الموت في نسيج المجاز: كنايات عديدة لهادِم اللذّات

28 نوفمبر 2020
الصورة
("مع طير من الجنة" لسعاد العطار/العراق)
+ الخط -

دعانا تكاثرُ أعداد ضحايا كورونا واطّراد أخبار الوفَيات، بعد أن طاولتْ شخصياتٍ عامة، إلى التساؤل عن المُعجم الذي باتت الضاد تُسَخّره من أجل التعبير عن هذه الواقعة الحسّاسة. وفي سبيل استقصاء هذا الحقل المعجمي الدقيق، تابعنا، لأيام عديدة، أخبار رَحيل شخصيات متنوعةِ الأصول، تَنتمي إلى الأوساط السياسيّة والفنيّة والثقافيّة، وآخرها اللاعب مارادونا، من أجل رَصد الصور البلاغيّة التي تَستخدمها وسائل الإعلام أو الهيئات الرسميّة الناطقة بلسانها واستجلاء ما يَختفي وراء تلك الاختيارات من رهاناتٍ ثقافيّة ورمزيّة.

ولا يخفى أنّ الإعلانَ عن الوفاة، الذي يُطلق عليه تقليديًّا اسم: "النَّعْي"، فِعلٌ كلاميّ دقيقٌ يَقتضي عملاً ذِهنيًا صارمًا في اختيار المُفردات والصور المُناسِبة، والتي تؤدّي وظيفة التخفيف من حدّة آثارها النفسيّة لدى متلقّي الخَبَر، مما يجعل منه فعلاً تداوليًّا بامتيازٍ، يتوجّه إلى جمهورٍ ما، يَبتدئ، غالبًا، بالوَسط العائلي المُباشر، ويَشمل جمهورَ بلدٍ بأسره. وقد يهمُّ، في أحوالٍ نادرة، العالَمَ بأسره، في حالة وفاة شخصيّات كُبرى، صَنَعت تاريخًا وأثّرَت فيه. وتَزداد هذه القيود كثافة عندما يتعلّق الأمر بإعلان رسميٍّ عن وفاة المسؤول الذي يحتلّ المنصب الأعلى في الدولة، كالرّئيس والملك والأمير. ولذلك تتفنّن أجهزة الإعلام وآلة الدولة الرسميّة في انتقاء العِبارات الأنسب في النَّعي، حتّى يؤدي وظائفَه التداوليّة المرسومة له.

وتكشف الجداولُ، التي استَخرجناها، الوفرةَ الوفيرة لهذه العبارات حتى إنها لتشكلّ مُعجمًا بِأسره، لكنّه لم يحظ بعدُ بالاهتمام الكافي حتى يُجمع حسب المنهج الزمني والبنيوي. وأول ما نلاحظه، في هذه العبارات، أنّها تَشتَغل كبديلٍ دلاليّ عن كلمة: "موت"، التي تتلافاها جلُّ الخطابات، مع أنّها العبارة الأصليّة، الموضوعة للدلالة على هذا الحَدَث. وبما أنها تحمل شحنة مخيفة سالبة، قد لا تتماشى مع الخطاب الرسمي وقد تهدّد أحيانًا أمن الدّولة، تَقع الاستعاضة عنها بكلمة "وفاة"، وهي صورة فنّيّة موغلة في القِدم، إذ كانَت العَرب تعتبر الحياة دينًا والموتَ استيفاءً لَها من صاحِبها. "أصلُ فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تامًّا واستَوفاه. فيقال توفّاه اللَّهِ أي قدَّر موتَه، ويقال توفّاه ملك الموت أيْ: أنفذَ إرادة الله بموته، ويطلق التوفّي على النوم مجازاً بعلاقة المشابهة"، كما نقل المفسّر اللغوي الطاهر بن عاشور في "تحريره".

صيغ تُراوح بين المراجع الدينية والمرجعية اللا-دينية

وأما الصورة البيانية الثانية فهي أدق في التركيب، وهي عبارة: "وافتْه المَنيّة"، والمفردة الأخيرة من أسماء الموت التي أحصى لها ابن سيده، اللغوي الأندلسي الكفيف (1007-1066) عشرات الأسماء، في كتابه "المُخَصَّص"، ومنها: الوفاة، المَنون، الحِمام، الغول، حَلاَق، القاضية، الحتف، الخالج وغيرها مما خَرَج اليومَ عن التداول بعد أن أفناه التقادم. ومن الصور أيضا "تَرجّل من صهوة جَواده" التي تُستخدم في الإشارة إلى الانتهاء من مشوار نضالي يكون قد أنجزه صاحبه، حيث يُشبّه السير في الحياة بامتطاء صهوة الفرس وقطع المفاوز عليه ثم النزول إلى الأرض والترجّل، في كناية عن مَشهد الانتقال إلى الحياة الآخرة سيرًا على الأقدام، كأنما الموت ارتحالٌ بعد اعتلاء صهوة فرس الحياة. ومنها "لبّى داعيَ ربّه"، في جملة، أكثر تفصيلاً، تحافظ على العناصر التكوينية للكناية، حيث يُشبّه ملك الموت بِداعي الله الذي يُرسله إلى العَبد، فيُلبّي الدعوة. كما تحضر صورة الانتقال في عبارتي: "انتقل إلى جوار ربه" و"انتقل إلى الرفيق الأعلى"، وقد نُسبتْ في كِليْهما الرفقة والجوار إلى الله لتدلاّ على الأنس به.

ومن بين ما تداولته صَحافة بعض الدول التي تتظاهر بعَدم الارتباط بالمرجع الديني فعل: "ارتَقى"، وهو مأخوذٌ من الصعود والرقيّ، في درجات دَرب العودة نحو الخالِق. والملاحظ أنّ هذه الصيغة هي التي يستخدمها إعلام النّظام السوري في الحديث عن موت جنوده في ساحات المعارك، في تَعويضٍ لافتٍ لفعل: "استشهد"، وذلك ربما للتغاضي عن الدلالة الدينية والتظاهر بالعلمانية.

واللافت في متابعتنا أنّ الخطاب الطبّي الراهن، وفي مختلف البلدان واللغات، صار يَذكر يوميًا عدد الإصابات والوفيات بشكل باردٍ بالنظر إلى كثرة أعدادها وتعوّد الناس عليها دون اللجوء إلى هذه العبارات.

إلا أننا نسجّل، في جميع هذه الصيغ، مراوحَتَها بين المراجع الدينيّة، أكانت إسلاميّة أو مسيحية، والمرجعيّة اللا-دينيّة، والتي لا تريد أن تصلَ الموت بأيّ عنصرٍ من التّراث اللاهوتي، ربما في سعيٍ إلى الانفتاح على جمهور أوسع، يتلقّى الخَبر، دونَ أن يُجبر على ربطه ببعدٍ غيبيّ، بما أنّ قسمًا لا يستهان به من المجتمعات العربية، ولا سيما في أوساط المثقفين، لم تعد هويتهم تَتحدّد بالمرجع الشعائري.

أصل فعل توفَّى الشيءَ أنه قَبَضه تامّاً واستَوفاه

ويجدر التذكير هنا أنَّ هذه الصور كانت تُدَرَّس ضمنَ قسم "الكناية"، في التراث البلاغي العربي، ومن اللافت أنَّ هذا التراثَ، رغم ثَرائه، لم يُعر أهميّة كُبرى لمَجازات الموت. وتحسن العودة، في هذا الإطار، إلى البَحث الذي أنجزه محمد بن عبد السلام حول قضية الموت في المخيال العربي في كتابه: "مَوضوع الموت في الشعر العربي من الجذور إلى نهاية القرن الثالث للهجرة" (صدر بالفرنسية 1977).

هذا، وقد أنتجت كلّ لغات العالم مثل هذه الكنايات وهو ما يشرِّع تَدشينَ عمل معجمي مقارَن، حول هذا المحور بالذات، تُدرس فيه عبارات أهم اللغات البشريّة في استحضارها للموت، من أجل الوصول إلى نقاط الاختلاف والائتلاف فيما بينها ورَصد أرضيتها المشتركة، حيث إنَّ هذه المجازات، والتي يُراد منها التخفيف من فظاعة الفراق، توجد تقريبًا في كلّ ثقافات العالَم وتُعدّ من الكليّات المجازية Universaux métaphoriques، ولكن يُعبّر عنها كلُّ لسانٍ بالاعتماد على مرجعياته الرمزيّة الخاصّة. وهو ما يحيلنا بدوره على الوظيفة الإناسيّة (الأنثروبولوجية) لهذه العبارات التي تَكمن في التسلية عن رعب الموت، بما هو حدث الفراق المطلق والنهائي، كما أكّد ذلك علماء الاجتماع، مثل إدغار موران في كتابه "الإنسان والموت" (1952)، ويخدم هذا الهدفُ أنسنَةَ هذه اللحظة بإضفاء بعد شعريّ عليها يجعل منها لحظة انتقالٍ ضمن مسارات الروح، على أمل لقاءٍ قد يُعقد... وقد لا يُعقد.

وهذه هي ذاتُ الوظيفة الإنشائية التي أدّاها المتكلمون بالضاد حين صاغوا عن لحظة الموت الفظيعة أجمل الكنايات، من أجل تخفيف ما يَحلّ معها من آلام ومساعدة الوعي على تقبّلها لحظةَ انتهاءٍ وتحوّل. ففي هذه العبارات، يختزل المجتمع العربي، بفئاته المتباينة، كلَّ صراعاته وهواجسه وأحلامه وآماله في ما بعد الموت. ويظل السؤال قائمًا عن الغايات السلطوية التي يسعى أصحاب النفوذ إلى استثمارها من خلال التفنّن في عبارات النَّعي. وما الذي تَجْنيه السّلط من التلاعب بمثل هذه اللحظات الأليمة؟ 


* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون