ذكرى ميلاد: نقولا زيادة وتأريخ الحضارة العربية

02 ديسمبر 2020
الصورة
(نقولا زيادة)
+ الخط -

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. تصادف اليوم، الثاني من كانون الأول، ذكرى ميلاد المؤرخ الفلسطيني اللبناني نقولا زيادة (1907 – 2006).


في عام 1943، أصدر نقولا زيادة الذي تحلّ اليوم الأربعاء ذكرى ميلاده، كتابه الأوّل "رواد الشرق العربي في العصور الوسطى" بعد أربعة أعوام من نيله درجة البكالوريوس في التاريخ القديم من "جامعة لندن"، حيث عاد منها إلى فلسطين وعمل مدرساً في "الكلية العربية" بالقدس، وعكس مؤلّفه هذا تعلمّه ودرايته بمناهج التاريخ التي تعلّمها في الغرب وشغفه بالحضارة العربية الإسلامية التي ظلّت محور بحثه الأساسي.

خلال ما يقرب من قرن، لم يلتفت المؤرخ الفلسطيني اللبناني (1907 – 2006) إلى السياسة وشؤون الحياة العامة، يأتي على ذكرها من باب التندر والطرافة، ولا تشغله سوى المعرفة بحثاً وتدريساً، منهمكاً في مشروعه التأريخي وكتابة مذكراته حتى رحيله، حيث كان يخطط لإصدار ثالث يضيء سيرة حياته لم يرَ النور.

نال درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي عن أطروحة بعنوان "سورية في العصر المملوكي الأول"

وُلد الراحل في حيّ باب المصلّى بدمشق، التي بقيت في ذاكرته باعتبارها المكان الأول الذي احتضن طفولته وشقاوته، حيث أتت عائلته من مدينة الناصرة في فلسطين، وعمل والده عبده زيادة في قسم الهندسة في الإدارة العامة لسكة حديد الحجاز، وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، جُنِّد في الجيش العثماني، حيث مات مريضاً قبل الذهاب إلى جبهة القتال.

عادت العائلة إلى الناصرة بحلول عام 1917، واضطرت والدته إلى العمل في مدينة جنين، وهناك لم يتمكن من الالتحاق بالمدرسة الوحيدة التي كانت تحت سيطرة الجيش الألماني خلال الحرب. ويشير زيادة في كتابه "أيامي: سيرة ذاتية" إلى أنه قرأ في تلك الفترة "ألف ليلة وليلة" و"تغريبة بني هلال" و"قصة الملك سيف" قبل أن يعود إلى المدرسة عام 1919، ثم يلتحق بدار المعلمين الابتدائية في القدس.

في سيرته يروي زيادة أحداثاً عاشها بعد تعيينه مدرساً في بلدة ترشيحا وعكا، فرغم ميله إلى تعليم الرياضيات، كُلِّف تعليمَ التاريخ والجغرافيا، وكان لذلك تأثير في حياته، حيث اختار التاريخ تخصصاً أكاديمياً عن رغبة شديدة، وتعرّف إلى بعض بعثات التنقيب عن الآثار الأجنبية التي كانت تنقّب في عكا وبيسان، ومزج بين سرد هذه التفاصيل والتحوّلات السياسية والاجتماعية التي عاشتها المنطقة.

أصدر المؤرخ الراحل نحو خمسين كتاباً باللغتين العربية والإنكليزية،

نال درجة البكالوريوس في التاريخ القديم من بريطانيا، وعاد إلى فلسطين مدرساً، ليسافر مرة  أخرى عام 1947 سافر إلى "جامعة لندن" حيث نال درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي عن أطروحة بعنوان "سورية في العصر المملوكي الأول"، ونشر في تلك الفترة عدداً من المقالات في مجلتي "المقتطف" و"الثقافة" وغيرهما.

لجأ زيادة بعد احتلال فلسطين إلى لبنان، حيث عمل أستاذاً في "الجامعة الأميركية" ببيروت حتى تقاعده سنة 1973، ليدرّس بعدها في أكثر من جامعة لبنانية وعربية، منها "جامعة القديس يوسف" و"الجامعة اللبنانية"، و"الجامعة الأردنية".

وأتقن صاحب كتاب "وثبة العرب" اليونانية واللاتينية والألمانية والإنكليزية، وأصدر نحو خمسين كتاباً باللغتين العربية والإنكليزية، من بينها: "العالم القديم" (1942)، و"صور من التاريخ العربي" (1946)، و"شخصيات عربية تاريخية" (1946)، و"صور أوروبية" (1947)، و"العروبة في ميزان القومية" (1950)، والجغرافيا والرحلات عند العرب" (1987)، و"المسيحية والعرب" (2001)، كذلك ترجم كتاب "الفكر اليوناني والثقافة العربية: حركة الترجمة اليونانية-العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكر" للمستشرق الأميركي ديمتري غوتاس.

خصّص زيادة في مشروعه مؤلّفات لكلّ إقليم عربي، حيث درس تاريخ الخليج ومصر وبلاد المغرب إلى جانب الهلال الخصيب، وكتب في أدب الرحلة؛ الحقل الذي شغف به أيضاً، حيث صدر في الذكرى الأولى لرحيله كتاب "حول العالم في 76 عاماً.. رحلات مثقف شامي في آسيا وأوروبا والشمال الأفريقي 1916-1992"، وضمّ توثيقه لأسفارة كافة.

المساهمون