الفن السوري... توثيق وتزوير

24 سبتمبر 2020
الصورة
"صيّاد سمك في أرواد" للؤي كيالي (جزء من لوحة)

قبل بضعة أسابيع، أردتُ نشر نصّ صغير عن لؤي كيالي، أعرّف من خلاله قرّاء صفحتي في فيسبوك على أحد أعلام الفن التشكيلي السوري. وقد حاولت أن اختار للنصّ صورة من غير تلك الصور المتكرّرة القليلة التي تُنشر في كل مناسبة. وبما أنّي كغيري على يقين بأن هناك عدداً لا بأس به من اللوحات المزوّرة، لم ألجأ إلى النت بل ذهبت مباشرة إلى الموقع الإلكتروني الموثوق والغنّي الذي يديره أحد أقارب الراحل، وانتقيت عملاً يصوّر شاباً يحمل صندوق مسح الأحذية، أحد المواضيع المحبّبة للكيالي.

بعد دقائق من النشر تقريباً، أتتني رسالة خاصّة مفادها بأن الصورة المنشورة هي لعمل مزوّر. أثق بأصحاب الموقع الذين بذلوا جهداً أميناً في جمع وأرشفة وتبويب أعمال كيالي في الموقع، لكنني في الوقت نفسه أعرف أنّ من كتب لي منبّهاً لديه خبرة في هذه المسائل. عدتُ إلى اللوحة ونظرت في وجه الشاب فوجدته وجه شخص مستاء ساخط، وهو ما لم نعهده في وجوه شخصيات الفنّان الأقرب إلى الحزن أو السوداوية. قلتُ هذه إشارة ولكن ليس هذا بدليل، فلكلّ لوحة مزاجها، ولكن تفادياً للأخذ والرد، استبدلت اللوحة برسم بقلم الرصاص من الموقع نفسه.

سيساعد التوثيق على دراسة الفن السوري وقد يحدّ من التزوير

هذه الحادثة، في الحقيقة، تدعو إلى التفكير في مسألتَين كبيرتين، أجدهما مرتبطتين ببعضهما البعض. الأولى هي مسألة التزوير الذي يطاول أعمال بعض الفنّانين ممّن ارتفعت أسعار أعمالهم بعد رحيلهم، والثانية هي موضوع أرشفة أعمال الفنانين وأهمية ذلك للدارس الباحث.

سبق أن قد تكلمنا على هذه الصفحات عن التزوير الذي طاول أعمال الراحل فاتح المدرّس، وأيضاً قد طاول غيره مثل محمود حمّاد، بالإضافة إلى كيالي في رأس القائمة. والغريب في الأمر أن أحداً لا يرغب في إثارة قضية التزوير هذه علانيةً، رغم أن أغلب المهتمّين بمسألة تسويق الأعمال يعرفون أسماء مصوّرين مزوّرين ومن يروّج لهم. يغمز لي أحدهم أن يُفضَّل السكوت!

أمّا بالنسبة للأرشفة، ففي عصر الرقميات هذا، لجأ كثير من الفنانين إلى إنشاء مواقع إلكترونية خاصة بأعمالهم. ومن لم يستطع إلى ذلك سبيلاً، وجد في مواقع التواصل الاجتماعي مساحة مجّانيةً لنشرها، وهي غير مكلفة حتى على مستوى الإنشاء والتفعيل وقادرة على الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور والمهتمّين.

أمّا في ما يخص من رحلوا، فقد تصدّى للمهمة البعض من أبناء أو ورثة الفنانين وقد تنبهوا لضرورة أرشفة إنتاجهم الفني والنصوص النقدية التي تخص مسيرتهم.

وبالفعل، أتاحت الشبكة العنكبوتية لنا الاطلاع على الكثير من الأعمال الفنية المجهولة لهؤلاء الأخيرين، غير تلك التي تتكرّر في معرض الحديث عنهم، في هذه الدورية أو تلك الصحيفة، والتي كانت جودة طباعة أغلبها متوسّطة إن لم نقل سيئة، ولا نستطيع أن نبني على أساسها حكماً.

يحتل فيسبوك في الحقيقة المرتبة الأولى في تقديم أعمال الجيل الأول من الفنّانين السوريّين، فقبل أكثر من سنة، أنشأ فريدي كرشة صفحة تُعنى بأعمال والده ميشيل كرشة. بادرة سبقه إليها كثيرون من أولاد وأقارب الفنّانين الراحلين. وما جعلنا نذكر كرشة من بين هؤلاء، هو اكتشافنا غزارة إنتاج هذا الفنان المولود مع بداية القرن العشرين، والذي يُعد رائد الانطباعية في سورية. فصفحته التي حجبها مؤسّسها مؤخّراً لسبب نجهله، تُطلعنا على كثير من الأعمال غير المعروفة التي صوّرها الفنان مباشرة في الطبيعة لدمشق وضواحيها، كذلك لبعض المصايف القريبة من العاصمة كبلودان وصيدنايا. لوحات يغمرها الضوء يذكّر بعضها بلوحات المعلّمين الفرنسيين.

وإذا كنا قد "آمنا" بموهبة كرشة ونستطيع من خلال هذا الكم من الصور دراسة تجربته الفنية، فماذا عن إنتاج الآخرين من أبناء جيله؟ في الحقيقة ومن خلال زيارتنا لبقية الصفحات وللمواقع المختلفة على النت، لم نعثر على الكثير من الجديد، وهذا الأمر يجعل من الصعب تقييم تجاربهم بالشكل الأمثل.

وإذا كانت، لسبب أو لآخر، مهمة ملاحقة من يعبث بأعمال الفنانين، وهم على ما يبدو شبكة مصالح "متعاضدة" متينة، مهمة صعبة، فعملية توثيق الأعمال ستساعد على دراسة تاريخ الفن في سورية، ولا سيما في مرحلة البدايات، بشكل أفضل، وربما تحدّ من عملية التزوير هذه.


* فنان تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا