روسيا تعود لاتفاق تصدير الحبوب مع أوكرانيا... والأرجنتين تُخيف الأسواق

03 نوفمبر 2022
أسعار القمح تراجعت عالمياً بعد عودة روسيا لاتفاق تصدير الحبوب (Getty)
+ الخط -

ما أن تنفست الدول المستوردة للغذاء الصعداء مع إعلان روسيا استئناف مشاركتها في اتفاق تصدير الحبوب مع أوكرانيا، ما يعيد الهدوء إلى جبهة أكثر إزعاجاً لأسواق الحبوب العالمية، حتى توترت جبهة أخرى لا تقل أهمية عن أوكرانيا على صعيد صادرات القمح وهي الأرجنبين، التي تتجه نحو كبح صادراتها بعدما أضرت موجة جفاف كبيرة بالمحصول، ما يثير مخاوف دولية بشأن ارتباك الإمدادات.

وتظهر أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، حول أكبر مصدري القمح في العالم خلال موسم التصدير الحالي 2022/ 2023، أن الأرجنتين تأتي في الترتيب الخامس عالمياً لتسبق أوكرانيا بصادرات تصل إلى 14 مليون طن، بينما حلت أوكرانيا في الترتيب السادس بصادرات متوقعة تبلغ 10 ملايين طن متأثرة بظروف الحرب، بينما سجلت في الموسم الماضي 2021ـ2022 نحو 19 مليون طن.

البلدان العربية على موعد جديد مع التوتر

وتبدو الدول المستوردة للقمح وفي مقدمتها العديد من البلدان العربية على موعد جديد مع التوتر في سوق الغذاء العالمي، بسبب الجفاف وحجب الصادرات الذي لا يتعلق بالأرجنتين وحدها وإنما بدول أخرى تأتي في قائمة أكبر الدول المصدرة للحبوب.

وأمس الأربعاء، أعلنت روسيا استئناف مشاركتها فى الاتفاق المتعلّق بتصدير الحبوب الأوكرانية بعد تلقي "ضمانات خطية" من أوكرانيا حول نزع السلاح في الممر المستخدم لعبور الحبوب، وفق ما ذكرت وزارة الدفاع الروسية عبر "تليغرام"، مشيرة إلى أن "روسيا تعتبر أن الضمانات التي تلقتها حتى الآن تبدو كافية وتستأنف تنفيذ الاتفاق".

وتزامن الإعلان الروسي عن استئناف المشاركة في الاتفاق، مع تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ترعي بلده الاتفاق بالتعاون مع الأمم المتحد، قال فيها خلال كلمة في البرلمان، أمس، إن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أبلغ نظيره التركي خلوصي أكار بأن الاتفاق سيستأنف اليوم (الأربعاء).

وكانت مصادر من حزب "العدالة والتنمية" الحاكم قد أكدت، لـ"العربي الجديد"، يوم الثلاثاء الماضي، نجاح أنقرة في إقناع موسكو بالعدول عن قرار تعليق المشاركة في الاتفاق. وكانت روسيا قد علقت مشاركتها في الاتفاق، يوم السبت الماضي، قائلة إنها لا تستطيع ضمان سلامة السفن المدنية التي تعبر البحر الأسود بسبب هجوم على أسطولها هناك.

والاتفاق مهم لتخفيف أزمة الإمدادات العالمية من الحبوب والسيطرة على تكاليف الغذاء العالمية التي تهدد العديد من الأنظمة الحاكمة باضطرابات سياسية. وما أن علقت روسيا مشاركتها في الاتفاق حتى ارتفعت أسعار عقود القمح الآجلة بنسبة تقترب من 8%، يوم الاثنين الماضي. كما ارتفعت أسعار الذرة الشامية بنسبة 3% تقريباً.

لكن الأسعار عاودت التراجع، أمس، إذ انخفضت عقود القمح الآجلة في مجلس شيكاغو للتجارة بنسبة 6% إلى 8.47 دولارات وثلاثة أرباع سنت للبوشل (يعادل 27.2 كيلوغراماً)، لتمحو مكاسب تلك العقود في اليومين اللذين أعقبا إعلان روسيا تعليق مشاركتها في الاتفاق.

كما اقتفت الذرة أثر انخفاض القمح وتراجعت 2.3% إلى 6.81 دولارات وثلاثة أرباع سنت للبوشل، بينما تراجع فول الصويا واحدا بالمئة إلى 14.33 دولارا ونصف سنت للبوشل. وتراجعت أيضا أسعار القمح في أوروبا، حيث هبطت عقود ديسمبر/ كانون الأول 4% مسجلة 343.5 يورو للطن.

تحركات لاحتواء بوادر أزمة غذائية

وكان خبر انسحاب روسيا من الاتفاق، مطلع الأسبوع الجاري، قد هز دول العالم، وجرت تحركات دولية مشتركة لاحتواء بوادر أزمة غذائية دولية ضخمة تطاول الدول الكبرى التي كانت، بحسب التأكيدات الروسية، الأكثر استفادة من شحنات الحبوب الخارجة من الموانئ الأوكرانية.

وسمح الاتفاق الذي أبرم في يوليو/ تموز، بتصدير ملايين أطنان الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية منذ بدء النزاع في فبراير/ شباط. وتسبب هذا الحصار في ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، مثيراً مخاوف من حدوث مجاعة.

وفي أعقاب الإعلان الروسي عن استئناف المشاركة في اتفاق تصدير الحبوب، قال منسق الأمم المتحدة للاتفاق أمير عبد الله إنه يتوقع أن تغادر السفن المحملة الموانئ الأوكرانية، الخميس. وكتب عبد الله على "تويتر"، أمس : "ينبغي أن تستمر صادرات الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا".

وحسب البيانات الرسمية التي أعلنت عنها الحكومة الأوكرانية، فقد شحنت أوكرانيا أكثر من 9 ملايين طن من الحبوب والمواد الغذائية الأخرى منذ بدء الاتفاق. وتمكن الاتفاق من خفض أسعار الذرة الشامية والقمح من أعلى مستوياتها في وقت سابق من العام.

وتعد موانئ البحر الأسود من أهم الموانئ التي تصدر من خلالها الحبوب العالمية، إذ تمدّ روسيا وأوكرانيا العالم بأكثر من ربع صادرات القمح والشعير والذرة الشامية وزيت عباد الشمس.

كما تعول الأسواق على الاتفاق لتخفيف تداعيات مباشرة على الإنتاج العالمي من الحبوب، ناتجة عن الجفاف وحظر بعض الدول التصدير لمواجهة احتياجاتها المحلية، فضلا عن الاضطراب المتوقع في إمدادات الأسمدة التي تعتمد عليها المزارع في التخصيب وزيادة إنتاج المحاصيل.

ومن المنتظر أن تعلن الحكومة الأرجنتينية، خلال أيام، عن إجراءات تسمح لمصدري القمح بتأخير تسليم الشحنات المتفق عليها، وذلك بعدما أضرت موجة جفاف كبيرة بالمحصول، ما يزيد المخاوف العالمية بشأن الإمدادات.

وقال مصدر في رابطة مصدري الحبوب الأرجنتينية، وفق وكالة رويترز، أمس، إنه سيتم الإعلان عن إجراءات "في الأيام المقبلة" تسمح للشركات بإعادة جدولة صادرات القمح المتعاقد عليها دون أن تقع تحت طائلة الغرامة الاعتيادية التي تفرضها السلطات بنسبة 15%.

تأخير شحنات القمح

كما ذكر مصدر حكومي لديه معرفة مباشرة بالأمر أن تدابير السماح بتأخير شحنات القمح "محتملة". وهذه التعليقات هي أقوى إشارة حتى الآن إلى أن الأرجنتين، أحد أكبر مصدري القمح في العالم، ستسعى لتأجيل صادرات القمح وسط موجة جفاف تنذر بأسوأ حصاد في نحو عقد.

ومن شأن هذه الخطوة أن تؤدي لمزيد من الارتفاع في الأسعار العالمية بعدما ضرب الجفاف المزارعين في الولايات المتحدة وأعاق الغزو الروسي لأوكرانيا الشحنات. وكانت الحكومة الأرجنتينية قد اجتمعت مع المطاحن وشركات تصدير القمح في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لمناقشة المخاوف بشأن المحصول المتضرر من الجفاف، وذلك في ظل تنامي الضغط من جانب المطاحن للإبقاء على إمدادات أكبر للسوق المحلية.

وخفضت بورصة روزاريو للحبوب توقعاتها لمحصول القمح الأرجنتيني في موسم 2022-2023 إلى 13.7 مليون طن، وهو ما سيكون أقل مستوى للمحصول في البلاد منذ سبع سنوات وأقل كثيراً من مستوى 23 مليون طن الذي تحقق في 2021-2022.

وتأتي صدمة الأرجنتين بعدما حظرت الهند قبل نحو ستة أشهر تصدير القمح حفاظا على احتياجاتها المحلية من السلعة الرئيسية، ما يزيد من مأزق الدول المستوردة لا سيما في المنطقة العربية على وجه الخصوص، والتي تواجه صعوبات بالغة سواء في فتح منافذ مع الموردين البدلاء أو توفير العملات الصعبة لسداد الفواتير المتصاعدة بسبب انهيار عملاتها المحلية أمام الدولار الأميركي الجامح بفعل مواصلة الولايات المتحدة رفع أسعار الفائدة.

ونهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حذر البنك الدولي من مخاطر انخفاض قيمة عملات معظم الدول النامية، باعتبارها تفاقم أزمة أسعار الغذاء والطاقة في العالم، مشيراً إلى أن غلاء السلع الأولية قد يطيل أمد الضغوط التضخمية.

وبخلاف انعكاس أسعار الدولار على استيراد السلع الغذائية مباشرة، فإنّ لقوة العملة الأميركية تأثيراً غير مباشر حتى على الدول التي تنتج الغذاء محلياً، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة التي تُعَدّ من مستلزمات الإنتاج الزراعي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

قفزة أخرى للأسعار العالمية

يقول نائب رئيس البنك الدولي لشؤون النمو المنصف والتمويل والمؤسسات بابلو سافيدرا: "رغم أنّ أسعار كثير من السلع الأولية قد تراجعت عن مستويات ذروتها (بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا)، فإنها لا تزال مرتفعة بالمقارنة بمتوسطاتها خلال السنوات الخمس الماضية، وإذا حدثت قفزة أخرى للأسعار العالمية للمواد الغذائية، فإنّها قد تطيل أمد تحديات انعدام الأمن الغذائي في مختلف البلدان النامية".

وحذر صندوق النقد الدولي أخيراً من كارثة غذائية لا تقل خطورة عن الكارثة الغذائية التي ضربت العالم في عامي 2007 و2008. وتأتي مصر في صدارة الدول العربية والعالمية المتضررة من ارتباك إمدادات القمح العالمية، إذ تستورد نحو 12.1 مليون طن سنوياً، تليها إندونيسيا بـ10.4 ملايين طن، ثم تركيا 8.1 ملايين طن، والجزائر 7.7 ملاين طن، بنغلاديش 7.2 ملايين طن ونيجيريا 6.6 ملايين طن.