العدالة الضريبية في سورية الأسد

10 يناير 2021
الصورة
سنوات الحرب أنهكت الأنشطة الاقتصادية المختلفة (فرانس برس)
+ الخط -

قلما تأتي آثار التهرب الضريبي في سورية وربما بدول العالم الثالث برمتها، على البنية الأخلاقية للمجتمع، ففي حين يفقد المتهرّب بالدول المتقدمة "شرفه وسمعته ومصداقيته" يوصف متهربو الضرائب عندنا بـ"الشطار" بل يتغنى بعضهم بفهلويته وتشغيله موظفي التكليف والتحصيل بوزارة المال، موظفي حسابات في شركاته، ويبرر بأن "السارق من السارق كالوارث عن أبيه".

بيد أن تلك القناعات الرائجة، لها أسبابها بلا شك، منها عدم العدالة في فرض الضريبة ونسبها، ورؤية كبار القوم وأباطرة المال يتهربون من سدادها، وكذلك عدم انعكاس الاقتطاع الضريبي على المكلف وأعماله، الأمر الذي يعتبره المكلفون مبرراً لتهربهم وكتم أو تزييف أعمالهم ونشاطهم والإعلان عن أموالهم وحجم دورانها.

لا نبرر جريمة التهرب، بقدر ما نحاول المواءمة بين طرفي المعادلة، فالصناعيون والتجار في سورية، يمتلكون كل مبررات التهرب، لاسيما أن الضرائب المفروضة أقرب للإتاوة. فهل يؤمن نظام بشار الأسد، البنية القانونية والحماية للمنشآت والأعمال، ليستحق نظيرها نسباً من الأرباح أو الدخول، أم أن "شبيحة الأسد" أنفسهم، من يسرق المنشآت ويعيقون تطبيق القوانين ويستأثرون بالأعمال ذات دورة رأس المال السريع والتي تدر أرباحاً؟

هل تدعم حكومة الأسد الصناعيين وتموّل العمليات التجارية، كي تستحق الضرائب، أم تراها أوقفت تمويل الاستيراد ودعم الصادرات، وفرضت على الصناعيين، كل أسباب خسائرهم، إثر رفع أسعار مدخلات الإنتاج، من الطاقة ومواد أولية؟

وهل ثمة نشاطات اقتصادية في سورية أصلاً، بعد عشر سنوات من حرب الأسد على الثورة وتطلعات الشعب، عدا الذي تمارسه عصابة الأسد وبعض الفتات المتروك لمن أعلن الولاء والبقاء في بيئة الحرب ومناخ الظلم؟

وما إن كشف أكاديمي سوري أخيراً، أن حجم التهرب الضريبي يبلغ 2000 مليار ليرة، وهو تقريباً يوازي حجم الدعم للسلع الذي أعلنته الحكومة بموازنة العام الحالي، بل ويمكن لحجم التهرب أن يزيد الرواتب والأجور بنسبة 100%، حتى تنبهت وزارة مالية النظام السوري للأمر، لتعلن عن تشكيل لجنة جديدة لدراسة النظام الضريبي ومراجعة التشريعات الضريبية، واقتراح التعديلات للسياسة الضريبية المتبعة.

وهدف اللجنة، كما أعلن نظام الأسد، هو الانطلاق من الدخل ومصادره لإعادة دراسة النظام الضريبي السوري بشكل كامل، والعمل على تحقيق العدالة الضريبية، ومكافحة التهرب وتحقيق الإيراد المناسب لعمليات الإنفاق، بعد مراجعة التشريعات وكل ما يتعلق بتحسين كفاءة النظام الضريبي.

ولم تتطرق اللجنة إلى إفلاس نظام الأسد، بعد تحوّل أهم موردين للخزينة العامة، النفط والمؤسسات الاقتصادية، إلى خاسر ومستنزف، كما أخفت سبب هذه الخطوة وتوقيتها، والتي تساهم بالترويج لنظام الأسد قبيل الانتخابات الرئاسية التي ستعلن في إبريل/نيسان المقبل.

حتما التهرب الضريبي يؤدي لنقص في موارد الدولة وبالتالي إضعاف قدرتها على القيام بواجباتها المختلفة، على صعيد الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات والاستثمار، بل ودفعها للبحث عن مصادر مالية أخرى، ربما بمقدمتها الانسحاب من الدعم ورفع الأسعار على المستهلكين.

ومن عواقب التهرب الضريبي أيضا، أنه يكرّس نشر الفساد والاستقواء على القوانين، ويخل بالعدالة ما يضعف العقد الاجتماعي ويكرس التفاوت بالدخول، فيزيد من نسبة الفقراء ويسرّع بتلاشي الطبقة الوسطى بالمجتمع.

لكن، من الإنصاف الإشارة إلى أسباب التهرب بدولة مثل سورية، منها قدم التشريعات وعدم عدالتها، أو غياب جهازي الاستعلام ومكافحة التهرب، والأهم بأغلب الظن، أن المكلف لا يرى انعكاس دفعه المستحقات الضريبية على عمله وأمنه وفرص زيادة أمواله، في حين يرى أن استثمارات الأسد المستأثرة بأهم القطاعات، سواء الصريحة أو عبر وجوه وواجهات مزيفة، خارجة على القانون ودفاتر الاستعلام.

فالقصة على نحو الواقع وما يبدو عليه، ليست بتشكيل لجنة والترويج أن سورية بخير، لأن العلة بعدم ثقة وغياب الشفافية في دولة ترى مواطنيها رعايا وتجارها وصناعيها مجرد مكلفين.

المساهمون