رحيل رياض الريّس: ذاكرة لمغامرات الصحافة والنشر

26 سبتمبر 2020
الصورة
رياض الريّس، من حوار معه في 2017

بفضل مسيرة صحافية نشطة تنقّل فيها بين أكثر النقاط سخونة في العالم العربي وما حوله، ثم بفضل تأسيسه لدار نشر حملت اسمه وجعلت من ملامسة المسكوت عنه - سياسياً وعقائدياً وتاريخياً - هدفها، أخذ الكاتب السوري رياض نجيب الريّس (1937 - 2020) الذي رحل عن عالمنا اليوم موقعاً خاصاً في ثقافتنا العربية المعاصرة، ولعلّه أحد أكثر المؤثّرين فيها في العقود الخمسة الأخيرة على الأقل. 

على عكس دار النشر (رياض الريّس)، كان الراحل يوقّع مقالاته الصحافية (ومؤلفاته أيضاً) باسمه الثلاثي رياض نجيب الريّس، وكأنه بذلك يجعل من تجربته امتداداً لتجربة والده الذي كان هو الآخر صحافياً وكان صاحب جريدة في سورية الأربعينيات، باسم "القبس"، خاض فيها رياض تجاربه الصحافية الأولى وهو فتى تحت العشرين، قبل أن تغلق الجريدة ضمن موجة التأميم التي عقبت الوحدة مع مصر. وبشكل أوسع، انتهت لحظة الحريات في سورية ولم يعد من الممكن أن تنشأ داخلها صحافة كالتي يطمح إليها رياض الشاب. 

انتقل أولاً إلى بيروت باعتبارها الامتداد الطبيعي لفضائه الأول، ومنها تنقّل بين بؤر العالم المشتعلة، من فيتنام إلى اليمن، كما أنها فترة تميّزت بالتحامه بدوائر الثقافة، والشعر خصوصاً، وقد لا يعرف كثيرون أن مؤلفات الريّس الأولى كانت شعرية وأنه كان ضمن فريق تحرير مجلة "شعر".

غير أن الحرب الأهلية هجّرت الريّس من جديد بعيداً عن مشاريعه، فاختار الاستقرار في لندن منذ 1977 وفيها أصدر جريدة "المنار"، والتي تعدّ أوّل جريدة عربية تصدر من عاصمة الضباب

الصورة
رياض الريس

أسّس الريّس دار النشر التي تحمل اسمه عام 1987، واختار لها لندن مقراً بعيداً عن أعمدة الدخان في لبنان زمن الحرب الأهلية وعن جميع العواصم العربية الأخرى التي كان من المتوقّع أن تضيق بما ينوي إصداره من كتب لا تتورّع في تسمية الإخلالات بأسمائها. وكما نتحدّث عن كاتب له أسلوب لافت، يمكن القول بأن الريّس كان ناشراً ذا أسلوب خاص، وكثيرة هي شهادات المؤلفين الذين أصدروا أعمالهم معه عن مقترحاته ونقاشاته حول الأفكار وزوايا المقاربة وطرق الكتابة وغيرها من الأمور التي جعلت لمنشورت رياض الريّس نكهة خاصة من الإثارة والعمق.

أسّس الريّس أيضاً مجلة "الناقد" (1989 - 1995) ولاحقاً أصدر مجلة طريفة بعنوان "النقّاد" وكان لها تطلّع فريد بتناول كواليس الثقافة والمثقفين العرب، كما أطلق "جائزة يوسف الخال للشعر" و"جائزة الناقد للرواية"، وهو ما يعبّر عن تنوّع في الاهتمامات قلّما نجده لدى مثقفين عرب آخرين.

ورغم أنه استقرّ في بيروت في العقدين الأخيرين من حياته، إلا أن الريّس لم يعد يكتب، وقد عبّر عن رغبته في مواصلة الإنتاج الصحافي مشيراً إلى حالة من النبذ مارستها الصحف البيروتية ضدّه، وهو ما ظهر في كتاب مذكّراته "صحافي المسافات الطويلة" (2017) الذي تميّز بروح حزينة ومنها قوله: "ها أنت تقف وحيداً أمام صندوق حياتك، الذي كسائر صناديق الآخرين، لا يفتح بسهولة. وربما سيكون عليك كسره أو رميه على الأرض، ستجد في هذا الصندوق فتات من بطاقات الآخرين البريدية أو قطعاً من صناديقهم فهذا ما يفعله الأصدقاء حين يغيبون. يتركون في ذاكرة من بقي حياً عاداتهم المفضلة، أصواتهم، رؤيتهم للحياة، ونكرانهم المتواصل للموت. وهذا ربما ما أفعله الآن".

من مؤلفاته الأخرى: "المفكّرة الأندلسية.. أمويّ في غرناطة، دمشقي في قرطبة"، و"حديث صحافي مع الإمام علي بن أبي طالب"، و"الخليج العربي ورياح التغيير"، و"لبنان تاريخ مسكوت عنه"، و"مصاحف وسيوف"، ومعظمها أعمال بقيت في القوائم السوداء لمعظم البلدان العربية فلم تُقرأ إلا في أوروبا وبيروت.