الأزمة المالية تعتصر الأسواق العراقية... الركود يطاول الاستهلاك

25 نوفمبر 2020
الصورة
تراجع القدرات الشرائية للمواطنين في ظل أزمة السيولة النقدية (فرانس برس)
+ الخط -

يسيطر ركود غير مسبوق على الأسواق العراقية، ليطاول استهلاك المواطنين من السلع بعد أن بدأ بقطاعات العقارات والسيارات والمنتجات الترفيهية، بسبب أزمة مالية حادة تشهدها البلاد على أثر نقص السيولة النقدية، في ظل تراجع عائدات النفط وجائحة فيروس كورونا الجديد، وعدم قدرة الحكومة على دفع مرتبات الموظفين في موعدها من كل شهر.

ومثلت أزمة تأخير الرواتب واحدة من أخطر الأزمات التي واجهها العراق أخيرا، والتي تسببت بإحراج للحكومة التي لم تستطع تأمينها إلا من خلال قانون يسمح لها بالاقتراض أقره البرلمان في وقت سابق من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بعد خلافات بين القوى السياسية.

إلا أن خطوة الاقتراض تبدو غير مجدية في تدبير السيولة المالية اللازمة، في حال استمرت أزمة الموارد المالية خاصة مع إرهاصات دخول العالم والمنطقة العربية في موجة جديدة من الإغلاقات بسبب تفشي فيروس كورونا، انتظاراً لطرح لقاحات من قبل شركات أدوية عالمية لكبح الوباء.

ووفقا لرجل الأعمال العراقي البارز علي الصالح، فإن حركة التبادل التجاري والتبضع داخل الأسواق تراجعت لأكثر من 50% مما كانت عليه في النصف الأول من العام الجاري، مؤكدا في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الإقبال على التبضع اقتصر على الحاجات الأساسية كالغذاء والدواء.

وأضاف الصالح أن" إقبال المواطنين على شراء الأجهزة المنزلية والأثاث والملابس وكذلك العقارات والسيارات انخفض بشكل كبير جداً بسبب ضعف السيولة النقدية نتيجة لتأخر رواتب الموظفين لأكثر من شهر وصرفها في غير موعدها وهو ما دفع معظم العائلات العراقية إلى تقليل حجم الإنفاق خوفاً من المجهول".

وبحسب المواطن فراس محمد فإن" الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق أثرت بشكل حاد على نفقاتي الخاصة وكثير من العراقيين، لا سيما أن الرواتب بدأ يتأخر تسليمها عن موعدها المحدد، وهو ما جعل معظم العراقيين يفكرون في تأجيل بعض مشاريعهم كالزواج أو بناء منازل أو شراء عقارات أو سيارات".

وأضاف محمد أن "الراتب الشهري لمعظم الموظفين في القطاعين العام والخاص لا يسد احتياجات عوائلهم، بل إنها لا تكفيهم إلى نهاية الشهر ناهيك عن أصحاب الأجر اليومي وهم الشريحة الأكثر تضرراً من هذه الأزمة".

وعزا خبراء اقتصاد حالة الركود في الأسواق إلى شح السيولة النقدية، بالإضافة إلى عامل نفسي يتمثل في الخشية من المستقبل في ظل تداعيات الجائحة وتردي الظروف الاقتصادية.

وقال أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني لـ"العربي الجديد" إن "ما يعيشه العراق اليوم مختلف تماماً عن أحوالهم في السنوات السابقة بسبب تراكم الأزمات التي أضيفت إلى الصعوبات السابقة وخصوصاً أزمة كورونا وانهيار أسعار النفط مع انخفاض الطلب العالمي فضلا عن العجز الكبير في الموازنة".

وأضاف المشهداني " نتوقع أن تطول أزمة ركود الأسواق في ظل عجز الحكومة وغياب الحلول الناجعة الكفيلة بإنعاش الاقتصاد". وتابع أن" موازنة 2021 ستكون الأصعب على العراق، لا سيما أن اقتصاد الدولة غير محصن بسبب اعتماده بنسبة 94% على النفط".

وأكد  المشهداني أن مشكلة تأخر رواتب الموظفين ساهمت بشكل مباشر في ركود الأسواق وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، مبيناً أن "أكثر من 8 ملايين شخص يتقاضون رواتب من الدولة، وهي شريحة تُعتبر المحرك الأساسي للطلب في السوق المحلية، تأثروا بشكل كبير نتيجة لتأخر رواتبهم قبل صرفها منذ نحو يومين".

وقال إن" السوق المحلية تنفست قليلا بعد صرف الرواتب، لكن هذا الحال لن يستمر ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة ركوداً أكبر، لا سيما وأن أغلب الموظفين وأصحاب الدخل اليومي والأجراء اليوميين (العاملين بأجر يومي) استنزفوا مدخراتهم المالية ومن الصعوبة صمود هذه الشريحة كثيراً مع زيادة تحديات الحياة اليومية للفرد".

والعراق، ثاني أكبر منتج للنفط الخام بمنظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" بعد السعودية، بمتوسط يومي 4.6 ملايين برميل في الظروف الطبيعية، حيث يعتمد على هذا الإنتاج لتوفير أكثر من 90% من إيراداته.

وتظهر أرقام حكومية حاجة البلاد لنحو 5 مليارات دولار شهرياً لدفع مرتبات الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي شبكة الرعاية الاجتماعية البالغ عددهم أكثر من 10 ملايين شخص، بالوقت الذي لا تتجاوز فيه إيرادات العراق من النفط حاجز الـ 3.4 مليارات دولار، وهو ما يجعله بحاجة إلى الاقتراض لتأمين الموازنة التشغيلية وسط توقعات بأزمة أكثر حدة العام المقبل بحال استمرار أسعار النفط على هذا المستوى.

وقال عضو غرفة التجارة العراقية في محافظة صلاح الدين، مهند القيسي، إنه " في حال استمرار الوضع الحالي من ضعف في السيولة النقدية وخلو الأسواق من المتبضعين بشكل شبه تام، فإن العراق مقبل على ركود اقتصادي ربما يكون الأسوأ في تاريخه".

المساهمون