الاتحاد الأوروبي نحو تقييد تصدير تقنيات الرقابة للأنظمة القمعية

17 ابريل 2021
الصورة
تقارير عدة كشفت دور تقنيات أوروبية في التجسس على معارضين عرب (Getty)
+ الخط -

تؤرق مسألة تصدير الدولة الأوروبية وسائل وتقنيات تتيح تتبع ومراقبة المعارضين والناشطين في الأنظمة القمعية، ومنها العربية، المؤسسات والمنظمات الحقوقية وأحزاباً سياسية في أوروبا. 

وتعالت مطالب الوقف التام لتصدير هذه التقنيات، وتحديداً المصنعة منها في أوروبا، بعد قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، داخل  قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية خريف عام 2018. ودفعت بعض الأحزاب بالتعاون بين اليسار (بمن فيهم الخضر) ويسار الوسط (كتلة الاجتماعي الديمقراطي) في اتجاه اتخاذ إجراءات مشددة حول هذا الشأن خلال الصيف المقبل، وخاصة بعد الكشف عن دور التقنيات الأوروبية في قمع ثورات "الربيع العربي"، وفق ما كشف برلماني يساري في بروكسل لـ"العربي الجديد".

وهكذا، بعد 10 سنوات من مساهمة تقنيات أوروبية، ومن بينها دنماركية ــ بريطانية وإيطالية وفرنسية وألمانية، وأخرى إسرائيلية، في قمع احتجاجات "الربيع العربي"، يذهب الأوروبيون إلى تسوية، بعد التصويت الأولي، نهاية الشهر الماضي، على قرار شكّل معضلة للأوروبيين، وفق ما كشفت تقارير أوروبية.

التسوية الجديدة، المتوقع تبنيها رسمياً من "المجلس الأوروبي" خلال الصيف، وتطبق على الفور، ستشمل منع الشركات الخاصة التي تحتاج أصلاً لموافقات أمنية لتصدير تقنيات حساسة على الأقل في الدنمارك، والقطاع العام، من تصدير تكنولوجيا "الاستخدام المزدوج"، إلا بعد إجراء تقييم تشارك فيه المفوضية الأوروبية.

وتفيد المصادر بأنه "رغم أن اليسار في البرلمان الأوروبي، ومعه منظمات حقوقية كثيرة، غير راض تماماً عن المقترح، إلا أنه سيجري دعم ما تقدمت به أكبر الكتل البرلمانية في يسار الوسط (الاجتماعيين الديمقراطيين)".

واعتبر رئيس كتلة يسار الوسط في برلمان أوروبا، الألماني بيرند لانغ، في بيان صحافي صدر أمس الجمعة، أن "تبني التشريع هذا الصيف يعد خرقاً مهماً لربط التجارة بمستوى الالتزام بحقوق الإنسان". وتلك النقطة تثير حفيظة وتردد اليسار، إذ إن الدول الديكتاتورية التي تصدر إليها تقنيات "الاستخدام المزدوج" كثيراً ما تقدم تقارير زائفة بشأن الالتزام بحقوق الإنسان، يشارك في إعدادها ما يسمى بمنظمات حقوقية محلية، وفقاً لمصادر يسارية سمت بلداً عربياً من دون رغبة في الكشف عنه، زاره وفد أوروبي العام الماضي.  

ويبدو أن التسوية ستمنع وصول التكنولوجيا الحساسة لدول، "وتحديداً حيث تمارس عمليات تجسس ومراقبة وتعقب المعارضين وناشطي حقوق الإنسان"، بحسب ما قالت مسؤولة "مجموعة الخضر" في البرلمان الأوروبي، التشيكية ماركيتا غريغوروفا. 

وترى منظمات حقوقية أن "إصلاح القانون سيعبد الطريق لتطبيق سياسات تصدير أكثر صرامة"، كما جاء في بيان مشترك لمنظمات دولية، بينها "منظمة العفو الدولية" و"مراسلون بلا حدود" و"لجنة حماية الصحافيين" و"هيومن رايتس ووتش" و"الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان".

ويعتبر المدافعون عن وقف تصدير معدات وتقنيات أوروبية للدول القمعية أن تبني التشريع خطوة باتجاه مزيد من الشفافية، وإن كانت ليست كما رغبها المطالبون بوقف تام للتصدير. 

وكان الكشف عن استخدام تقنيات أوروبية، صُدرت قبل وبعد "الربيع العربي"، في أنظمة شمولية، قد أثار لسنوات سجالاً حول أدوار الشركات الغربية في مساعدة الأنظمة القمعية. وكانت "وول ستريت جورنال" قد كشفت، في تقرير لها في أغسطس/ آب عام 2011، عن دور الشركة الفرنسية Amesys في مساعدة نظام معمر القذافي (1942 ــ 2011) في ليبيا. وجرى أيضاً التثبت بالوثائق من بيع شركة "غاما" البريطانية برنامج تجسس Finspy إلى نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك (1928 ــ 2020) وإلى السلطات الأمنية في البحرين، بحسب ما سجل تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2013. 

وبينت تقارير عدة منذ عام 2012 قيام أنظمة أمنية عربية باستخدام تقنيات أوروبية لمراقبة الصحافيين والمعارضين وقمع الحريات وتقوية السيطرة على المجتمعات، وهو ما حرك عدداً من البرلمانيين الأوروبيين للضغط على دول القارة الموردة للتقنيات، لوقف تصدير تقنيات "الاستخدام المزدوج".

ومنذ عام 2014، باتت الشركات المصدرة للتقنيات تلك تحتاج موافقات أمنية وسياسية، ورغم ذلك استمر التصدير، وخصوصا من شركات إيطالية مثل Hacking Team، إلى دول مصنفة ديكتاتوريات.

وشدد الاتحاد الأوروبي، في 2016، على أن تعمل الحكومات الوطنية على سد "الثقوب" التي تتيح تصدير تلك التقنيات، وأن يجرى تقييم مدى التزام الدول المستوردة بحقوق الإنسان والقوانين الإنسانية الدولية، حتى اتخذت بعض الدول، من بينها الدنمارك، قرارات جمدت التصدير العسكري إلى المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة في 2019

ومن الواضح أن التشريع الجديد سيجعل إلزامياً على دول الاتحاد الأوروبي تقييم ما إذا كان من الممكن استخدام تكنولوجيا وأدوات "الاستخدام المزدوج" في قمع الحريات، وهو ما واجه قبل سنتين معارضة من بعض الدول التي وجدت في نقاشات منع التصدير "خسائر كبيرة للشركات أمام تقدم منافستها الصينية".

وكانت نقاشات المجلس الأوروبي r] أظهرت، عبر تسريب خاص بصحيفة "إنفورماسيون" قبل سنتين، أن استوكهولم كانت من بين المعترضين على تشديد القوانين. وواجهت الشركة البريطانية ــ الدنماركية BAE Systems Applied Intelligence عاصفة من الانتقادات إثر الكشف عن تزويد الرياض وغيرها بتقنيات مراقبة أدت إلى اعتقال صحافيين ومعارضين وساهمت في ترسيخ قمع الحريات في دول عدة. 

وبين عامي 2015 و2016، أي بعد عام على تشديد القانون نظرياً، أصدرت دول الاتحاد الأوروبي 317 موافقة تصدير لتقنيات المراقبة الرقمية. وبحسب منظمة "فريدوم هاوس"، فإن 17 في المائة من الموافقات كانت نحو دول مصنفة "حرة". 

ومع تبني التشريع الجديد سيتوجب على الدول الأعضاء مشاركة المفوضية الأوروبية المعلومات حول التقنيات والمعدات الخاصة بالمراقبة والوجهة المصدر إليها. ويحتوي نص التشريع على فقرة تترك للدول نفسها تقييم الأمر، وفيه أن "على الدول الأعضاء التفكير بشكل جدي حول مخاطر استخدام التقنيات والوسائل المصدرة في خرق حقوق الإنسان"، وهي فقرة كان البرلمانيون الأوروبيون يريدونها أكثر إلزامية من خلال تقييم معمق عن احتمالية استخدام المعدات في المراقبة وانتهاك الحقوق.

المساهمون