"زوج تحت الإقامة الجبرية"... حلم ذكوري تحققه الدراما

19 ابريل 2021
الصورة
نادين الراسي وهشام حداد من المسلسل (يوتيوب)
+ الخط -

يعيش العالم بأكمله ظرفاً استثنائياً منذ انتشرت جائحة كورونا العام الماضي، ومن الطبيعي أن يؤثر هذا الحدث على الفنانين والكتّاب، لنرى انعكاسات الإجراءات الوقائية المشددة التي عطلّت عجلة الحياة في الدراما هذه السنة. وكان الحديث عن فيروس كورونا وتأثيراته حاضراً في العديد من المسلسلات العربية على مدار العام، مثل: الجزء الثاني من "المنصة" و"الشك". وفي الموسم الرمضاني الحالي تم بناء بعض الحكايات بالاستناد إلى هذا الظرف، منها مسلسل "زوج تحت الإقامة الجبرية"؛ الذي من الممكن وصفه بأنه أسوأ استثمار درامي لظرف الحجر الصحي، إذ إنّ هذا الظرف لم يخلق لدى مخيلة الكاتبين فؤاد يمّين وزهير قنوع (مخرج العمل) سوى حكاية هزلية، هدفها الوحيد هو تحقير النساء وطرح موضوع تعدد الزوجات بشكل سطحي وسخيف كأنّه تلبية لأحلام ذكورية مكبوتة. 

متابعة الحلقات الأربع الأولى تكفي لاكتشاف أنّ المسلسل ليس سوى تجسد لخيالات ورغبات الرجل الشرقي، بأن يكون محاطاً بعدد كبير من النساء اللواتي يتنافسن في ما بينهن لإرضائه وإسعاده مهما كان ثمن ذلك. يبدأ العمل بزواج "يوسف" (زياد برجي) من "جوري" (هبة نور)، من دون علم زوجته الأولى "ماغي" (نادين الراسي)، فيكلّف "يوسف" أخاه "عاصي" (هشام حداد) بمهمة إخبارها وإقناعها بالأمر. 

هذا الظرف تنجم عنه مجموعة من المشاهد، التي تجمع بشكل حرفي الأفكار كافة التي حاولت الحركات النسوية محاربتها والتوعية ضدها منذ سنوات؛ فالجميع يحاول إقناع الزوجة الأولى بأنّ الزواج من امرأة أخرى هو أمر طبيعي وعليها أن تتقبله، وتنهال العبارات الواعظة على رأسها كالسيل، والتي يمكن تلخيصها بجملة تعاد وتكرر بالمسلسل: "المرأة الصالحة هي التي تحاول الحفاظ على زوجها وإرضاءه بأيّ طريقة". وفي الحوارات التي تغيب عنها الزوجة الأولى تبرر باقي الشخصيات الزواج الثاني وتحمّل الزوجة الأولى المسؤولية كاملةً، ليشيروا إلى أنّها امرأة نكدية وكثيرة التطلب، ويتفق الجميع على أنّ العروس الجديدة تفوق ضرتها القديمة جمالاً. نتيجةً لذلك، ترضخ ماغي بسهولة وتتقبل الأمر برحابة صدر وترضى بأن تعيش مع ضرتها في المنزل نفسه بناءً على رغبة زوجها.

قضية تعدد الزوجات قديمة قدم الدراما العربية، فهي بدأت مع مسرح يعقوب صنوع، ولم تغب عن الدراما العربية طوال قرن ونصف. لكنّ المشكلة في "زوج تحت الإقامة الجبرية" هي الزاوية التي يجرى تناول القضية من خلالها؛ فهو لا يطرح موضوع تعدد الزوجات كمشكلة تعاني منها النساء اليوم، إنّما يطرح المشكلة على النحو الآتي: كيف سيتزوج الرجل امرأة أخرى في ظروف الحجر الصحي؟ وقبل أن نصحو من صدمة البداية المهينة للمرأة، يقرر "يوسف" الزواج مرة ثالثة، ويعلّل ذلك بأنّ عليه الالتزام بالإرث العائلي لأجداده، الذين كانوا يتزوجون أربع نساء أو أكثر، وأنّه يخشى من ظرف الحجر الصحي بأن يحول دون ذلك، وأن يضطر للعيش مع زوجتيه اللتين تتحالفان لمنع زواجه للمرة الثالثة. وبذلك يتركنا المسلسل مصدومات كنساء في عام 2021، فهل من المعقول أن نشاهد دراما كهذه بعد كلّ الجهود التي بذلتها الحركات النسوية!؟  

بالإضافة للآراء الفظيعة التي يتداولها المسلسل عن تعدد الزوجات، فإنّه يستخدم أيضاً التحرش الجنسي كوسيلة لخلق الكوميديا، ويتعامل مع هذا الموضوع كنكتة أيضاً. ففي أحد المشاهد، نرى الناطور صافي (محمد خير الجراح) يتقرب من صدر إحدى الممثلات ويمعن النظر ويغازلها بنكتة جنسية، فتردّ عليه الفتاة بابتسامة. والمشكلة في هذه المشاهد أنّها تكرس لدى الشباب أفكاراً من قبيل أنّ هذا الشكل من التحرش يجعلهم يبدون محبوبين أكثر من قبل النساء. وبالرجوع إلى أرشيف هشام حداد الإعلامي، الذي يلعب شخصية رئيسية بالعمل، نرى أنّ أغلب النكات التي كان يستخدمها في برامجه مبنية على تحقير جسد المرأة، وفي بعض الأحيان يهين هشام ضيفاته النساء، فهو يتعامل مع التحرش الجنسي كميزة للمرأة تفقدها مع تقدمها في السنّ، كما تبيّن في إحدى حلقات برنامجه "راحت علينا" الذي استضاف خلاله فيفي عبده. وذلك يؤكد بأنّ هذا الفكر الذكوري الرخيص الذي يعكسه المسلسل لا تقف حدوده بين شارتي العمل، بل يمتد إلى خارجه. 

المساهمون