مصطفى أبو لبدة.. بيان مقتل الأشكال القديمة

25 نوفمبر 2020
الصورة
‎⁨مصطفى أبو لبدة في بورتريه لأنس عوض (العربي الجديد)
+ الخط -

تحت عنوان مطوَّل نسبياً، أصدر القاص والشاعر الفلسطيني، مصطفى أبو لبدة، كتاباً عام 1967، طواه النسيان مثلما طوى صاحبه، وكُتبه الأُخرى. جاء هذا الكتاب إثر كارثة حرب حزيران، وكاد يكون مكتوباً تحت تساقط كسفٍ ورجومٍ على رأس الكاتب ومحيطه العربي، حاملاً هذا العنوان اللافت للنظر "كلُّ ما سبق وكُتب أعلاه يمكن الاستغناء عنه إذا حقّق إشارةً واحدةً بسيطةً إلى فعالية البداية من الصفر الواعي".

هذا الكتاب تعرّض إلى نقد بالغ القسوة كتبه حليم بركات على صفحات مجلّة "شعر" (عدد 36، خريف 1967) بعد أن حسبه مجموعة قصص "تخلو من الحادثة والفكرة والموضوع والأشخاص"، ونظر إليه نظرته إلى "مجموعة تراكمات من مشاعر وأفكار عابرة عند رجل تمكّن أن يتخلّص من مراقبة عقله، فنشر غسيل لا وعيه على سطوح الجيران". وتجاهل بركات البيان رقم واحد الذي صدّر به أبو لبدة كتابه، ومرّ عليه مروراً عابراً بسطر واحد لا أكثر، جاء فيه في إشارة إلى البيان "لا شك أنّ الخامس من حزيران هو الحكم بالبطلان على ذهنية ونمط تفكير مارسناه".

والحقيقة أنّ البيان كان الأجدر بالالتفات في إعلانه الصريح والواضح عمّا سمّاه "مقتل الأشكال القديمة"، إيذاناً بخروجه على الأنماط الكتابية الشائعة، والعودة والانطلاق ممّا أطلق عليه تسمية "الصفر الواعي". وهو المنطلق ذاته الذي تابعه أبو لبدة في كتابة ما نشر من نصوص قصصية وشعرية، بعد تخلّيه عن أسلوب في القص تجلّى قبل الخامس من حزيران في مجموعة قصص "الشاي السخن" القصيرة. مثال ذلك النص الذي نشره في العدد 35، صيف 1967، من مجلّة "شعر"، وخرج به على الأنواع الأدبية المعروفة عنوانه "يا ريت زماني لفتحية أحمد" وزجّ فيه عبارات وضعها بين قوسين مأخوذة من إحدى قصائد أُنسي الحاج من ديوانه "ماضي الأيام الآتية". فما الذي عناه هذا الإعلان والخروج على الأنواع وما دوافعه؟

اعتَبر الخامس من حزيران حكماً ببطلان ذهنية ونمط تفكير

الجواب يكمن في البيان رقم واحد الذي أشرنا إليه، وفي بيان رقم اثنين الذي سيتلوه بعد سنتين، وسنأتي على ذكره. تضمّن البيان حيثيات نظرية لفعل الإبداع الأدبي جاءت ولادتها تحديداً في خضمّ الانهيارات التي رافقت الخامس من حزيران، سياسياً وعسكرياً وفكرياً. تقول هذه الحيثيات إنه في ظلّ هذا الانهيار "سقط سقوطاً مؤلماً إيمانٌ ظل يتلقلق. وبسقوط هذا الشكل من الارتباط المائل بيننا وبين الآخرين لم يعد هنالك، في سبيل أن نفزّ بعنف، من قوّة تستطيع أن تُبقي على أيّ من وشائج الولاء للكثير الكثير، ومنه رمائم الأشكال الأدبية والفنية. فالقصيدة القديمة فقدت عناصر هيكلها، بمثل ما تحلّلت القصة والرواية من وحداتها المدرسية".

ويتابع أبو لبدة في بيانه: "... واللغة، إضافة إلى الحدّ الذي يتشكّل من طبيعتها الحرفية المنطوقة، فقد ظلّوا يمتطونها وسيلة حتى أفقدوها قوّة الانفجار، وخصوا فيها القدرة على الإيصال. إذاً، ما يبقى بعد هذا هو مذبحة الأشكال القديمة كباب خلاص أدبي لا تحجره عوائق لغوية أو شكلية أو جزء/ نشاطية".

ويقول عن الذهنيات البائدة وفي وجه اتهاماتها التي لا حدود لها: "... سيرفعون أصابع الاتهام مطعوجة بالخروج والمروق والسوداوية لأنهم لم يروا كيف تسقط النار، والموت يعيث في الكلّ، في لحظة يتعذّر استصراخ الآخرين العاجزين ويموع الدمع، لأنهم لم يسكنوا الخيام ويغرقوا في الوحل، ولم يتسلّموا المؤن في صفوف تحت الشمس وأيديهم ممدودة، ولأنهم لم تتشقّق أشداقهم من طزازيع خبز الشعير فتمنعهم لحظة عن الكلام المرّ المرصوف ليتوجّعوا بصدق".

ميّز بين لغة خامدة وأُخرى تحتفظ بقوّة الانفجار والفعل

ويتابع: "... إنَّ وطأة الدم المذيبة لكلّ الزيف والقشور والقيم المفروضة تمنعنا أن نتطلّع إلى الوراء بشوق ودعة ووضاعة. فطعم بساطير السلف، هنا وأينما كان، نحاول جهدنا أن نستغني عنه ونغنيكم".

وبعد هذا تأتي عملية محو المخطّط النظري؛ فكل ما سبق من حيثيات يمكن أن نستغني عنه إذا توافر الإيمان بإشارة واحدة إلى جدوى التحرك من الصفر الواعي كتشكيل جامد لشخصية أدبية وفنية لنا، سهمية متحرّكة، حادّة ومنفصلة عن مائع خليط معمي التراث والواقع الموروث والمنقول.

ما هو جوهري في هذا البيان منطلقان، الأوّل عام يتعلّق بالمشكل الحضاري والمهمّات النفسية والمادية التي يطرحها على إنسان ما بعد عصور الكوارث، أي الإنسان الذي تخلخلت جذور علاقاته بما حوله. وكثيراً ما يحدث أن يطلق زلزالٌ كل صنوف البلاهة والتفسُّخ من شقوق الحاضر المعبّرة عن خسارة التاريخ، وليس هناك ما هو أكثر جدارةً بهذه المهمّة من الخامس من حزيران، حسب تعبير أبو لبدة. والثاني، خاصّ يتعلّق باللغة. وهنا نجد تمييزاً بين لغة تحتفظ بقوّة الانفجار وقدرة الفعل، ولغة خامدة مخصية لا تملك القدرة على الإيصال.

يتفرّع عن هذا أنَّ هاجس أبولبدة هو اللغة الأولى، اللغة الفعّالة المحتفظة بقوّة الانفجار والإيصال بسبب أجواء الجحيم؛ حيث تتساقط النار ويعيث الموت في الكلّ. وهذه اللغة الفعّالة المقاومة لكلّ تخثُّرات العادة والألفة وسآمة التكرار، هي ما تنفرد بها الطاقة الشعرية بوصفها فعلاً أوّلياً على صعيد كوني، نطقاً وكتابة.

وسنجد في البيان رقم اثنين تفصيلاً أكثر. جاء هذا البيان تقديماً لرواية نشرتها له مجلّة "شعر"، العدد 41، شتاء 1969، تحت عنوان "سكّان المناطق المنخفضة"، ذات مبنى خارج أيضاً عن المعتاد، رواية قصد في بنائها على هذا النحو كما يقول، توظيف الشكل المسرحي، في جزء منه، لخدمة الرواية، ثم جعل الرواية صنيعة الشعر".

جاء في البيان، الذي لا يقلّ أهمية عن البيان الأول: "إذا كان مقتلُ الأشكال القديمة على أرض البداية من الصفر الواعي هو باب الخلاص الأدبي، فإنَّ ما نطمح إليه، نتيجةً لذلك الإيمان، هو تكريس العنف والفداء النقي على مختلف المستويات لدحض السلطة التقليدية باعتبارها مؤسّسة يمينية بالضرورة"، ويتمثّل هذا ضمن ما يتمثّل في "تنمية بؤر من الرفض الدائم، مصفّحة بجدران من الوعي والتطلُّع لفوق".

ولأن "عنصر الزمن في العمل الأدبي هو أداة المؤسّسة العسكرية التي تحمي السلطان، وهو متنفّس الجهازية في البناء الحكومي العادي"، أصبح "تنشيف الزمن في القصّة والرواية والمسرحية هو أحد أوجه الرفض الذي نسعى إليه". ولأن "الشخصية المتكاملة والمواقف المسبقة في العمل الأدبي والظروف المعاشية الأُخرى هي وسائط تركبها الأنظمة، وتُحارب من خلالها الرغبات العنيفة المتجدّدة بإحداث هزّات تصفوية"، أصبحَ "تنشيف الزمن، وتحرير الحاضر من سلطان الماضي.. ومن المواقف المسبقة، ثم تبنّي الفداء النقي كصورة لتحدّي تحالف الوطنية بالمؤسّسة الحكومية، من شأنها جميعاً أن تترك لنا العمل الأدبي الذي نتصوّرُه قائماً على ركائز ثلاث: المكان غير الخاضع للعسكر، الشخص الجديد، والعنف الدامي في ممارسة الإحساسات".

ويُطلق البيان في الختام ما يشبه نبوءة: "يتصوّر بعضهم أنَّ المرحلة القادمة ستشهد حالة تفتُّت كتلوي عامّة، ربما نتجت منها سلسلة محاور سياسية واقتصادية، لكن ما يبدو أكيداً هو أنّ عودة الهدوء في الظروف الحالية، إذا عاد، لن تكون إلّا على أنقاض الأخلاقية والذهنية القديمة التي عاشتها المنطقة... وقد يرافق الخريطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجديدة للمنطقة ارتفاع ملحوظ في مستوى الاستهلاك إلى درجة تتحوّل فيها المجتمعات هنا إلى مرافق استهلاكية شرهة ملساء غبية".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

داعية الصفر الواعي

مصطفى أبو لبدة شاعر وقاصّ وصحافي فلسطيني من مواليد قرية صبّارين، قضاء حيفا المحتلة، عام 1941. هاجمت العصابات الصهيونية قريته في أيار/ مايو عام 1948، فقتلت عدداً كبيراً من سكّانها رمياً بالرصاص، ثم أحرقت النساء والأطفال والعجزة الذين لم يستطيعوا الفرار. من بقي على قيد الحياة، فرّ إلى جِنين، وهناك عاش الشاعر مع عائلته في أحد مخيّمات اللاجئين.

أكمل تعليمه في مدارس "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين"، ثم حصل على منحة دراسية ساعدته على إكمال دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت. بعد تخرُّجه، عمل في الوسط الصحافي مديراً لتحرير صحيفة "السياسة" الكويتية. قضى الشطر الأكبر من حياته في الكويت، ومن هناك واصل كتابة القصّة والشعر ومقالة صحافية يومية باسم "الجهات الأربع"، وساهم في الكتابة لمجلّة "شعر" اللبنانية التي أطلقت أحد اتجاهات الحداثة الشعرية بين العامين 1957 و1969.

له أعمال مطبوعة وأُخرى غير مطبوعة. كتبه المطبوعة هي مجموعة "العنف والشاي السخن" القصصية (1965)، وكتاب "كلُّ ما سبق وكُتب أعلاه يمكن الاستغناء عنه إذا حقّق إشارةً واحدة بسيطة إلى فعالية البداية من الصفر الواعي" (1967)، ومجموعة شعرية بعنوان - لعلّه أطول عنوان كتاب عربي - "هذا مطلع نشيد بعنوان الملاحة الشاقّة في شروش العين- اللجوء لمخزون الذاكرة في معالجة ما ينشأ من تآكل الحلم الملحمي، كانت نكتة رقمية مضحكة عن صعوبة التواصل في فترة ما بعد طلوع الضوء. عندما وقفتُ لألقي ذلك النشيد سقط عقال المرعز عن رأسي فابتأست وتحسّستُ صندوق الذخيرة، حاولتُ عبثاً أن ألقي النشيد بمصاحبة أصوات ضباع الغور وطعم الخرّوب المزّ ولون المياه المخبوطة بحوافر المهرة، توضّأتُ بالدم صليتُ صلاة مودع وخرجتُ مني عليّ" (1980).


* كاتب وناقد من فلسطين

المساهمون