الجنيه المصري والسندات الأميركية

07 ابريل 2021
الصورة
عجز الميزان التجاري وراء تراجع قيمة الجنيه المصري (Getty)
+ الخط -

لم يمر يوم خلال الأسبوعين الماضيين دون أن أستقبل رسالة واحدة على الأقل، تسألني عن حقيقة ما تردد في الفترة الأخيرة عن قيام الحكومة المصرية – مرة أخرى – بتعويم الجنيه، وعن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه سعره مقابل الدولار في حالة حدوث ذلك التعويم.

أتفهم الحالة التي يمر بها من يحصل على راتبه، ومن ثم يحتفظ بالنسبة الكبرى من مدخراته واستثماراته، بالجنيه، خاصة بعد خبرة التعويم الأخير، الذي شهدناه في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2016، والذي فقد الجنيه خلال أشهر قليلة بعد حدوثه أكثر من 60% من قيمته، وترتبت عليه خسائر ضخمة لملايين المصريين، بالإضافة إلى انخفاض مستوى معيشة نسبة كبيرة منهم، ممن لم يتمكنوا من الحصول على تعويض لما فقدوه من قوة شرائية لرواتبهم.

والحقيقة أن الحديث عن تعرض الجنيه المصري لضغوط أمام الدولار ليس وليد الأيام الأخيرة، وإنما هو ظاهرة مزمنة، لم نسلم منها إلا لأشهر معدودة خلال السبعين سنة الأخيرة، وخلاف ذلك كان اتجاه الجنيه واحداً، وبقي الاختلاف في السرعة التي يتهاوى بها. وللتوضيح، فإن العامل الأكثر تحكماً في السرعة كان وسيظل هو درجة إحكام قبضة البنك المركزي عليه، وإن ادعوا تعويماً.

ويعد عجز الميزان التجاري السبب الأهم لاستمرار التراجع في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، حيث يتجاوز 35 مليار دولار سنوياً في المتوسط، بخلاف ما يخص الجهات السيادية التي لا يعرف أحد شيئاً عن مالياتها. وتحاول مصر تغطية العجز من خلال إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج، بالإضافة إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أن الأخيرة تكاد تكون منعدمة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما اعترفت به مؤخراً الحكومة المصرية.

ولا تنجح عادة إيرادات السياحة وقناة السويس، وتحويلات المصريين على ارتفاعها في الوفاء بما يتطلبه سد العجز التجاري، حيث تكون هناك مصروفات أخرى بالعملة الأجنبية يتعين على الحكومة سدادها، وأهمها فوائد الدين الخارجي، التي لن تقل العام الحالي عن 10 مليارات دولار. والنتيجة الحتمية هي وجود عجز في الحساب الجاري لا يقل عن 15 مليار دولار، وهي تقريباً القيمة التي ارتفع بها الدين الخارجي المصري في كل عام من الأعوام الثلاثة الأخيرة على الأقل.

لم يترك البنك المركزي الجنيه ليضعف مقابل الدولار ،كما كان متوقعاً مع وجود هذا العجز، وإنما استمر في دعمه، بل وتقويته في كثير من الأحيان، مستعيناً بما يتم اقتراضه لسد الفجوة بين المعروض من الدولار والمطلوب منه، ومتجاهلاً حقيقة أن ذلك التصرف لا يحل المشكلة، وإنما يؤدي لترحيلها لوقت لاحق، حين يأتي موعد سداد ما يتم اقتراضه، ولا يتوفر مُقرض جديد نقترض منه.

يحاول البنك المركزي المصري كسب الوقت بهذه الطريقة، التي يخدع بها نفسه قبل الآخرين، أملاً في تحسن أرقام الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة للبلاد، أو ارتفاع إيرادات السياحة أو قناة السويس، أو حتى إسقاط جزء من الديون كما حدث في عصر مبارك. لكن لسوء الحظ، جاء الوباء العام الماضي، فزاد من حجم الفجوة، بعد أن تراجعت إيرادات السياحة بصورة كبيرة، وبالتالي زادت الضغوط على الجنيه.

موقف
التحديثات الحية

وخلال الربع الأول من العام، أضافت التغيرات في السوق العالمية ضغوطاً جديدة على الجنيه المصري، حين بدأت عوائد سندات الخزانة الأميركية في الارتفاع، حيث قفز العائد على ذات العشر سنوات من 0.6% إلى أكثر من 1.75%، مع وجود توقعات بتجاوزه 2% قبل منتصف العام الحالي، وربما 3% مع نهايته.

ورغم تصور الكثيرين أن معدلات العائد على السندات الأميركية لا علاقة لها بقيمة الجنيه المصري، يتسبب ارتفاع هذا العائد في تضييق الفارق بين سعر الفائدة على الجنيه المصري، ممثلاً في عوائد أذون الخزانة المصرية بالعملة المحلية، ونظيره على الدولار الأميركي، ممثلاً في السندات، وهو ما تسبب تاريخياً في نزوح مليارات الدولارات من الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية، ونظيرتها في الاقتصادات الناشئة والنامية، لو لم تبادر تلك الاقتصادات برفع معدلات الفائدة لديها.

ونشرت وكالة بلومبيرغ خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي تقريراً حديثاً، أشارت فيه إلى توقعها تعرض الاقتصادات الناشئة لضغوط كبيرة خلال الفترة المقبلة، بعد أن تسببت بيانات الوظائف التي صدرت عن وزارة العمل الأميركية يوم الجمعة الماضي في تزايد التوقعات بإمكانية تحرك بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي لرفع معدلات الفائدة على أمواله أقرب مما أعلن من قبل، وأقرب مما توقع أغلب أعضاء مجلس إدارته.

وأشار التقرير إلى أن رفع الفائدة على السندات "منعدمة المخاطر" التي تصدرها الحكومة في الاقتصاد الأكبر في العالم سيتسبب في هروب المزيد من الأموال من الأسواق الناشئة، مؤكداً أن إدارات الأبحاث في بنوك كبرى، مثل مورغان ستانلي وسيتي بنك، توقعت تعرض عملات الأسواق الناشئة لضعف واضح أمام الدولار خلال الفترة القادمة.

وأشار التقرير إلى عملات تركيا وروسيا والهند، متجاهلاً العملة المصرية لأن الاقتصاد المصري لا يعد من الاقتصادات الناشئة حتى الآن، إلا أن الحقيقة أن مصر ربما تسبق تلك الدول في هذه الأزمة، وذلك بسبب الاعتماد الكبير على الأموال الساخنة في السنوات الأخيرة، وهو ما يهدد استقرار عملتها عند انسحاب جزء من تلك الأموال نتيجة لانكماش فارق الفائدة بين الجنيه والدولار.

لكن هذا لا يعني أن العملة المصرية سيتم تعويمها مرة أخرى، لأن البنك المركزي المصري، الذي اعتاد على الحلول الظاهرية، سيعمد إلى الإبقاء على فارق الفائدة عند مستوى 10%، أي أنه سيضطر لرفع الفائدة على الجنيه، وربما يلجأ لتخفيض تدريجي لقيمة الجنيه أمام الدولار، بنسبة لا تتجاوز 10% في العام، حتى يقنع المواطن أن احتفاظه بالعملة المحلية يضمن له تحقيق عائد إيجابي مقارنة بالدولار، إلا أن هذا سيكون، للأسف، على حساب استمرار الارتفاع "المرعب" في الدين الخارجي.

المساهمون