التعبيرية السورية ومزالق التوثيق: ردّاً على أسعد عرابي

15 مارس 2020
الصورة
(تفصيل من لوحة "دمشق القديمة" لـ إلياس الزيات)
+ الخط -

يرى الفنان والباحث أسعد عرابي أن التعبيرية هي أهمّ سمات الفن التشكيلي السوري. وفي مقالته الأخيرة "الجديد في التعبيرية السورية"، التي نُشرت في الثاني من مارس/آذار الجاري في "ضفة ثالثة"، يتحدّث عن هذه التعبيرية، أيّ المشهد التشكيلي السوري، وعن جديدها كما يقول العنوان. وسنتوقّف هنا عند أكثر من نقطة فيها نجد أنها بحاجة إلى المراجعة.

يكتب عرابي معبراً عن إعجابه بخصائص التعبيرية السورية، وعن تضاعف هذا الإعجاب لديه "مع ظهور جيل الحرب الأخير (ما بعد ولادات الثمانين)". وقد أطلق على هؤلاء اسم "الروّاد الجدد". فذكر بضعة أسماء منهم منيف عجاج الذي أفرد له مساحة لا بأس بها من المقالة. ولا نستطيع في الحقيقة تفسير جملته "ما بعد ولادات الثمانين" إلا بكونهم وُلدوا بعد ثمانينيات القرن الفائت، وإذا ما عدنا إلى الفنان عجاج فنجد أنه من مواليد نهاية الستينيات.

وإذا ما كان يقصد أن الثمانينيات هي بداية تشكّل هوية هؤلاء، فأيضاً هناك خطأ في تحديد التاريخ. فعلى سبيل المثال، بدأ عجاج بالبحث عن لوحته في بداية التسعينيات. ربما نقول هذا لا يهم، تاريخ الميلاد يمكن أن يُصحّح، ولكن، من خلال متابعتنا للمشهد التشكيلي السوري، لا نستطيع أن نصنّف عجاج وغيره من الفنانين المذكورين كفنانين من جيل ظهر مع الحرب أو روّاد لهذا الجيل (بالطبع مع احترامنا لتجربة عجاج وإعجابنا شخصياً بعمله).

فما قدّمه هؤلاء في هذه الفترة التي يحدّد الكاتب بدايتها سنة 2011، لا يشي بتبدّل كبير في عملهم، إن كان على مستوى الأسلوب أو المستوى التقني أو تجريب حوامل أو طرق تعبير أخرى، اللهم إلّا في بعض المواضيع التي تتناول المأساة السورية وهذا شأن أغلب الفنانين في جميع الأجيال. وفي المحصلة، فالريادة برأينا إن جازت لأحد، فهي تجوز لشباب، لم يصلوا بعد إلى سن الثلاثين، قد بدأوا، باجتهادهم الخاص أو بدعم المؤسسات الحكومية أو الخاصة في المنفى أو المهجر، بأعمال معاصرة تركيبية كانت أو مفاهيمية أو فيديو آرت تتناول الحدث، ولم يعهدها السوريون سابقا بهذا الكم.


■ ■ ■


في فقرة أخرى يتكلّم عرابي عن رحيل أغلب أعمدة جماعة العشرة. وأن من بقي منهم هم "جماعة البرزخ" الذين عرفوا خطأً بـ"جماعة حمص" وعلى رأسهم عبد الله مراد وكرم معتوق.

هنا يثير انتباهنا، بل لنقل تعجبنا أمران اثنان: فهو يتكلّم عمن بقي من جماعة العشرة ولا يأتي على ذكر تعبيريين مخضرمين مثل خزيمة علواني (1934) وإلياس الزيات (1935)، بل يذكر اسم جماعة جديدة هي "جماعة البرزخ" (لا نعرف على ماذا التقوا أو ما مضمون المانيفستو الذي يُعرّف مبادئ البرزخيين). ولا نتهاون هنا في حالة علواني والزيات مع مشكلة الذاكرة، أو ضيق مساحة المقال في ذكر الأسماء.

وبالمناسبة، لقد عدّ عرابي يوماً الزيات مع فاتح المدرّس كأهم حاملين لخصائص التعبيرية السورية، وذلك في تسجيل خصّنا به في باريس عام 1999 حين كنّا في بداية بحثنا حول نشوء الفن الحديث في سورية.

أما النقطة الثانية، فهي أن عرابي ينتقد من عَرَّف المصورين المتحدّرة أصولهم من مدينة حمص بأنهم هم "جماعة حمص"، وقد كان هو أوّل من أطلق تسمياتٍ، اعتمدها البعض بشكل ببغائي، كمدرسة حمص أو مدرسة حماة ولا نعرف ما هو بالضبط ما يجمع أعضاء هذه المدرسة سوى خانة المواليد (راجع المقدّمة التي كتبها لكرّاس المعرض الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس للفن السوري المعاصر سنة 2001 أو حتى في مقالته عن حداثة الفن السوري المنشورة في مجلة نزوى عدد يناير/كانون الثاني 1996).


■ ■ ■

من التعريفات الجديدة لعرابي في مقالته هذه هي "الفن الكردي"، فيضع فاتح المدرّس كرائد فيه وأعطى "قيادة" هذا الفن لبشار العيسى. لا نعرف في الحقيقة إن كان هذا مما تصح تسميته بفنٍ كردي، هنا بالطبع نقصد الفن التشكيلي، فالأكراد من فناني سورية متماهون في المشهد التشكيلي السوري، فلا نستطيع أن نميّز أساليبهم أو حتى مواضيعهم عن مواضيع زملائهم من غير قوميات، اللهم إلا تصوير البعض لأراضٍ تقاسموها في تاريخهم مع بقية السكان.

فلننظر على سبيل المثال إلى أعمال من ذكرهم، ومقارنتها مع أعمال بهرم حاجو وعمران يونس وعادل داود، وهم من ثلاثة أجيال لنستطيع البت في الأمر. ولا ننسى المثال الصارخ الفنان الراحل برهان كركوتلي (1932-2003)، الشامي الروح والريشة والفلسطيني الملتزم في آن.

ما الجديد في التعبيرية السورية غير تسمية "جماعة البرزخ" و"الفن الكردي"؟ فهذا الذي لم نعثر عليه في المقالة، بل كنّا مع تكرار لأسماء مقرّبة منه وتغييب أسماء أخرى، سنقول إن سبب التغييب هو الذاكرة. يقول عرابي في بداية المقالة: "بذلت عمري الفني والأكاديمي لتوثيق الفن العربي"، ويبدو أن هذا "التوثيق" لا يشمل الفن السوري.


* فنان تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا

المساهمون