قطار بـ23 مليار دولار

27 يناير 2021
الصورة
المصريون يتظاهرون ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي بسبب غلاء المعيشة
+ الخط -

في أيامه الأخيرة، وقبل خروجه من البيت الأبيض، أقر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حزمة إنعاش للاقتصاد، قدرت قيمتها بنحو تسعمائة مليار دولار.

ورغم محاولاته كسب تعاطف المواطنين، بطلبه زيادة المدفوعات النقدية المقدمة للأميركيين من 600 إلى 2000 دولار، رفض حزبه الجمهوري زيادة المبلغ، بسبب ارتفاع عجز الموازنة لمستويات غير مسبوقة.

بعدها بأسبوع، وقبل دخوله للبيت الأبيض، أعلن الرئيس المنتخب حديثاً جو بايدن عما سمّاه حزمة إغاثة وإنعاش، بقيمة تقدر بنحو 1.9 تريليون دولار، تمثل أكثر من ضعف حزمة ترامب الأخيرة، وأكثر من ضعف حزمة الرئيس الأسبق باراك أوباما عند دخوله البيت الأبيض في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2009، شملت إضافة المليارات إلى المبالغ الموجهة لحكومات الولايات، وهو ما كان يرفضه ترامب وحزبه. 

من الطبيعي أن تكون لكل رئيس، ولكل حزب في السلطة، أولويات إنفاق مختلفة. فالسلطة التنفيذية، رئيساً كانت أو حكومة، تقترح برنامجها للإنفاق، سواء كان ذلك ضمن الموازنة العامة للدولة، أو عند تخصيص مبالغ استثنائية لمواجهة ظروف طارئة، وتوضح أسباب تقديم تلك الأولويات وتأجيل غيرها، ليتم التصويت عليها من الجهات التشريعية المنتخبة، ويقوم الإعلام بدوره بعرض كل تفاصيل تلك العملية أمام الرأي العام، قبل التنفيذ.
لا تكتفي الحكومات والنظم التي تحترم مواطنيها في الألفية الثالثة في أي مكان في العالم بمطالبة المواطنين بالثقة في قراراتها، وتَجَنب طرح الأسئلة، وإن كان تاريخها ناصع البياض وحافلا بالإنجازات. فماذا عساه يكون الأمر مع أنظمة لم تنجح إلا في زيادة عدد من يعيشون تحت خط الفقر، وزيادة الدين العام، ومضاعفة الدين الخارجي، لتضطر في نهاية الأمر إلى التنازل عن جزر كانت تقع ضمن سيادتها، ثم تتجه لبيع العشرات من الشركات التي تمتلكها. 
قبل أسبوعين، أعلنت الحكومة المصرية توقيع مذكرة تفاهم مع شركة سيمنز الألمانية، لتنفيذ خط قطار فائق السرعة، يربط بين مدينة العين السخنة على البحر الأحمر ومدينة العلمين على الساحل الشمالي للبلاد، مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة التي يجري إنشاؤها في شرق القاهرة، بكلفة تصل إلى 23 مليار دولار (360 مليار جنيه بسعر صرف اليوم).
اتفقت الحكومة المصرية على المشروع بهذه الكلفة رغم أنها في سبتمبر/ ايلول الماضي أعلنت فوز تحالف مصري صيني، يضم بالإضافة إلى إحدى الشركات الصينية الهيئة العربية للتصنيع، بالمناقصة نفسها بكلفة تقدر بنحو 9 مليارات دولار فقط. لم تقدم الحكومة المصرية أي تفسير لزيادة الكلفة، ولم نعرف كيف انتقلت شركة سيمنز من التحالف الخاسر وقتها إلى التحالف الفائز بالصفقة حالياً، وطلب الرئيس من شعبه "المزيد من الثقة في حكومته". 

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ذكرني طلب الرئيس من الشعب الثقة في حكومته بـ"عملية" سابقة قامت من خلالها الحكومة المصرية بجمع ما يقرب من خمسة وستين مليار جنيه من الشعب، لتحولها إلى أكثر من ثمانية مليارات دولار بأسعار صرف وقتها، لحفر ما أطلق عليه قناة السويس الجديدة، واعدةً المصريين بزيادة إيرادات القناة بتلك الخطوة من 5 مليارات دولار إلى ما يقرب من مائة مليار دولار سنوياً.

وبعد مرور سنوات على افتتاح القناة الجديدة، وبقاء الإيرادات عند مستوياتها نفسها خلال تلك السنوات، لم يجد رئيس الجمهورية مفراً من الإقرار بأن السبب الحقيقي للتوجه نحو المشروع كان الرغبة في جمع المصريين على مشروع قومي ضخم، متجاهلاً أثره السلبي على زيادة عجز الموازنة المصرية، وتحميلها بأعباء خدمة الدين، بالإضافة إلى سحب ما يقرب من 8 مليارات دولار من احتياطي النقد الأجنبي بالبلاد، كانت تمثل وقتها نحو 50% منه، وهو ما تسبب في نهاية الأمر في الاضطرار إلى تعويم العملة المصرية وفقدان الملايين لنسبة كبيرة من قيمة مدخراتهم كما تراجع القوة الشرائية لمداخيلهم.
أعلنت الحكومة الاتفاق على المشروع بكلفة 23 مليار دولار، تمثل أكثر من نصف احتياطي البلاد من النقد الأجنبي، إلا أنها لم توضح من أين سيتم تمويل هذا المبلغ الضخم الذي لم أسمع بأي مشروع مصري آخر اقترب من كلفته، اللهم إلا مشروع الضبعة النووي، الذي قيل قبل سنوات إن كلفته تصل إلى 22 مليار دولار، ولا يعرف أحد ما الذي تم فيه حتى الآن. 
وفي حين امتنعت الحكومة عن ذكر مصادر التمويل، قالت الشركة الألمانية التي ستنفذ المشروع إن الحكومة ستقترض من الخارج لتمويل الصفقة، رغم ما تعانيه البلاد حالياً من ارتفاع المديونية بعد اتفاقها، العام الماضي، على اقتراض ما يقرب من 17 مليار دولار.

وفي حين تظهر بيانات وزارة المالية المصرية ارتفاع الدين الخارجي خلال الاثني عشر شهراً المنتهية بنهاية يونيو/ حزيران الماضي بأكثر من 14 مليار دولار، وصولاً إلى 123 مليار دولار، تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن البلاد تعاني من عجز في حسابها الجاري يراوح بين 15 – 20 مليار دولار كل عام، تضاف إلى ما تنوي الحكومة اقتراضه بالعملة الأجنبية اعتباراً من العام الحالي بسبب مشروع القطار. 

لن أشير إلى رفض الحكومة ذاتها تخصيص 10 مليارات جنيه لتحديث كامل شبكة خطوط السكك الحديدية المتهالكة في البلاد بزعم ارتفاع الكلفة (أقل من 3% من كلفة القطار الجديد)، ولا إلى العدد الهائل من المدارس والمستشفيات وشبكات الصرف الصحي التي يمكن إنشاؤها بمبلغ الـ23 مليار دولار، فكما أقررت، لكل حكومة أولوياتها.

لكن التعامل مع البشر يختلف عن التعامل مع الدجاج في الحظيرة، فالأخير تُلقى إليه فضلات الطعام، ولا يسمح له بمناقشة أي شيء، أما البشر فينبغي أن يسمح لهم بالمشاركة، بصورة مباشرة أو من خلال من يَنتخبون، في مناقشة أوجه صرف الحكومة، وفرض الأولويات، ولا يكون جزاء من يؤدي وظيفته من هؤلاء المنتَخَبين أن يتم تحويله إلى لجنة القيم، كما حدث مع أحد طالبي الإحاطة في مجلس النواب الجديد.

المساهمون