نقولا زيادة.. المؤرخ العربي يطوف في سورية عام 1925

25 يناير 2020
الصورة
منظر عام لجبل حرمون، 1934(Getty)
+ الخط -

تجسد حياة المؤرخ والعلامة العربي نقولا زيادة وحدة البلاد العربية وخصوصاً الشامية منها، فقد ولد في 2 دسسمبر/كانون الأول عام 1907 في حي باب المصلّى في دمشق، من أبوين جليليين من الناصرة، وكان والده موظفًا في قسم الهندسة في الإدارة العامة لسكة حديد الحجاز التي كان مركزها دمشق. عند بداية الحرب العالمية الأولى، وكان عمره إذاك 8 سنوات، تم تجنيد والده للقتال في الجيش العثماني، وأثناء مكوث والده في أحد مراكز تجميع الجنود في انتظار إرسالهم إلى جبهات القتال تعرض للمرض ومات قبل أن يذهب إلى جبهة القتال.

بعد وفاة والده عادت أسرته إلى الناصرة عام 1917 حيث يقطن خاله الذي تعهدهم بالرعاية. وما لبث أن قُتل خاله في انفجار قنبلة ألقتها طائرة بريطانية فاضطرت أمه للبحث عن العمل لإعالة العائلة ووجدت عملا في جنين فانتقلت الأسرة للعيش هناك.

لم يلتحق نقولا بأي مدرسة في جنين لمدة سنتين لانعدامها هناك إذ استولى الجيش الألماني على المدرسة الوحيدة في البلدة، لكنه عوّض عن ذلك بالمطالعة والتثقيف الذاتي، فقرأ العديد من الكتب التي استعارها من جاره مثل تغريبة بني هلال وسيرة سيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة. عام 1919 تم افتتاح مدرسة حكومية فالتحق نقولا فيها وفي عام 1921 تم قبوله في دار المعلمين الابتدائية في القدس.

تخرج نقولا من دار المعلمين بعد ثلاث سنوات فعمل لعدة أسابيع في مدرسة الناصرة (وكان عمره حينئذ 16 عاما) انتقل بعدها ليعمل مدرسا في ترشيحا (قضاء عكا) وعمل هناك سنة واحدة التحق بعدها بالعمل في مدرسة في عكا عام 1925 ورغم ميله لتعليم الرياضيات تم تكليفه بتعليم التاريخ والجغرافيا وكان لذلك القرار تأثير على حياته إذ أعجبه موضوع التاريخ فقرأ كتبا في التاريخ. كما أنه تعرّف إلى بعض بعثات التنقيب عن الآثار الأجنبية في فلسطين التي كانت تقوم بالتنقيب في عكا وبيسان؛ وحرص على زيارة الكثير من المناطق الأثرية في فلسطين، وكان في بداية حياته يعتبر نفسه "مؤرخًا تحت التدريب"، ونشر في عام 1930 مقالا في مجلة المقتطف عن معركة مجدو.

عام 1935 اختير لبعثة لدراسة التاريخ القديم في جامعة لندن وكان ذلك تحقيقا لآماله. قضى ما يقرب من 4 سنوات في أوروبا، منها حوالي 6 أشهر في جامعة زيورخ بألمانيا، والتي كان يفرض نظامها على الطالب أن يتعلم لغتين أوروبيتين بخلاف الإنكليزية، فاختار تعلم الألمانية والفرنسية القديمة، واستطاع الحصول على البكالوريوس عام 1939.

عاد نقولا إلى فلسطين في صيف 1939 قبل أن تبدأ الحرب العالمية الثانية بأسابيع، وخلال السنوات الثماني التالية لعودته درّس التاريخ القديم وتاريخ العرب في الكلية العربية (القدس)، وصدر أول كتاب له عام 1943م بعنوان "روّاد الشرق العربي في العصور الوسطى"، وحاول خلال تلك السنوات أن ينقل بعضا مما تعلمه في الغرب إلى طلابه من خلال محاضراته وكتبه.

وفي عام 1947 سافر إلى جامعة لندن مرة ثانية للإعداد للدكتوراه، وكان اهتمامه قد انتقل من التاريخ الكلاسيكي إلى التاريخ الإسلامي، وفي هذه الفترة كتب عددا من المقالات في المقتطف والثقافة وغيرهما، تتناول مناحي متعددة من تاريخ العرب. قضى نقولا في لندن عامين أعد خلالهما رسالة الدكتوراه عن "سوريا في العصر المملوكي الأول" وفي سنة 1950 قدّم الرسالة ونال الدكتوراه.

وبعد احتلال فلسطين نزح نقولا إلى لبنان حيث التحق بالجامعة الأميركية في بيروت فعيّن بداية أستاذا مساعدا ثم عيّن استاذا عام 1958، وظل يدرس فيها حتى عام 1973. بعد بلوغه الخامسة والخمسين تقاعد من الجامعة الأميركية، وأشرف في جامعة القديس يوسف - بيروت، على رسائل الدكتوراه في التاريخ العربي، حتى العام 1992. كما أنه درّس في الجامعة الأردنية لمدة سنتين (1976 - 1978) عاد بعدهما إلى بيروت، عاملاً في الجامعة اللبنانية محاضراً ومشرفاً.

قام نقولا زيادة بوضع الكثير من المؤلفات عن تاريخ العرب القديم والأوسط، وقام برحلة في بلاد الشام عام 1925 سماها (سوريا كما عرفتها). وقد زودني –رحمه الله- بنص الرحلة عندما زرته في منزله في قريطم قرب بيروت في مطلع شهر شباط عام 2005.

وقد أخبرني أن شريكه في هذه الرحلة كان يدعى درويش مقدادي، وأنهما قطعا سورية من شمالها إلى جنوبها سيراً على الأقدام أو مستقلين وسائل النقل المتاحة لهما آنذاك. وسورية كما يعرفها نقولا زيادة تمتد من حلب إلى خليج العقبة إذ عاش زيادة ومات وهو موقن بوحدة بلاد الشام وكان يعتبر نفسه مواطناً سوريا بالمعنى الواسع لهذه العبارة.

تتميز رحلة نقولا زيادة بلغتها الأدبية العالية وباستحضاره التاريخ في كل مكان يذهب إليه، وهو ما يشير إلى سعة ثقافته ومعارفه واعتزازه الكبير بتاريخه العربي الذي كان يحلم في ذلك الوقت من عشرينيات القرن الماضي بأنه راجع إلى مجده لا محالة.


جبل الشيخ

يقول زيادة مستهلاً رحلته: "أمنية جاشت في نفسي منذ أن كنت يافعاً ـ هي أن أصل إلى قمة جبل الشيخ. فقد رأيت الجبل الكبير، رابضاً على أطراف السهول الواسعة لأول مرة، إذ كنت مسافراً من دمشق إلى حيفا، فألهاني منظره عن الأراضي الفسيحة التي يجتازها المسافر، وشغلتني رؤيته عن كل ما عداه، فملأ نفسي رهبة وشاعت فيها خشية الشيء العظيم الأبي، ورغبت في أن أرقاه. وكنت أينما سرت في مرتفعات هذه البلاد، يبدو لي جبل الشيخ يدعوني لارتقائه، وكأنه يتحداني. 

وكل مرة كنت أسمع فيها دعوته، كنت ألبي نداءه وأعده بالذهاب، حتى تم لي ذلك مرتين. فتسلقت جبل الشيخ من جهتين مختلفتين، وبشكلين متباينين، وعرفت لذة الوصول إلى القمة، وأدركت معنى الاستمتاع بالأفق الواسع يشرف منه المرء على الأمور إشرافاً كلياً، فتغيب الجزئيات والصغائر أمام الكليات والعظائم".


تل القاضي

يتابع نقولا زيادة وصف رحلته: "كان اليوم أحد أيام النصف الأول من شهر آب (أغسطس)، وكان الحرّ شديداً، سيما وأن الليلة السابقة قضيناها في الخالصة شمال بحيرة الحولة في غور الأردن.

وكانت الشمس قد ملأت الأفق، لما اتخذنا طريقنا ـ أنا وصديقي ـ من الخالصة إلى جباتا الزيت. كانت طريقنا تمرّ في بقعة من أجمل بقاع بلادنا، إذ كان علينا أن نجتاز المنطقة التي تقطعها روافد الأردن.

وكان تل القاضي أجمل هذه الينابيع وأوّلها في طريقنا. فقد وصلنا إليه قبيل الظهر، فأشرفنا على تلّة، لعل طولها لا يتجاوز الثلاثين من الأمتار، ولا تكاد ترتفع عشرين متراً، تكسوها الأشجار والأنجم البرية، وينبثق من غربها نبع ماء قوي، يشق طريقه من أحشاء الأرض ويبري الجنادل في سيره، ويملأ الجوّ صوتاً موسيقياً، ويملأ النفس لذة وسروراً.

ويأبى الرعاة إلا أن يجعلوا هذا الشجر الجميل هالة من القداسة، فهم يحملونك على أن ترى عشر شجرات منفردة عن غيرها. وإذ عشرة من الصحابة الكرام مروا بهذا المكان، فربطوا خيولهم في أوتاد غرسوها خاصة لذلك، فإذا الأوتاد تنبت شجراً كريماً، وإذا الشجرات العشر تبقى إلى يوم الناس هذا".

ويصف نقولا زيادة نبع بانياس الشهير بقوله: "إن ساعة وبعض الساعة من المشي لتنقلنا إلى بانياس، فنجتاز في طريقنا أرضاً خصبة جميلة، مكسوّة بالأشجار، ونعبر النهر على بقية صالحة من جسر روماني، فنصل إلى غار كبير ـ بعض أجزائه حمراء. ومن صدر الغار يخرج نهر كامل العدّة والصورة.

وإذ تقف داخل الغار: فترى هذه الولادة العجيبة، وتمتع نفسك بهذا الجمال الفذ، وتستروح معنى هذا الانبعاث، تفهم السر في أن الأقدمين قدّسوا هذا المكان وباركوه وعزوا إليه قوّة خارقة، فعبد الساميون القدماء فيه آلهة الماء الجارية تحت الأرض، وكرسه اليونان للإله بان وإلاهات السحر الجميلة.

ومن "بان" اشتقت المدينة والمنطقة اسمها، واحتفظت به، رغم أن كل حاكم أقام هناك حاول أن يغير المدينة ويسميها باسمه. لكن الأيام حفظت اسم الإله الجميل، واستغنت عن أسماء الحكام، ولم يكتف "بان" بطبع المكان بطابع الاسم، لكن أثره تعدّى ذلك إلى النقود التي سكت هناك، فظهرت صورته عليها، يحمل نايه يغني الأغنية التي تبقى بعد أن تفنى الحياة".

وحول بانياس يقول: "بانياس اليوم قرية، قد لا يتجاوز عدد سكانها الألف، لكنها كانت في أيام الرومان والعرب مدينة كبيرة، تتركز فيها الحياة التجارية والزراعية والإدارية للمنطقة كلها. وقد أعجبت ابن جبير إذ مر بها في طريقه من دمشق إلى عكاء.. على أن القلعة الرئيسية التي تحمي المنطقة منذ أقدم الأزمنة لم تكن قلعة بانياس نفسها، ولكنها قلعة الصبيبة التي تقع على مسير نحو ساعة إلى الشرق من بانياس.

هذه القلعة، على ما تظهر مما تبقى منها قائماً إلى الآن، أكثرها من نتائج العصر الصليبي، وعليها نفش "يرجع إلى أيام الملك العادل. وتقع القلعة على مرتفع من الأرض يمكن الواقف على أعلاها من رؤية قلعة الشقيف (أرنون) وهونين غرباً، وسهل الحولة وقراه غرباً في جنوب وجباتا الزيت شرقاً.

وقد أطلقت الأسطورة المحلية، منذ زمن قديم، على القلعة اسم قلعة نمرود. ذلك أن ضخامة الحجارة، وعظم البناء، وارتفاع الأبراج، وحصانة الأسوار ـ كل أولئك أقنع الناس منذ أجيال أن هذه القلعة من بناء الجبابرة القدماء لا من عمل الإنسان، فنسبوها إلى بطل الجبابرة نمرود".

ثم يتابع زيادة طريقه إلى جبل الشيخ عن طريق جباتا الزيت حيث يقول: "سرنا بين كروم العنب أوّلاً، لكن هذه لم تلبث أن انقطعت، واستعضنا عن رفقة الكرم بالحمص الأخضر، حتى وصلنا "مرج أبو عبد الله"، وهو آخر الجزء الذي يزرع ولم نر بعد ذلك إلا بقية أعشاب ترعاها الماشية، التي تصطاف هناك مع رعاتها، وترتوي من نبعة "معنون" الباردة، على أن الأعشاب نفسها أخذت تتناقص شيئاً فشيئاً وتحل محلها نباتات شائكة ذات رائحة زكية..

وبعد عشر ساعات من السير وجدنا أنفسنا على قمة جبل الشيخ، على قصر عنتر أو شيبوب، وعلى أنقاض الهيكل القديم المكرس لبعل حرمون. وإن كان الهيكل القديم رمز العبادة الإلهية، وقصر شيبوب رمز البطولة الفذة، فعلى قمة جبل الشيخ أثر صغير هو رمز الأمثال العربية. فهناك رأينا قطعة رخام منقوشا عليها ذكرى زيارة المغفور له فيصل الأول لقمة جبل الشيخ أيام كان ملكاً لسوريا".

ويصف قمم جبل الشيخ الثلاث بقوله: "لجبل الشيخ ثلاث قمم ـ قصر عنتر في الجنوب وأخرى في الشمال، وهما متساويتان في الارتفاع البالغ 2753 متراً، أما الثالثة فتقع في الغرب، وتنخفض عنهما قليلاً. وامتداد جبل الشيخ العام من الشمال الشرق إلى الجنوب الغربي، وطوله يتجاوز الثلاثين من الكيلومترات..

ولست أشك، بعد أن وقفت على قمة أكثر الجبال المرتفعة في سوريا، أن ما يراه المرء من قمة جبل الشيخ أوسع من كل ما يرى من أي جبل آخر. وتنوّع المناظر التي تجتليها العين قمته لا يتيسر في مكان آخر. فأنت إذ تقف على قمة الجبل ـ على أنقاض قصر عنتر أو هيكل بعل حرمون ـ وتمدّ ببصرك حولك، تستجلي عينك آفاقاً مترامية، وأبعاداً شاسعة: ففي الغرب يخيل إليك أن البحر، بين جبل الكرمل وصور، يرتمي عند موطئ قدميك، وترى وادي نهر القاسمية يمتد أمامك كأنه يرشد نظرك إلى مغاني الجمال الفاتن.

وهذا الوادي نفسه يريك حدّاً فاصلاً بين لبنان الجنوبي وجبال الجليل، التي تحمي الحولة وطبرية وسهليهما من المكروه. فإذا صوّبت نظرك في اتجاه الشمال رأيت الجبل الشرقي، وجبال الساحل، أما في الشمال الشرقي فأنت تطل على دمشق وغوطتها التي تضم كل البقاع الخضراء على سيف البادية. وثمة اللجاة ذات الصخور النارية، وحوران وسهولها الخصبة.

وفي الجنوب الشرقي الجولان وفوّهاته البركانية. أليس في هذا الاتساع والعلوّ ما يحملك على احترام شيخ الجبال وسيدها، والاطمئنان إلى العزيمة التي تخلفها في نفسك الإقامة فوقه ساعات، قلّت أو كثرت.. على أن كل هذا الذي ذكرت لا يعدو جزءاً صغيراً من الحقيقة كما تلمس هناك، والتي لا سبيل إلى وصفها. بل إن هناك منظراً آخر ينقل ناظره إلى جنات من الخيال ويحمله على أجنحة من الإعجاب لا يستطيع أن يدركها إلا من حمل نفسه مؤونة تسلق جبل الشيخ".


قلعة الحصن

وبعد أن يتابع زيادة سيره في أقاليم البقاع وصولا إلى طرابلس الشام يركب القطار متجها إلى قلعة الحصن، إذ يقول: "كانت طريقنا تجتاز سهل البقيعة، وهو الوادي العريض الذي يفصل جبال لبنان الشمالية عن جبال الساحل السوري. يفصل الجبال بعضها عن بعض ليربط السهل الساحلي بالسهل الداخلي، وليربط موانئ البحر المتوسط بموانئ البحر الرملي الممتد إلى الشرق..

كان القطار يخترق السهل ويداور ما فيه من تلال ويروغ من وجهه المرتفعات، شأنه في ذلك شأن جيوش القدماء التي كان الملوك يبعثون بها من طرابلس لتحتل حمص. وكنا، ونحن نراقب البلاد التي نمر بها، نسمع في وقت واحد أصواتاً متباينة الأصل مختلفة القوّة متشعبة القصد. فصوت القاطرة تخنقه حيناً ضجة تتصاعد من الأرض، فيها وقع أقدام الخيول وجرس أعنتها وصليل السيوف وأصوات المركبات. وكأن هذه كلها تحدّثنا عن الناس الذين اجتازوا الطريق قبلنا جماعات ووحداناً، وكلهم له في سيره غرض يخفيه حيناً ويظهره حيناً..

وفجأة وقف القطار. وكانت المفاجأة لي، أنا الذي كنت آنئذٍ فريسة هذه الأصوات والصور، التي أخذت تنقلني من عالم إلى عالم نقلاً سريعاً لم يتح لي أن أتابعه، ونزلنا، وكانت قرية تلكلخ نقطة انتقالنا في ذلك اليوم. فتركنا الركوب وعدنا إلى السير، ونحمد الله على أن لنا أقداماً تمكننا من السير إلى هذه البقاع النائية".

ويضيف: "انحرفنا شمالاً، وأخذنا نجوس خلال الأماكن في طرق (قادومية) تنقلنا من الباروحة إلى السنديانة الغربية، وحرّ النهار يشتدّ بنا، وسيرنا يتجه في صعود، حتى وقفنا أمام قلعة الحصن. ووقفنا نتأمل هذه القلعة الضخمة الفخمة التي مرّت عليها ستمائة من السنين أو يزيد منذ أن تخلى عنها آخر فارس كلف بحراستها، ولا تزال مع ذلك تملي على الناظر إليها إرادتها، وتفرض عليه سلطانها.

وتحتم عليه أن يقف وقفة إعجاب وخشوع. وكأنها تشفق عليه أن يؤخذ بالضخامة والعظم فتذكره أنها جميلة مع ذلك، فيلتفت إلى ذلك ويرى هذين السورين المتداخلين، الخارجي منهما أقل ارتفاعاً من الداخلي تخرج منهما نتوءات ترتفع إلى الجو فتكون أبراجاً وحصوناً تسهل على أهلها الدفاع عنها، وتتناوب الاستدارة والتربيع هذه الأبراج فتجعل منها منظراً تقف العين عليه فتعجب بالمهندس الذي أقام قلعة يأوي إليها المحارب ولم يغفل مع ذلك عن إدخال عنصر التناسب فيها فيجعلها جميلة.. وهذه الرنوك في أعلاها، والستائر التي تقف سداً في وجه من يحاول أن يخترق الجدران ليستطلع خفايا هذه القلعة..".

بعد ذلك يتوجه رحالتنا إلى برج صافيتا. فيقول: "ومررنا بدير القديس جريس. دير بناه البيزنطيون ولا يزال قائماً إلى الآن، لكنه مثل القلعة عربي الهوى والفؤاد، ففيه مدرسة لتخريج رجال الدين لكنها مدرسة عربية أنشأها الدكتور أيوب تحت رعاية المغفور له البطريرك غريغوريوس حداد..

ووصلنا إلى برج صافيتا. إنه برج آخر من هذه القلاع العديدة، المختلفة ضخامة وقوّة، المنتشرة في هذه المنطقة الخطرة في البلاد. بناها الحكام للدفاع عن البلاد ضدّ خصومهم من جيرانهم، فلما زال الخصم الخارجي اتخذها أصحاب النفوذ مراكز للضرب على أيدي من تحدثه نفسه بالثورة أو العصيان ضدّ رغباتهم".


في بلاد المعرِّي

ثم ينتقل زيادة إلى اللاذقية ومنها إلى حلب ثم يغادر حلب باتجاه معرة النعمان التي يصفها بقوله: "وأنا في هذه الأفكار إذا بالسيارة تقف أمام بيوت عدّة، لا هي بالقليلة فتكون قرية ولا هي بالكثيرة فتكون مدينة، ولكنها أمر بين الأمرين. وحسبت أن السيارة أوقفت لتعالج.
لكنني لم ألبث أن أدركت خطئي لما ذكر الركب أنها المعرّة ـ معرّة النعمان. فعدت إلى دنيا الناس، وعجبت لهذه الحياة، التي تنقلك من عالم الفكر مع المتنبي، فتجد نفسك في عالم الناس ولكن في بلدة المعرّي.. وكدنا لا نعرف أنفسنا. فقد كان الغبار قد تراكم على وجوهنا فصبغها بلون التربة الحمراء. ولم يكن من الميسور إزالتها البتة، فاكتفينا بإزالة القليل منها على النحو الذي تيسر لنا، وسرنا نحاول التعرف على الجوّ الذي عاش فيه أبو العلاء. فكان أوّل ما طالعنا منه قبر نور الدين الشهيد، في مكان يعرف باسم مدرسة أبي العلاء.
والمدرسة هذه كتاب في مكان قديم متهدّم. ونور الدين الذي أحيا من دنيا العرب والإسلام يوم أن تصدّعت ما أحيا، ينظر الناس إلى قبره فلا يعرفون أقبر شخص عادي هو أم قبر هذا الذي هيأ لصلاح الدين أن يضرب الصليبيين".

ويضيف قائلاً: "كان بي شوق إلى قبر المعري. فقد أعجبني من قبل ذلك الذي تساوى عنده صوت النعي وصوت البشير، فذهبنا لزيارة "مولانا أبو العلاء". مولانا؟ نعم لقد أصبح المعري في بلده ولياً من أولياء الله، يعلو مثواه خشب بقماش أخضر، وتعلو مكان الرأس منه عمة، ويتقرّب الناس إلى الله بقراءة الفاتحة في مقامه، ويربط قطع من القماش البالي على باب المكان الصغير وطاقاته. وكان رهين المحبسين في حياته أبى إلا أن يكون له بعد وفاته محبس ثالث، فاقتصر قبره على هذه الغرفة الصغيرة المظلمة".

ويتحسر على قبر أبي العلاء فيقول: "هذه حالة قبر أبي العلاء. وإن الأمر لمؤسف حقاً. وقد تذكرت هذه الحالة مرات لما زرت قبور عظماء الأمم الأخرى من غير أمتي. فرأيتهم قد جعلوا قبر الواحد منهم ومثواه مكاناً يعبر عن حياته. فثمة متحف صغير يحوي آثاره أو مكتبة تحوي نسخاً مختلفة من الكتب التي ألّفها أو غير ذلك من آثاره في حياته".

ويتابع: "خرجت من قبر أبي العلاء ناقماً ساخطاً، وقضيت ساعات في المعرّة بعد ذلك وأنا ناقم ساخط، وتناولنا بعض الطعام في شبه مطعم أبى أن يبذ قبر المعرّي في نوره ونظافته، حتى أنه لولا جوع شديد لما جلس المرء فيه ولا أكل..

وكنت أفكر بالمعرّي، ثم عدنا إلى السيارة لنستأنف السير إلى حماة، وجلسنا فيها، وعادت إلى شنشنتها، تسير حيناً وتقف حيناً وتصرخ مرة وتعوي مرة، وكأن الجهد والسخط قد نالا مني، فلم ألبث أن أخذتني سنة من النوم، نقلتني من عالم القيود إلى عالم الحرية، ومن دنيا الواقع إلى دنيا الأحلام... وأحسست كأن الأرض قد زلزلت بي، ورأيتني كأنني رفعت من مكاني وقذف بي من حالق، فصحوت وأخذت أتحسس نفسي، فإذا بالسيارة قد وقفت إحدى وقفاتها بعد أن صدمت حجارة اعترضتها بالطريق، وإذا بالسائق يصخب ويلعن.

فالتفت إلي صاحبي، صاحب الرحلة، وقال أين كنت يا هذا، فقد عودتني أن تفتح عينيك لترى ما حولك، فأخبرته أنني كنت مع أبي العلاء.. وهكذا في يوم واحد مررنا بلاداً غنية بالذكرى، غنية بالعظمة الخالدة وإنما تحتاج إلى من يتذكر فيعيد بعض هذه العظمة. وأي شيء أحق بالذكرى من سيف الدولة والمتنبي والمعرّي وابن منقذ وأبي الفداء؟".

دلالات

المساهمون