آستور بياتسولا... 100 عام على ميلاد قاتل التانغو

11 ابريل 2021
الصورة
اتُّهم بأنّه يؤلّف موسيقى بالغة التعقيد (فرانس برس)
+ الخط -

كانت نصيحة ناديا بولانجيه (Nadia Boulanger: 1887-1979) أستاذة التأليف الموسيقي الأبرز في أوروبا، أوّل القرن الماضي، لتلميذها الطموح القادم إليها في باريس، من جنوب العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، أسفل القارة الأميركية، أن يلتفت إلى "بياتسولا الحقيقي في داخله". قد عنت، هنا، موروثه الموسيقي الشعبي، التانغو، الذي تشرّبه وأجاده عزفاً على الباندونيون؛ وتلك آلة شبيهة بالأكورديون، تصدر الصوت بمنفاخ، إلا أنّ لها أزراراً دقيقة عند مقبض الأصابع، بدلاً من مفاتيح عريضة كالتي للبيانو.   

من وجهة نظر بولانجيه، التي لم تخلُ حينها من حدس وجداني صادق، ذلك خيرٌ له من صرف وقته وجهده إشباعاً لشغفه بتعلّم أسس تأليف الموسيقى الكلاسيكية، كما أرساها لجيله أساطينها الكبار، من باخ وموتزارت، إلى بارتوك وسترافينسكي؛ لكثرة ما سمع ويسمع الموسيقيون الشباب، القادمون من الدول القائمة محل المستعمرات البائدة، آراء مشابهة، فيها تلك النزعة المركزية الغربية المتعالية، التي تختزل فنان الهامش كمندوب ثقافي عن آخرٍ ما، وتُفَصّل حريّته الإبداعية ودافع الفضول التجاوزي لديه، على مقاس هويّة محلية مفروضة ومُفترضة. 

إلا أنّ بولانجيه لم تكن لتدري، أنّ آستور بياتسولا (1921-1992: Astor Piazzolla) الذي احتفل مسقط رأسه بوينس آيرس الشهر الماضي، وسائر عواصم العالم بمئوية مولده، سيذكره التاريخ، لا كاسم التانغو الأشهر فحسب، وإنّما كمُنقذٍ للموسيقى الكلاسيكية العالمية، أو الغربية (كما يشاء الغربيون والمحليّون تسميتها) من أزمة المحافظوية (Conservativism) والجمود المُتحفي، والتخلف عن آذان الجيل الصاعد، وذلك منذ بدأت تُدرج مؤلفاته المفعمة بالحيوية والعصرية ضمن العديد من برامج الأماسي والحفلات الموسيقية على مدى العقود الأربعة الماضية.

بياتسولا، ابن أسرة إيطالية مهاجرة، قضى طفولته في أحياء نيويورك الأميركية، التي لم تكن فيها الباندونيون، تلك الآلة الميكانيكية الحديثة نسبياً، ألمانية المنشأ، معروفة لدى سكانها. لفتتهم موهبته الفطرية، فاستمعوا إليه يعزف في حاراتها وحاناتها إما وحيداً، أو مرافقاً مُغنّي التانغو الشهيرين، والأزواج الراقصين على إيقاعه، إلى أن وقع الأرجنتيني الصغير ذات يوم في غرام الألماني الكبير يوهان سباستيان باخ، أحد آباء الموسيقى الكلاسيكية المؤسسين، زمان القرن السادس عشر، حين كان يسترق السمع إلى جاره، أستاذ البيانو الهنغاري، وهو يتمرن على عزف مقطوعاته، والذي أصبح، في ما بعد، أستاذه الأول.

تلك المشارب مجتمعة، في مظاهر الحياة الكوزموبوليتية في مدينة نيويورك، والدراسة النظرية للموسيقى الكلاسيكية العالمية، ثم التأثر والتأثير بموروث التانغو الأرجنتيني، الذي هو بالأصل والتصميم بوتقةُ صهرٍ موسيقية راقصة شاملة للأناقة الشمال أوروبية، وأوزان الفلامنكو الأندلسية الناريّة والشمس الجنوب - الأميركية الساطعة، جعلت من بياتسولا قادراً على تجاوز مثنوية المتن والهامش، الأنا والآخر، الغربي والغرائبي (Exotic)، ليصنع له بذلك هوية موسيقية فردية جامعة للتصنيفات، وعابرة لها في آنٍ واحد.        

لذا، تراه من جهة، يُدخل على التانغو وسائل الكتابة الموسيقية الكلاسيكية، كتطبيق الألحان بعضها فوق بعض، وتقابل الأنغام، أو ما يعرف بالكونتربوان، ثم يوزّع الأصوات على الآلات المختلفة، مُستخدماً التوزيع اللوني كما بلوره مؤلفو القرن العشرين، مثل بارتوك ورافيل وسترافنسكي، ومن ثم التوصل، عبر التعاون مع أعضاء الفرق الموسيقية، إلى ابتكار حلول أدائية لا تكتفي بمحاكاة التانغو، باعتباره فلكلورا، وإنّما تجعل منه جنساً حداثياً ينطق بلغة موسيقية عالمية.

من الجهة المقابلة، يُعيد بياتسولا إنتاج التانغو بنيوياً على صعيد كلٍّ من الشكل والمضمون، ليُصبح عنصراً في عمل موسيقي آلي ذي طبيعة سردية لا يستمدها من الكلمات أو الخطوات، بل من التأليف والتطوير، عصريّ المفردات، حيوي الطاقة، حامٍ سواءً بنبضه الإيقاعي القائم على الضربات المرتدة (Syncope) أو بانسياب جمله اللحنية الحارة والحادة، تبرق أضواءً حمراء بنيّة، وزرقاء كُحلية، تُحيل المستمع إلى مناخات التانغو الشاعرية بطقوسه وشخوصه، بمشهدية صوتية أقرب إلى التجريد التعبيري منها إلى التحديد "السياحي"، وإلى الترميز الشعري، منها إلى التنميط الثقافي.  

كما هي حال التاريخ دائماً بإزاء الشخصيات التجاوزية (Transcendental)، سواءً كانت ثورية وفكرية، أم أدبية وفنية، فإنّ الحاضر، في أغلب الأحيان، يهملها وينكرها، والمستقبل، في بعض الأحيان، يكرمها وينصفها. أول من بدأ برجم بياتسولا أبناء مدينته بوينس آيرس: "هذا الذي يكتبه ويؤديه آستور بياتسولا ليس بتانغو" أخذت الصحف الأرجنتينية تعنون هجائياتها، والمارة بشوارع المدينة تشتم وتصيح إن صادفته يمشي على الرصيف. في حادثة ذات صلة، روتها أرملته، رفض أحد سائقي التاكسي أن يُقلّه بسيارته، مُتهماً إياه بأنه "قاتلُ التانغو". 

لاحقته التهمة بذريعة أنّ موسيقاه بالغة التعقيد، لا تصلح للرقص، بل إنها تُفسده. كما أنّه، من خلال أسلوبه الذي صار يُعرف لاحقاً بـ "التانغو الجديد" (Tango Nuovo) قد لوّث أصالة الفن القديم بإقحام وسائل تلحين وتوزيع دخيلة عليه، وشوّه منظره بآلات أجنبية حديثة كالساكسفون والغيتار الكهربائي. أما في الجوهر، فعلّة الرفض تكمن في أنّ بياتسولا، لم يكتفِ بتلك الإضافات الشكلية، وإنّما أعاد الكتابة، ليصير التانغو مادةً في صناعة هوية فنية فردية، نابعةً من سيرته الذاتية، وليس محض تمثيلٍ للهوية المحلية الجمعية، كما كان، على مدى قرنين من الزمان.

على القطب الآخر من المثنوية الثقافية، وجدت أوساط الموسيقى الكلاسيكية، خصوصاً الجيل الصاعد من المؤلفين والمؤدين أيام الثمانينيّات، كعازف الكمان الليتواني غيدون كريمر (Gidon kremer) والتشيلّو يو يو ما (Yo Yo Ma) في موسيقى بياتسولا وصفة تسويقية سحرية، ستُحيي برامج الموسيقى الكلاسيكية وتُثريها من خلال بثها روحاً جديدة فريدة.

من خلال طرح أعماله كما هي، أو إعادة توزيعها، استثمرت النخبة الكلاسيكية لون التانغو والجاز في الألحان العذبة ذات الائتلافات الهارمونية المعقدة والحساسة، لتستجيب لها الأذن المثقفة، المهذّبة والمدرّبة وتتفاعل معها، أداءً واستماعاً.

بأثر رجعي، يبدو آستور بياتسولا اليوم، كما لو أنّه انتصر على كلتا الجبهتين، فها هي بوينس آيرس تحتفل بابنها "قاتل التانغو"، باعتباره أيقونة قومية. أما دور الأوبرا والمسارح العالمية، من كبيرها إلى صغيرها، فتكاد لا تخلو من حين لآخر، من إحدى مقطوعاته. قد عمل آستور الشاب بنصيحة الأستاذة بولانجيه، وظل مديناً لها أبداً. قد عمل من تلك النصيحة وصفة إبداعية لا غربية ولا غرائبية، بل موسيقى شخصية، إنسانية، عالمية، عابرة للهوية والثقافة، تجاوزية، خارقة لجدار الزمن.

المساهمون