوارئ: "مرعبة" كانت، جرحى، وإسعافات ميدانية في الغرف وعلى الأرض، الجثث في كلّ مكان، وطاقم طبي يعمل بلا توقف كخلية نحلٍ لم تهدأ، يتنقل بين حالة وأخرى لإنقاذ أكبر عددٍ ممكن من المصابين، بحسب قولها.

وتضيف: "غالبية الزملاء لم يعودوا إلى المكاتب. وأعمال إعادة التأهيل والإصلاحات والتجهيزات لم تنتهِ بالكامل، والعمل أكثر من المنزل، لكن بعد شهر تقريباً عدت لأول مرة إلى مبنى (النهار)، حيث عاد الطنين إلى رأسي من جديد، تأملت يومها بقايا مكتبي، ورصد نظري كتاباً بعنوان السجينة، كان ينطبق كثيراً على حالتي، 16 سنة وأنا سجينة الطنين والخوف من أي صوتٍ مرتفع. حاولت بعدها تقوية نفسي، هذا كان قراري، ومع ذلك، كلما توجهت إلى هناك يعتصر قلبي، عندما أنظر إلى المرفأ، لم أستوعب بعد ما حصل، لم أستطع أن أكون موجودة في الصحيفة بشكل طبيعي".

بعلبكي التي فضّلت العيش في الجنوب، وعدم التردد كثيراً إلى بيروت، تقول: "إن شاء الله قريباً يمكن أن أعود كالمعتاد، ربما أنسى عندما تظهر الحقيقة، أو أتغلب على المشاعر التي تراودني. لكني أشك بأني قادرة على النسيان، وأنا حتى اليوم لا أستطيع النوم بشكل جيد أو منتظم، السهر حتى الفجر بات يرافقني منذ الانفجار".

أما هدى شديد، الصحافية والمراسلة في قناة LBCI؛ فكانت أول من أعلن خبر الانفجار، وكانت كاميرا 4G مفتوحة عندها. يومها، كانت في بيت الوسط، حيث كان يعقد رئيس الوزراء السابق و"تيار المستقبل" سعد الحريري اجتماعاً مع النواب الأرمن. تقول: "اعتقدت للوهلة الأولى، نتيجة قوّة الانفجار والضغط الهوائي الذي حصل والأضرار الكبيرة، أن الجريمة تستهدف الحريري، ربطاً بالقرار الذي كان ينتظر صدوره عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال والده".

تقول شديد لـ"العربي الجديد": "اعتقدنا بدايةً أن هناك غارة أو صاروخاً، وكل لبناني ظنّ أن الانفجار، نسبةً إلى قوته، قد وقع في منطقته. وهذه أول معلومة وصلت إلينا قبل أن تتبدّد المعطيات، ويبدأ الحديث عن مفرقعات وتلحيم". تضيف: "خرجنا أنا والزميل سابا مخلوف، الذي بدأ بتصوير الدمار في كل المباني، من بينها بيت الوسط والسرايا الحكومية. الأدرينالين كان عالياً، ولا نعرف ما حدث ومن استهدف الانفجار. وعائلتي قلقت كثيراً؛ لأني كنت على مقربة من المرفأ، وحاولت في أول فرصة طمأنة الجميع".

لاحقاً، استوعبت شديد حجم الكارثة: "قتلى وجرحى على الطرقات، وعند كل خطوة أدرك النكبة التي حصلت في بيروت والأضرار الجسيمة بشرياً ومادياً. العاصمة دمّرت وأهلها، جسدياً ونفسياً. وأنا، على الصعيد الشخصي، عشت التروما والصدمة النفسية وما من شيء جعلني أشعر بهذا الكمّ من الإحباط والجرح العميق، إلا ما حصل في الرابع من أغسطس، لا أنسى هذا اليوم، وكلما أتطرق إليه أشعر أني مجروحة وأريد البكاء".

تقول شديد: "كلما مرّ الوقت، أرى أن أحداً ليس مسؤولاً، وليس هناك من يريد أن يتحمّل الجريمة الكبرى التي وقعت. الكل يريد أن يتسلط علينا. أقله أن يعلن شخص واحد مسؤوليته، حتى الموقوفين منهم بعثوا تقارير ومراسلات تفيد بوجود نترات أمونيوم في العنبر رقم 12، من دون أي تجاوب جدّي. أما كبار المسؤولين؛ فلا يمكن لأحد أن يطالهم، وهذا ما يجعلني محبطة باستمرار، وأشعر بأننا لن نصل إلى الحقيقة يوماً. وفي هذا البلد لا حقيقة تظهر".

وتختم شديد: "أطلقت على الرابع من أغسطس يوم نكبة لبنان، فما قبل هذا التاريخ ليس كما بعده. لقد دمّروا شعباً بكامله، والمسؤولون يتراشقون ويتبادلون الاتهامات وكرة المسؤولية، هم يظهرون فقط عند الصفقات والمال، ولكن عند ساعة المحاسبة وإعلان المسؤولية، كل طرف يرمي التهمة على الآخر".

ذات صلة

الصورة

سياسة

جدد الطيران الحربي الروسي قصفه لمناطق جنوب إدلب شمال غربي سورية، بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي من جانب قوات النظام، وسط حركة نزوح للمدنيين من المنطقة خشية تصاعد العمليات العسكرية.
الصورة
محمد رمضان/فيسبوك

منوعات وميديا

يبدو أن زيارة الممثل والمغني المصري محمد رمضان إلى بيروت في الأيام الماضية لم تحمل معها سوى عاصفة من الانتقادات
الصورة
مصابان في انفجار عكار بمستشفى السلام في طرابلس (صلاح الأيوبي)

مجتمع

يضم مستشفى السلام في طرابلس عددا كبيرا من جرحى مجزرة انفجار خزان البنزين في بلدة التليل- عكار، والذين تم توزيعهم على عدد من مستشفيات المدينة، بالإضافة إلى جرحى نقلوا إلى مستشفى الجعيتاوي في بيروت.
الصورة
نبيه بري/سياسة/حسين بيضون

سياسة

أرجئت، اليوم الخميس، الجلسة العامة التي دعا إليها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في قصر الأونيسكو للنظر في قرار الاتهام بانفجار مرفأ بيروت إلى موعدٍ يُحدد لاحقاً، بفعل عدم تأمين النصاب القانوني لانعقادها، أي النصف + 1 (65 نائباً).

المساهمون