أحمد شوقي... بيت شيّدته الأغاني

20 أكتوبر 2020
الصورة
كتب عدداً من قصائد الرثاء في عددٍ من المطربين (أرشيف)
+ الخط -

كان أمير الشعراء أحمد شوقي بك (1870-1932) مؤمناً بالعلاقة الوطيدة بين الشعر من جهة، والموسيقى والغناء من جهة أخرى، فالثقافة العربية الأصيلة التي انطلق منها وصولاً إلى أن يكون الشاعر الأبرز في العصر الحديث. أعطت للفنون في مخيلته مكانة عظيمة، تلك الثقافة التي يوجد في صفوفها الأولى كتاب "الأغاني" للأصفهاني، والتي حفظت أسماء نجوم العزف والطرب الأوائل، مثل إسحاق الموصلي وزرياب وإبراهيم بن المهدي وعريب وشارية، إلى جوار المبدعين من الشعراء على مر التاريخ.  


تقدير ورثاء   
في عصر شوقي، كان الغناء العربي، إلى جوار الشعر تماماً، يخطو بخطوات واثقة نحو التجديد والانطلاق على أيدي أساتذة الفن وشيوخه مثل عبده الحامولي (1836-1901) وسلامة حجازي (1852-1917) وعبد الحي حلمي (1858-1912) وسيد درويش (1892-1923) وأبو العلا محمد (1884-1927)؛ فعُرف عن شوقي تقديره لهذا الفن ومعاهده وأربابه.  

وقد كتب عدداً من قصائد الرثاء في عددٍ من هؤلاء المطربين الراحلين، فكتب في رثاء "عبده الحامولي" قصيدة مطلعها: "ساجعُ الشَّرقِ طارَ عن أوْكَارِهِ/ وتولَّى فَنٌّ عَلى آثَارِهِ". وفيها: "عَبْدُهُ، بَيْدَ أنْ كُلَّ مُغَنٍّ/ عَبْدُهُ فِي افْتِنَانِهِ وابْتِكَارِهِ". 
 
وله في رِثَاءِ عبد الحيّ حِلمي: "طُوىَ البِسَاطُ وَجَفّتِ الأقْدَاحُ/ وغدتْ عواطلَ بعدكَ الأفْرَاحُ... وانفضّ نادٍ بالشّآمِ وسـامرٌ/ في مصرَ أنتَ هَزارُهُ الصدّاحُ. كما رثى سيد درويش بقصيدة مطلعها: "كُلّ يَومٍ مِهرَجانٌ كَلَّلوا/ فيهِ مَيتاً بِرَياحينَ الثَناء". وفيها يقول: "أَيُّها الدَّرويشُ قُم بُثَّ الجَوى/ وَاشرَحِ الحُبَّ وَناجِ الشُهَداء... اِضرِبِ العودَ تَفُه أَوتارُهُ/ بِالَّذي تَهوى وَتَنطِقُ ما تَشاء... حَرِّكِ النايَ وَنُح في غابِهِ/ وَتَنَفَّس في الثُقوبِ الصُعَداء".

البواكير  
في 2017، أعلنت عائلة الفنان سيد درويش عن العثور في وثائق الفنان الراحل من النوت الموسيقية القديمة على إيصال من الإذاعة المصرية يفيد بأنه سلّم لأرشيفها لحناً بعنوان "بني وطني"، وهو عنوان قصيدة كتبها أمير الشعراء ولحنها سيد درويش.  

وإضافة لدرويش، ووفقاً لكتاب "شوقيات الغناء"، للشاعر أحمد عنتر مصطفى؛ فقد غنَّى المطرب محمد عثمان (1855-1900) نشيداً من تأليف شوقي في حفل بحلوان 1899، كما لحن له الشيخ سلامة حجازي نشيد "الجمعية الخيرية الإسلامية" وأدته فرقة التمثيل في الأوبرا الخديوية عام 1900. وفي تلك المرحلة كان المطرب صالح عبد الحي (1896-1962) مقرباً من شوقي، قبل أن يلتقي أمير الشعراء بمحمد عبد الوهاب (1902-1991) ويقرر رعايته فنيا.  


المرحلة الوهابية
كان اللقاء الأول لمحمد عبد الوهاب بأمير الشعراء وهو طفل صغير، عندما كان يغني في مسرحية حضرها شوقي، وقد هاله أن يرى طفلاً يحترف الغناء فطلب من حكمدار العاصمة أن يمنع هذه المهزلة التي ستقضي على طفولته وصحته وموهبته، وهو ما لم يكن في سلطة الحكمدار، لكنه طلب من الفرقة المسرحية التي يعمل بها شوقي أن تلغي تعاونها مع الطفل. نسي شوقي أمر الطفل المغني حتى سنة 1924، فقد أصبح الطفل شاباً يحيي حفلاً غنائياً في الإسكندريّة بحضور أحمد شوقي، الّذي أُعجب به وطلب لقاءه حيث بدأت العلاقة الوطيدة بينهما، ومنذ ذلك الحين أصبح شوقي أباً روحياً لمحمد عبد الوهاب. لدرجة أنه خصص له مكاناً للإقامة في بيته كي يقرأ فيه ويعزف في هدوء، كما أهَّلَهُ لكي يكون جزءاً من الطبقة الراقية في مصر فأحضر له معلماً للغة الفرنسية، واصطحبه معه في لقاءاته بكبار شخصيات عصره من الأدباء والمفكرين والسياسيين، وكان يرافقه في رحلاته إلى خارج البلاد. ولعبد الوهاب في مذكراته حديث طويل حول أثر أحمد شوقي في شخصيته وألحانه.  

بلغت قصائد شوقي التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب، وفقاً لإحصائية للموسيقار سليم سحاب، 33 قصيدة، منها 17 قصيدة باللغة الفصحى هي: قلب بوادي الحمي، منك يا هاجر دائي، أنا أنطونيو، خدعوها بقولهم حسناء، ردت الروح، يا جارة الوادي، يا ناعما رقدت جفونه، تلفتت ظبية الوادي، يا شراعاً وراء دجلة، علموه كيف يجفو فجفا، شكسبير، سجى الليل، دمشق، مضناك جفاه مرقده، جبل التوباد، السودان، مقادير من جفنيك.
   
أما الأغاني التي ألفها أحمد شوقي باللهجة العامية ليغنيها عبد الوهاب؛ فبلغت 16 أغنية؛ هي: دار البشاير مجلسنا، موال سيد القمر، يا ليلة الوصل، وطن جمالك فؤادي، اللي يحب الجمال، الليل بدموعه جاني، شبكت قلبي يا عين، يا قلبي ما حد قاسي، النبي حبيبك، لك يا زمان العجب، في الليل لما خلي، بلبل حيران، كل اللي حب اتنصف، شجاني نوحك يا بلبل، النيل نجاشي، ليه بس يا عين رجعني للبكا تاني.  

كلثوميات شوقي 
تسعة قصائد هي حصيلة غناء أم كلثوم من تراث أمير الشعراء أحمد شوقي جميعها من ألحان رياض السنباطي، بدأتها أم كلثوم بقصيدة "عيد الدهر" التي غنتها أم كلثوم سنة 1936 بمناسبة تولي الملك فاروق عرش مصر، أي أنها بدأت رحلة الغناء لشوقي بعد وفاته. أما قائمة القصائد الأخرى فتضم: "سلوا كؤوس الطلا" و"سلوا قلبي" و"نهج البردة" و"النيل" و"ولد الهدى" و"إلى عرفات الله" و"بأبي وروحي". وكانت أغنية "السودان" سنة 1954 آخر ما غنت كوكب الشرق من قصائد لأمير الشعراء.  

ومعروفٌ أن عدداً آخر من المطربين غنوا قصائد لأمير الشعراء مثل إبراهيم حمودة وعبد الغني السيد ناظم الغزالي وفيروز.  
يذكر أن مولد أحمد شوقي بك كان في القاهرة في 16 أكتوبر 1868، بينما كان رحيله في 14 أكتوبر 1932 عن عمر 64 سنة. وقد ترك خلفه تراثاً خالداً من الأعمال الشعرية والمسرحية والنثرية. ويكاد يتفق نقاد الأدب العربي على أن هذا التراث من أعظم ما أُلِّف في العصر الحديث.

 

دلالات

المساهمون