صح النوم

13 نوفمبر 2020
الصورة
فادي يازجي/ سورية
+ الخط -

لستُ من أنصار المطابقة بين المرجع الواقعي والعمل الفني في الرواية والمسرح والسينما والتلفزيون، ويُمكن أن ينتقد العمل من الداخل، من دون إجراء أي مطابقة حرفية، فلا سكان حارة "صح النوم" (وهو مسلسل شهير أُنتج وعُرض في الستينيات من القرن العشرين في التلفزيون السوري وأُعيد عرضه منذ أسبوعين) من سورية ولا هُم من أيّ مكان آخر، بل من بقعة متخيَّلة تماماً، وهي متخيَّلة فعلاً، شاء المؤلّف، وهو هنا نهاد قلعي الذي سوف يمثّل شخصية ستشتهر في ما بعد بغبائها وقلّة حيلتها وطيبة قلبها أيضاً، أن يسمّيها "صح النوم"، وسوف يُطلق على جزء آخرَ من المسلسل اسم "حارة كل مين إيدو إلو".

إذا تجاوزنا مسألة المطابقة، فإنَّ كاتب المسلسل ومخرجَه، والشخصية البطلة التي تقوم بالدور الرئيسي فيه، وهو دريد لحام، أو غوّار الطوشة، ينطلقون من أساس فكري وفلسفي قائم على اعتبار أنَّ "البطل" هو المحتال عديم الشرف. البطل هو الشخص الذي لا تردعه أي قيمة أخلاقية أو فكرية أو اجتماعية عن تنفيذ الخطط والمقالب التي يشتّت بها جهود أهل الحارة، ويدمّر عاداتهم، ويخرّب الصلات الروحية والاجتماعية الموجودة بينهم، أو تلك التي يسعون لبنائها. وعلينا نحن المشاهدين أن نبتسم، أو نضحك ونُسرّ، بتلك المقالب الذكية (وهي ليست ذكية أبداً، بل إنها تتّسم بالغباء وقلّة الموهبة واستغباء المشاهدين أيضاً) التي ينفّذها غوّار الطوشة ضد حسني البورظان، أو ضدّ كل من يقترب من حسني بأي صورة من الصُّوَر.

وأمّا الوجه الثاني لفكرة المسلسل، فهو يقوم على أنَّ أهل الحارة كلّهم، بلا استثناء، من صاحبة الفندق (الأوتيل) إلى العامل في الفندق، إلى بائع الخيار، إلى الفنان النحات، إلى رئيس المخفر والشرطي، جماعةٌ من السذّج، أو الأغبياء، وهذا هو الوصف الحقيقي الذي يُمكن لغوّار الطوشة أن يسخر منهم، بمقالبه، ويضعهم في حيرة من أمر هذه الدنيا.

سكان حارة "صح النوم" ليسوا من سورية ولا هُم من أيّ مكان آخر

واللافت أننا سوف نشهد في إحدى الحلقات أن طبيباً جرّاحاً شهيراً قادماً من البرازيل، يفتتح عيادة في حي مجاور، لا يقلّ سذاجة وغباءً ودروشة عن بقية المجموعة، فيتمكّن غوّار الطوشة، الأُمّيُّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، من خداعه، بأن يزعم أنّ أحد أقاربه يخشى العملية الجراحية، بينما تشي حالته، المشخَّصة في تقرير لشخص آخر، أن الجراحة ضرورية، لاستئصال الزائدة الدودية. الطريف أنّ الجرّاح الشهير يقبل اقتراح غوّار بتخدير المريض في فنجان القهوة، ويُجري العملية لحسني البورظان من دون استشارته، ومن دون أن يكون مصاباً بأي أعراض.

وهكذا فنحن أمام هجائية تتستر بالضحك من كلّ المجتمع الذي يكون حارة "صح النوم". (وهي عبارة محمّلة بمعنيَين: الأوّل أنها اسم محايد لحيّ ما من الأحياء، والثاني أنها تشير إلى الشماتة من المغفَّلين الذين ينتبهون لما يحدث حولهم متأخّرين)، وهي مواقف هزلية لا يمكن استيعابها من الناحية الأخلاقية، إذ أنَّ رسالتها الضمنية تهدف إلى إقناع المشاهد بعدم تأييد المغلوب أو التعاطف معه، أو تضع بينه وبين هذا المغلوب حاجز الضحك والسخرية، بحيث يناصر الفردَ المحتالَ ضدّ "المجتمع الطيّب".


* روائي من سورية

المساهمون