التغيُّر المناخي... رشفات أخيرة من كوب شاي إنكليزي

التغيُّر المناخي... رشفات أخيرة من كوب شاي إنكليزي

14 مايو 2021
الصورة
من المتوقّع انخفاض إنتاج الشاي بنسبة 39 في المائة بحلول عام 2050 (Getty)
+ الخط -

فنجان الشاي الذي يعشقه الشعب البريطاني مهدّد بالخطر بسبب تغير المناخ، إذ إن ارتفاع درجات الحرارة في البلدان التي تزرع هذه النبتة يعرّض غلة المحاصيل المستقبلية للخطر. يعد الإنكليز من بين أكثر الشعوب التي تحتسي هذا المشروب، إذ يتناول الفرد في المملكة المتحدة وأيرلندا الشاي أكثر من أي شخص في أي دولة أخرى في العالم.

تعود نقطة التحوّل في تاريخ الشاي في بريطانيا إلى زواج تشارلز الثاني، ملك إنكلترا، من كاثرين براغانزا. كانت أميرة برتغالية مدمنة على شرب الشاي، وكان حبها لهذا المشروب هو السبب في تعرف الديوان الملكي الإنكليزي إليه، لتتبنى بعد ذلك الطبقة الأرستقراطية طقوس شرب الشاي.

حينها استغلّت شركة الهند الشرقية هذا الاهتمام بالشاي، وبدأت باستيراده إلى بريطانيا، حيث قدّمت طلبها الأول عام 1664، مقابل 100 رطل من الشاي الصيني. ويُقال إنّ الشاي كان منتجًا باهظ الثمن، يحظى به الأثرياء فقط، وغالبًا ما يُحتفظ به في مكان محكم الإغلاق بالقفل والمفتاح. وتعرّف العامة إلى الشاي لأوّل مرّة عام 1658، عندما كتبت عنه إحدى الصحف اللندنية، في إعلانها، بوصفه "المشروب الصيني" الذي يطلق عليه الصينيون اسم "تشا". وعام 1717، افتتح أول متجر شاي للسيدات، لتبدأ بعدها متاجر الشاي بالظهور ببطء في جميع أنحاء إنكلترا، حتى أصبح الشاي متاحاً للجميع. وازداد حب البريطانيين للشاي خلال سنوات الإمبراطورية البريطانية في الهند.

يوجد حالياً ما يقرب من 1500 نوع مختلف من الشاي في بريطانيا. تتنوع جميعها في الطراز والنكهة واللون. ومن أبرز هذه الأنواع: شاي الهند، إذ يعدّ هذا البلد الآسيوي أحد المصدّرين الرائدين لـ12 في المائة من أنواع الشاي في العالم. وأهم ثلاثة أنواع شائعة في المملكة المتحدة هي: دارجيلنغ الذي يأتي من شمال الهند، وهو شاي خفيف مثالي لوقت بعد الظهيرة، وسيلان الأقوى قليلاً من شاي دارجيلنغ، وله رائحة عطرية مع طعم حاد قليلاً، وشاي أسام القوي المذاق، وشاي الصين، مسقط رأس الشاي، إذ تنتج 18 في المائة من الشاي في العالم. وتشمل أفضل أنواعه شاي "لابسينج سوشوىغ"، وهو أشهر أنواع الشاي الصيني، ويأتي من التلال في شمال فوجيان، ويتمتّع برائحة ونكهة مدخنة. وشاي يونان الأسود من مقاطعة يونان، ذو المذاق الترابي الغني المشابه لمذاق شاي أسام. وهناك العديد من الأصناف الأخرى من كل من الهند والصين ودول أخرى التي تشمل الشاي الأخضر والشاي الأبيض والعطريات.

بيد أنّ الاستمتاع بنكهات الشاي المتميّزة من هذه البلدان بات مهدّداً بالضياع، بعدما كشف تقرير صارد عن المنظّمة الخيرية "كريستيان إيد"، في تقرير جديد، أن تغيّر المناخ سيقلّل من الظروف المثلى لإنتاج الشاي في العالم. إذ تهدّد أزمة المناخ ظروف نمو نبتة الشاي في الهند وسريلانكا والصين وكينيا، التي تعتبر أكبر مناطق لزراعة الشاي في العالم. وتعد كينيا أكبر مصدّر للشاي الأسود عالمياً، حيث تنتج حالياً نحو نصف الشاي الأسود المستهلك في المملكة المتحدة، لكنّها تعاني من أنماط غير منتظمة لسقوط الأمطار نتيجة للاحتباس الحراري، ما يعني أن زيادة مخاطر الفيضانات والجفاف يمكن أن تشكل تهديدًا لجداول الزراعة. كما يهدد تغير المناخ أيضاً مذاق الشاي، إذ تؤدي كميات مياه الأمطار المتزايدة إلى إنتاج أوراق ذات جودة رديئة، وتخفف من المركبات التي تجعل الشراب مفيدًا للصحة.

تهدّد أزمة المناخ ظروف نمو نبتة الشاي في الهند وسريلانكا والصين وكينيا

مع انتشار هذه المخاطر التي تهدّد نبتة الشاي، يعود إلى الواجهة الجدل المستمرّ بين الإنكليز حول كيفية صنع كوب شاي مثالي، وهل يسكب الحليب على الشاي قبل صبّ الماء الساخن أو بعده. في الأصل، كان يضاف الحليب دائماً قبل الشاي لمنع الماء الساخن من تكسير أكواب الصين الدقيقة. لكن على الرّغم من اتفاق خبراء الشاي مع هذا التقليد، فهم يقولون أيضًا إن صبّ الحليب أولاً قبل الشاي قد يغير نكهة الشاي. وبالنسبة لمعظم البريطانيين، كان كوب الشاي المثالي هو الشاي الأسود المكوّن من الأوراق المجففة والمخمرة لنبتة شاي كاميليا سينينسيس. ويبقى لكل شخص رأي في كيفية صنع فنجان شاي "مناسب"، لكن كان من الضروري أن يكون العنصر الأساسي مصنوعاً من أوراق الشاي وليس أكياس الشاي، وبالتأكيد ليس شاي البودرة.

ظهرت أكياس الشاي في أميركا في أوائل القرن العشرين، لكنّه لم يزدهر في بريطانيا سوى في السبعينيات. وفي الوقت الحاضر، مع تهديد تغير المناخ لنبتة الشاي، يصعب على العديد من عشاق هذا المشروب تخيل الحياة من دونه. لذلك، أثار تقرير منظمة "كريستيان إيد" الذي يتوقّع انخفاض إنتاج الشاي بنسبة 39 في المائة بحلول عام 2050، قلق البريطانيين وتحدّثت عنه وسائل الإعلام المختلفة في البلاد.

وتبرز الحماسة البريطانية للشاي مع استمرار لعب الشركات البريطانية دورًا رائدًا في تجارة الشاي العالمية اليوم، حيث تهيمن العلامات التجارية البريطانية على السوق العالمية.

تاريخياً، ازداد الاستهلاك السنوي للفرد في بريطانيا عام 1902 مع بدء استيراد الشاي من الهند وسيرلانكا بأسعار أرخص، فوصل إلى ما يزيد عن ستّة أرطال، بينما كان عام 1851، عندما كانت جميع أنواع الشاي في بريطانيا تقريبًا تأتي من الصين، يقل عن رطلين للفرد الواحد.

وأصبح الشاي راسخاً كجزء من أسلوب الحياة البريطاني. وتم الاعتراف بذلك رسمياً خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تولت الحكومة استيراد الشاي إلى بريطانيا لضمان استمرار توفر هذا المشروب الأساسي المعزز للروح المعنوية بأسعار في متناول الجميع. وقد أثار الشاي في بريطانيا العديد من النقاشات في القرن الثامن عشر أيضًا، أبرزها يرتبط بما إذا كان مفيداً أم ضارّاً للصحة، بعدما كثُرت الإشاعات حوله في زمن كان الناس يجهلون فيه أن شرب الشاي قد يساعد في الحفاظ على الصحة، وهي معلومات أثبتها البحث العلمي، لكنّها لم تكن متاحة لشاربي الشاي منذ 250 عاماً.

المساهمون