في الولايات المتحدة... الكل يعوّل على البنك المركزي

في الولايات المتحدة... الكل يعوّل على البنك المركزي

08 يوليو 2021
الهدوء يرتكز على الثقة بمجلس الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جيروم باول (Getty)
+ الخط -

في الولايات المتحدة، وبعد ما يقرب من 6 أشهر من وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، يبدو كل شيء هادئاً، سواء في واشنطن، حيث مقر صندوق النقد والبنك الدوليين، أو في نيويورك حيث يقع حي "وول ستريت" الشهير، إلا أنه بدا واضحاً في الفترة الأخيرة أن كل هذا الهدوء يرتكز على الثقة في مؤسسة ضخمة، هي مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي)، ورئيسه جيروم باول.

وفي "وول ستريت"، ورغم المخاوف من ارتفاع معدل التضخم، وما قد يتطلبه من رفع معدلات الفائدة، يتعامل المستثمرون في سوق الأسهم والسندات كأن لا شيء يقلقهم بعد تطمينات "المركزي"، حيث سجل مؤشر "ستاندرد أند بورز500" مستويات قياسية في الآونة الأخيرة، لتتجاوز إنجازاته إلـ34 مستوى قياسياً جديداً منذ بداية العام الحالي.

ولم يخذل مؤشر "ناسداك" الراغبين في شركات قطاع التكنولوجيا شديد الحساسية لتغيرات معدلات الفائدة، حيث سجل في اليوم نفسه المستوى القياسي الرقم 18 الذي يسجله المؤشر منذ بداية العام.

بدوره، لم يتخلف مؤشر "داو جونز" الصناعي هذه المرة عن ركب الأرقام القياسية، حيث سجل مستوى قياسياً جديداً للمرة الأولى منذ مايو/ أيار الماضي، ليصل عدد المستويات القياسية التي سجلها منذ بداية العام الحالي إلى 23.

وفي حين لعبت بيانات الوظائف القوية الصادرة يوم الجمعة الماضي، والتي جاءت أفضل كثيراً من التوقعات، دوراً واضحاً في ارتفاع مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية، بعد تأكيدها استعادة الاقتصاد الأميركي لانتعاشه بمعدلات صحية، إلا أن سيطرة البنك الفيدرالي وسياساته على الأسواق كانت واضحة، وهو ما ظهر في ثقة المستثمرين في كل ما يفعله البنك المركزي الأكبر في العالم. 

وواصل رئيس البنك الفيدرالي تصدر الصفوف لطمأنة المستثمرين حول العالم بعد ارتفاع معدل التضخم الأميركي لأعلى مستوياته منذ عام 2008 ووصوله إلى 5.4%، مؤكداً أن هذه الارتفاعات ستكون مؤقتة، وأن نمو الاقتصاد الأكبر في العالم سيتسارع خلال الشهور المفضية إلى نهاية العام.

ولم يدعم البنك الفيدرالي سوق الأسهم وحدها، حيث شهدت سوق سندات الخزانة ارتفاعات متقاربة في القوة، بعدما استمرت معدلات العائد عليها في الانخفاض خلال الشهور الأربعة الأخيرة تقريباً.

وترتفع قيمة السندات كلما انخفض العائد، وهو ما حدث أخيراً، مؤكداً ثقة مستثمري السندات أيضاً في سياسات البنك الفيدرالي وقدرته على التأثير في الأسواق. 

وفي مقال حديث له، تساءل جون ميسون، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "نيو فاينانس" المتخصصة في التمويل، عما إذا كان مستقبل الاقتصاد الأميركي سيسير في الاتجاه الذي يتوقعه باول ورفاقه، مؤكداً أنه "لا يثق الجميع في صورة مستقبل الاقتصاد التي يروج لها البنك الفيدرالي بالدرجة نفسها التي يثق بها صانعو السياسة النقدية".  

ولا يخلو الأمر من رافضي سياسات البنك بالتأكيد، حيث ما زال الاقتصادي المصري - الأميركي الشهير محمد العريان، رئيس كلية "كوينز" في جامعة "كامبريدج" العريقة، مصراً على خلافه مع سياسات مسؤوليه "الصبورة"، وربما الخاطئة، محذراً، في أعقاب تصريحات رئيس البنك الأخيرة، من الندم مستقبلاً على التأخر في رفع معدلات الفائدة أو إيقاف برامج التيسير الكمي التي بدأها وقت احتدام أزمة انتشار فيروس كورونا في الربع الأول من العام الماضي.

ولا يقتصر التعويل على سياسات البنك الفيدرالي على مستثمري الأسهم والسندات، حيث طالب صندوق النقد الدولي بنك الاحتياط الفيدرالي بالبدء في رفع معدلات الفائدة على أمواله قبيل نهاية العام القادم، 2022، أو أوائل عام 2023، مع الإبطاء التدريجي لبرامج التيسير الكمي خلال النصف الأول من العام القادم، حمايةً للاقتصاد العالمي. 

وفي تصريح غير معتاد، وخوفاً من التأثيرات السلبية لارتفاع معدل التضخم الأميركي بعد تريليونات الدولارات التي تم ضخها على مدار الخمسة عشر شهراً الأخيرة، قال باحثون من الصندوق، في بيان نُشر الخميس الماضي على موقعه على الإنترنت، في أعقاب انتهاء مهام ما يعرف بالمادة الرابعة في الولايات المتحدة، إن البنك الفيدرالي سيبدأ على الأرجح في الإيقاف التدريجي لعمليات شراء السندات، التي اشترى بمقتضاها ما بلغت قيمته 120 مليار دولار شهرياً من سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري منذ ظهور فيروس كوفيد-19 وانتشاره في الأراضي الأميركية، خلال فترة لا تتجاوز سنة.

ومع إشادته بالجهود التي بذلتها الإدارة الأميركية وبنك الاحتياط الفيدرالي، والتي تسببت في الإسراع بإنتاج وتوزيع الأمصال المضادة للفيروس، وإنهاء حصول أكثر من نصف السكان الذين تنطبق عليهم الشروط على جرعتين منها قبل انتصاف شهر يونيو/ حزيران الماضي، اعتبر الصندوق أن الولايات المتحدة وضعت الوباء تحت السيطرة. وفي ضوء التطورات الإيجابية التي رصدها، توقع صندوق النقد تسجيل الولايات المتحدة معدل نمو في حدود 7% خلال العام الحالي، ليكون أعلى معدل يتم تسجيله منذ عام 1984، ومعدل نمو 5% خلال العام القادم.

وفي نهاية اجتماعاته، منتصف الشهر الماضي، والتي ثبت فيها معدلات الفائدة على أمواله عند نطاق 0% - 0.25%، أظهر البنك الفيدرالي ميلاً لعدم رفع الفائدة قبل نهاية العام القادم، دعماً لانتعاش الاقتصاد وحتى يعود معدل البطالة لمستويات ما قبل أزمة الوباء.

وقال رئيس البنك إن معدل التضخم الحالي المرتفع في الولايات المتحدة هو مجرد "مرحلة مؤقتة سببتها اضطرابات سلاسل الإمداد"، مشيراً إلى أنه ما زال في حدود توقعات البنك. 

المساهمون