أزمة ندرة الأرز تتفاقم في مصر: لا حلّ أمنياً

15 نوفمبر 2022
الإجراءات الحكومية كبّدت المزارعين خسائر باهظة (Getty)
+ الخط -

لم تنته مشكلة القمح المستمرة منذ الصيف الماضي، حتى اندلعت أزمة الأرز في مصر، لتروي حكاية أخرى من قصص الصراع بين الحكومة والتجار، يصبح المواطن فيها هو اللقمة السائغة بين أنياب الطرفين.

أشعلت وزارة التموين الأزمة الجديدة، بإصدار قرار نهاية أغسطس/ آب الماضي، يجبر مزارعي الأرز على توريد طن من الأرز عن كل فدان، بما يزيد عن 25% من إنتاج المحصول. وتبلغ إنتاجية الفدان 3.5 أطنان بالمتوسط، وفقا لإحصاءات وزارة الزراعة.

جاء القرار المباغت للفلاحين مع صدور قرار مواز من وزارة التجارة، يقضي بعدم تصدير الأرز والسلع الغذائية الاستراتيجية للخارج، وفرض تسعيرة جبرية على البيع، حددتها الحكومة بنحو 13 جنيها للمستهلك (الدولار = 24.4 جنيها)، في حين أن تكلفة إنتاجه تصل إلى 15 جنيها في المتوسط. جدد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي قرار حظر التصدير نهاية الشهر الماضي، مع إصراره على بيع الكيلو للجمهور بسعر 13 جنيها على بطاقات التموين و15 جنيها في المحلات كحد أقصى، متجاهلا حقوق المزارعين ومصالح التجار.

استعانت الحكومة بقوات الأمن ومفتشي التموين، لملاحقة بائعي الأرز خارج التسعيرة الرسمية، وهو ما أسفر عن ضبط شرطة التموين 1429 قضية بتهمة حجب السلع الاستراتيجية عن الجمهور، الشهر الماضي، ومن بينها الأرز.

وتقوم الحكومة بمصادرة الأرز وتحرير محاضر للحائزين عليه بدون إثبات سند الشراء والممتنعين عن توريد حصتهم لوزارة التموين.

لم تحصل وزارة التموين على الكمية التي حددتها بنحو 1.5 مليون طن، من مزارع خططت وزارة الزراعة مساحتها بنحو 1.074 مليون فدان العام الحالي، واقتصرت الكمية التي استلمتها الوزارة على 140 ألف طن فقط، منذ بدء موسم التوريد في سبتمبر/أيلول، وأملت أن تستكمل طلبياتها قبل غلق موعد توريد الأرز، منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل.

تسببت الهجمة الرسمية للحكومة في ارتباك الأسواق. فعادة ما تتراجع أسعار الأرز في فترة الحصاد، حيث يتخلص التجار من مخزونهم الراكد، استعدادا لتخزين المحصول الجديد، الذي يبدأ منتصف سبتمبر. أثارت القبضة الأمنية التي اعتمدت الحكومة عليها في السيطرة على الأسواق فزعا لدى المزارعين، الذين يعيشون في محافظات دلتا النيل، وتعتبر الأرز بمثابة المأوى والملاذ الآمن للغذاء يوميا ومصدرا لأعلاف مواشيهم.

رفض الفلاحون الانصياع لقرار توريد الأرز وفضل أغلبهم الاحتفاظ بالإنتاج في منازلهم. ارتفعت أسعار الأزر بالأسواق إلى أكثر من 18 جنيها للكيلو، بينما تصر الحكومة على توريد الأرز من المزارعين بسعر 7 آلاف جنيه للطن، وبيع الطن الأبيض بـ 10 آلاف جنيه.

يتداول المصريون الأرز سرا بسعر يتراوح ما بين 18 إلى 23 جنيها، بعد إضافة تكاليف التشغيل والنقل، والمخاطر التي يتحملها المقامرون بتجارته. وتتهم الحكومة التجار بأنهم تسببوا بالأزمة، وتصفهم بـ"المتاجرين بقوت الشعب واستغلال الأزمات".

وفي اتصال لـ "العربي الجديد" بقيادات شعبة الأرز بالغرف التجارية، أعرب عدد منهم عن أسفهم عن البوح بما لديهم حول أزمة الأرز مع الإعلام، مؤكدين وجود تعليمات عليا خوّلت وزارة التموين حصراً بالتحدث حول المشكلة. وقال مسؤول رفض الإفصاح عن هويته: لن نستطيع الرد على أية اتهامات، فالناس تعلم حقيقة الأزمة، والفلاحون ونحن أكبر المتضررين. وأشار المسؤول إلى لجوء بعض التجار إلى توزيع كميات كبيرة من رصيدهم، من خلال منافذ وزارة التموين والجيش والشرطة وبعض السلاسل التجارية التي تشارك في برنامج الدعم الرئاسي.

ويؤكد المسؤول تحمله وزملاءه أعضاء الغرف التجارية التخلي عن أرباحهم من البيع، لضمان تهدئة الأسواق، ودعم أجهزة الدولة في مواجهة الأزمة، منوها إلى تنازل الموزعين بدورهم عن تحقيق أي ربح من بيع الأرز.

وتخصص محلات الأرز "المدعوم سياسيا" حصة لكل مشتر لا تزيد عن 3 كيلوغرامات لكل أسرة، وبسعر 15 جنيها للكيلو.

ويبدي مزارع في حوار لـ "العربي الجديد" دهشته من إصرار الحكومة على توريد الأرز قسريا، في وقت تخلت فيه عن تقديم أي دعم للمزارعين، وفي حال حصول بعضهم على دعم للسماد، فالأمر لا يتعدى 4 شكاير من الأسمدة، زاد ثمنها بنسبة 100% في موسم الزراعة، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار الأسمدة الحرة ضعف الزيادة الحكومية.

وأشار المزارع نفسه إلى أن تكلفة زراعة الفدان زادت بنسبة 100%، مع زيادة أسعار الوقود والمبيدات والعمالة والنقل، منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، لتصل إلى نحو 8 آلاف جنيه في المتوسط، عدا تكلفة التأجير لغير الحائزين للأراضي.

ويؤكد أن السعر العادل للأرز يجب ألا يقل عن 11 ألف جنيه لطن الشعير و14 ألف جنيه للطن الأبيض، ليصل إلى المستهلك بما بين 18 إلى 23 جنيها، حسب النوعية وطريقة التغليف ومكان التسليم.

وأقر نقيب المزارعين، حسين أبو صدام، في تصريح صحافي، بأن أسعار المبيدات والأسمدة زادت بمعدل 40% في الأسواق، رغم إنتاجها محليا، وتصدير الدولة 35% من طاقة المصانع للخارج، خلال الأشهر الماضية. وذكر أن أغلب المبيدات تستورد من الخارج، وتأثرت بتكاليف الشحن وسعر الدولار، فزادت من معاناة الفلاحين.

في جولة لـ "العربي الجديد" على أسواق القاهرة الكبرى، وهي أكبر سوق لتوزيع الأرز، رصدت وجود نقص حاد في المعروض من الأرز المعبأ، بالمناطق الراقية والمتوسطة، وانتشار السائب بالمناطق الشعبية. "الأرز موجود ولكن بيعه سيظل بعيدا عن عيون الحكومة". هكذا قال أحد صغار الموزعين، منوها إلى استحالة بيع سلعة مطلوبة تأتي للسوق بأقل من سعر تكلفتها على المزارع والتجار.

أقر نقيب المزارعين، حسين أبو صدام، في تصريح صحافي، بأن أسعار المبيدات والأسمدة زادت بمعدل 40% في الأسواق

الأمر لن يُحل بالقوة، ويجب على الحكومة التي رفعت أسعار المكرونة التي تنتجها الشركات العامة والدقيق للمخابز الخاصة ومحلات المعجنات أن تنهي الإجراءات البوليسية في حل مشكلة الأرز، وتحرك السعر إلى رقم مقبول من كافة الأطراف، كما يقول الموزع.

وأشار إلى سكوت الحكومة عن رفع سعر الأرز الهندي والتايلاندي "بسمتي" و"الياسمين" من 25 جنيها في المتوسط إلى 45 و60 جنيها للكيلو، مع ارتفاع سعر الدولار، بينما تريد خفض سعر الأرز المصري عن متوسط سعره السائد العام الماضي، مع تجاهل الزيادة الكبيرة في أسعار كل السلع ومن بينها السلع المقررة على بطاقات التموين المدعمة.

وتشير دراسة لخبير الاقتصاد الزراعي سرحان سليمان إلى انخفاض حجم إنتاج الأرز من 5.8 ملايين فدان عام 2000 إلى 4 ملايين عام 2015. بينما تشير إحصاءات وزارة الزراعة إلى انحسار مساحات زراعة الأرز من 1.5 مليون فدان إلى مليون فدان و74 ألفاً حاليا، بما أدى إلى انخفاض الإنتاج بنسبة 25%.

وتبين دراسات بحثية أن نسبة استهلاك المصريين من الأرز تراجعت بمعدل 7% سنويا بسبب غلاء المعيشة. وتعرقل الحكومة استيراد 300 ألف طن من الأرز الهندي والتايلاندي والصيني، إذ تسببت تلك الإجراءات في المزيد من الضغوط على الأرز المحلي، من المخزون الراكد والمحصول الجديد.