الانهيار الاقتصادي في لبنان يهدد معاشات المتقاعدين

الانهيار الاقتصادي في لبنان يهدد معاشات المتقاعدين

29 مارس 2021
الصورة
بات جزء من المتقاعدين يعتمد على المساعدات (فرانس برس)
+ الخط -

بعدما جمع ثروة من عمله لعقود في الخارج، عاد سمير مرعي إلى بيروت قبل عقد من الزمن طامحاً بتقاعد مريح وحياة رغيدة، من دون أن يضع في حسبانه أنّ أزمة اقتصادية ستضع جنى عمره في مهب الريح وتدفعه للهجرة مجدداً.

في فندق صغير في محلة الحمرا، يتحدّث مرعي (72 عاماً)، بإسهاب عن استثماره لأربعة عقود في مجالي البناء وصناعة الأزياء بين دول الخليج وبريطانيا. 

لكن "ملايين الدولارات" التي استثمرها بعد عودته إلى لبنان في قطاع العقارات أو ادّخرها في المصارف، باتت رهينة قيود مصرفية مشددة، ولم يعد بإمكانه التصرّف بها.

ويقول الرجل، الذي ارتدى بزة رسمية مع ربطة عنق، وهو في بهو الفندق: "أنا مضطر للبدء من جديد، من الصفر، حتى أؤمن آخرتي".

قبل دقائق من سفره إلى الولايات المتحدة، حيث يعيش أفراد من عائلته، وقرب حقائب موضبة، يوضح "ما من خيار آخر أمامي". ويضيف بانفعال "ليعيدوا لي أموالي فلا أغادر إلى الولايات المتحدة.. ماذا سأفعل هناك؟ لا أود أن أموت هناك".

ويشهد لبنان منذ خريف العام 2019 شحاً في السيولة وأزمة اقتصادية لم تبق أي شريحة بمنأى عن تداعياتها. إذ ترافقت مع قيود مصرفية مشددة طاولت خصوصاً عمليات السحب بالدولار. 

وأسفر الانهيار المتمادي عن فقدان الليرة، الشهر الحالي، أكثر من 90% من قيمتها مقابل الدولار في السوق السوداء، قبل أن تتحسّن قليلاً.

على غرار عشرات آلاف اللبنانيين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، يحمّل مرعي الطبقة السياسية مسؤولية ما آل إليه الوضع الاقتصادي، ويتهم المسؤولين بأنهم "فاسدون من رأسهم إلى أخمص قدميهم".

وبمرارة شديدة، يقول إنه وجميع اللبنانيين وجدوا أنفسهم بين ليلة وأخرى ضحايا "أكبر عملية احتيال في التاريخ"، مضيفاً "ليلعنهم الله جميعاً من دون استثناء".

وإذا كانت ظروف هذا الرجل السبعيني تخوّله فتح صفحة جديدة في بلد آخر، فإنّ الغالبية الساحقة من المتقاعدين في لبنان ليس لديهم ترف إيجاد خيار بديل، ومن لم يُحتجز تعويضه في المصرف أو فقد قيمته، رأى راتبه التقاعدي يتبدد تدريجياً أمام عينيه.

"اتكالي على الله"
بعد 32 عاماً قضاها في السلك الأمني، يجد جان عساف (80 عاماً)، نفسه يعيش كل يوم بيومه، بعدما انخفض راتبه التقاعدي عملياً من 1400 دولار إلى نحو 180 دولاراً.

ويقول من داخل منزله المتواضع في منطقة مار مخايل، التي حوّلها انفجار المرفأ المجاور، الصيف الماضي، إلى منطقة منكوبة: "كنت أتمنى بعد هذا العمل أن أتمكن من أن أعيش حياة كريمة".

يقلّب عساف ألبوم صور قديمة، يظهر في إحداها مرتدياً الزي الرسمي لقوى الأمن الداخلي. وفي خضمّ الأزمة التي أدت إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، يحاول اليوم تدبّر أموره وتوفير احتياجاته وزوجته، ويوضح "وفق مدخولي سأعيش".

وفيما يكافح أولاده الخمسة لتأمين قوت عائلاتهم، يقول "اتكالي على الله حتى نرى كيف ستمرّ هذه السنوات المتبقية لنا".

على غرار عسّاف، تضرّر أكثر من 108 آلاف موظف متقاعد من القطاع العام جراء الانهيار الاقتصادي وتدهور سعر الليرة. 

وبحسب بيانات وزارة المالية، يبلغ المعدل الوسطي للراتب التقاعدي 2.2 مليون ليرة؛ أي ما يعادل نحو 170 دولاراً وفق سعر الصرف في السوق السوداء.

وبات عدد كبير من السكان يعتمدون على مساعدات تقدّمها منظمات دولية وجمعيات محلية، بينها جمعية "غراسروتس"، التي تستقبل في خيمة تابعة لها في منطقة مار مخايل عشرات الأشخاص يومياً.

ومن بين هؤلاء أديب (69 عاماً)، وهو متقاعد من قوى الأمن الداخلي، بات راتبه بالكاد يعادل مئة دولار، بينما أحد ابنيه مهندس عاطل من العمل منذ عامين.

ويقول الرجل بحسرة "كنت من الطبقة الوسطى وأصبحت اليوم ما دون الطبقة الفقيرة".

وساهمت الأزمة في رفع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 55%، وهو ما أدى، وفق محللين، الى اضمحلال الطبقة الوسطى.

صدقة وخجل
وبدأت الجمعية إثر انفجار المرفأ، الذي أودى بحياة أكثر من مئتي شخص وشرّد عشرات الآلاف من منازلهم المتضررة، بتقديم المساعدات من ثياب ومواد غذائية ووجبة حساء يومياً.

لكن من يطلبون المساعدة اليوم ليسوا فقط من المتضررين نتيجة الانفجار. وتوضح مديرة الجمعية ميسا منصور أنّ "المتقاعدين خصوصاً" هم الذين أتوا بحثاً عن مساعدة خلال الأشهر القليلة الماضية.

وبينما يتوقّف عابرون أمام الخيمة مترددين في الدخول، تقول منصور "يشعرون بالخجل، فهم أناس لم يطلبوا في حياتهم صدقة من أحد".

في منطقة قريطم الراقية في بيروت، تعيش سارة (68 عاماً)، مع زوجها فؤاد عمار (76 عاماً)، وهما مدرّسان متقاعدان، انخفض إجمالي دخلهما الشهري من أكثر من ستة آلاف دولار قبل نحو عامين إلى 600 دولار حالياً.

ورغم أنهما قادران على تأمين معيشتهما، لكن ما عملا وخططا له طويلاً لم يتحقق.
وتقول سارة "ما زال وضعنا مقبولاً مقارنة مع غيرنا، لكنه لا يشبه على الإطلاق ما كنا نأمله في نهاية حياتنا".

ودفع الانهيار الذي لم تنجح القوى السياسية في وضع حد له، وعدم تشكيل حكومة منذ الصيف الماضي جراء الانقسامات الحادة والمحاصصة، اثنين من أولادهما الثلاثة إلى الهجرة بحثاً عن بداية جديدة.

ولعل أكثر ما يثير غضب فؤاد هو "أننا لم نخسر أولادنا فحسب بل أيضاً أحفادنا، بعدما وصلنا إلى عمر نريدهم قربنا وأن نلهو معهم".

(فرانس برس)

المساهمون