الفن وتقليب الصور

25 أكتوبر 2018
الصورة
(من أعمال أنس حمصي المنشورة على حسابه في فيسبوك)
+ الخط -

قبل بضع سنوات، أشار أحد النقاد في مقالة له إلى أننا قد قدّمنا إلى جانب اللوحات الحديثة أعمالاً قديمة سبق وأن عُرضت قبل سنوات كي، والكلام دائماً للناقد، "نصنع جسراً للذاكرة" بين ما شاهده الجمهور سابقاً، وما شاهده في المعرض الذي يتكلم عنه في ذلك الوقت.

في الحقيقة، كانت الأعمال جميعها تُعرض لأول مرة على الجمهور، لكن القصة، وكما فهمنا لاحقاً، أن صديقنا قد اختلط عليه ما كنّا ننشره على صفحات التواصل الاجتماعي وقد كان يتابعه، مع ما عُرض آنذاك على الجمهور خارج العالم الافتراضي، فظن أن ما يعرفه من أعمال قد رآها سابقاً على الواقع.

هذه الحادثة قد جعلتنا نتردّد في نشر أعمالنا على النت نحن أيضاً قبل عرضها على الجمهور. الجمهور؟! أوليس جمهور مواقع التواصل الاجتماعي هو جمهورٌ أيضاً ويستحق مشاهدة الأعمال؟ وهل يتضارب عرض لوحة على النت مع عرضها في الصالة؟

يُجمع الكثيرون على أن المعرض هو حدث ثقافي يقدم فيه الفنان آخر ما أنجزه أو آخر تجاربه خلال فترة من الزمن في صورة متكاملة، فكيف له أن يجتزئه أو يقلل من بهجة الأعمال أو "يحرقها" بنشرها على النت قبل أن تُعرَض حيّة في الصالات. لكن البعض لا يجد ضيراً في نشر جديده على النت قبل الصالات، بل يعتبر أن مشروعه مستمر لا تؤثر فيه هذه العملية، كما يجد في صفحات التواصل "منبراً مجانياً هاماً في متناول الجميع ومفتوحاً على الجميع كي يقدم من خلاله مشروعه الفني" كما يحدثنا الفنان السوري ضياء الحموي.

وفي تصريح لموقع قناة "DW" الألمانية، يرى بولنت غوندوز، الفنان والناقد الألماني، أن من إيجابيات العرض على مواقع التواصل الاجتماعي؛ الوصول إلى شريحة كبيرة من الجمهور والتي لا يمكنها أن تأتي إلى قاعات العرض التقليدية.

وإذا ما راقبنا صفحات الفنانين في العالم الافتراضي، فسنجد أن القليل من الفنانين المعروفين لا سيما ممن تعدوا سناً معينة من العمر يُقبلون على نشر أعمالهم الحديثة وأحياناً حتى القديمة، بينما يسارع الكثير من المبتدئين والشباب إلى نشر ما ينجزونه.

ولا نأتي بجديد إن قلنا إن الشباب هم أقرب إلى التكنولوجيا من الجيل القديم وأكثر إيماناً به: "أنا ابن ثورة المعلومات والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي"، يقول لنا الفنان السوري الشاب أنس حمصي.

لقد قدّمت مواقع التواصل حمصي إلى الجمهور، وكذلك عرّفت به الصالات، الأمر الذي ساعده على إقامة أول معارضه الفردية سنة 2012 في بيروت، كما تساعده حالياً على تسويق أعماله بشكل أسرع كما يحدّثنا. وهذا ما حدث مع كثيرين أيضاً ومنهم الفنان الشاب عادل داود الذي وصلت صور أعماله عبر النت إلى أصحاب الصالات في فيينا، مدينته الجديدة، الأمر الذي ساعده على الولوج إلى هذا العالم العصي على الكثيرين من "الغرباء".

ينشر حمصي "ما يحب أن يَنشر"، ويرى في النت "فضاءً مناسباً للعرض المبدئي، ولتصل فكرة سريعة عن الفنان" وهو ينشر بشكل عام "ما تمّ عرضه في الصالات، لكي لا يشعر زائر المعرض لاحقاً بأنه قد رأى هذا العمل من قبل، وبذلك يفقد عنصر المفاجأة". كما ينشر أحياناً أعمالاً لم تُعرض لكي يلفت النظر لما أنتجه حديثاً.

أما بالنسبة إلى داود فكان نشر الأعمال في بادئ الأمر طريقة للتواصل مع الآخرين، كذلك نوعا من التواجد خارج مرسمه، كونه يفضل العزلة والعمل فيه. لكنه بعد فترة وجيزة أصبح يتردد في نشر أعماله الطازجة، تاركاً ألقها للمعارض الحيّة و "هذا الأصح برأيي" يقول لنا.

ولكن، كم من الناس يرتاد صالات العرض؟ في الواقع، إذا ما قورن بجمهور العالم الافتراضي، فإن جمهور الصالات محدود وقليل، في المقابل، فإن المواقع الالكترونية ولا سيما صفحات التواصل الاجتماعي تقوم بخدمة لا توفرها الصالات وهي أن شرائح مختلفة من المجتمع تستطيع من خلال الصور مشاهدة الأعمال الفنية من دون التنقل أو حتى الخروج من المنزل، وجزء كبير من هذه الشرائح لم يفكر ربما يوماً في الدخول إلى الصالات ولو كانت على بعد أمتار من منزلها أو من مكان عملها.

وهكذا يصبح الفن التشكيلي مفتوحاً على عامة الجماهير، وقد يُشعل ذلك فيهم الرغبة في الاهتمام أكثر بهذه الفنون فيصبحون من رواد المعارض ومن المتذوقين لها وربما يحمسهم ذلك على الاقتناء.

في مطلع مقالة لها، تقول الناقدة اللبنانية ميموزا العراوي إن المعارض الفنية التشكيلية في لبنان، وهي بالطبع حال بقية البلدان العربية، "تعاني من غياب الزوار وقلة الاهتمام". ومن أسباب هذا بحسبها "سيطرة السرعة وسطوة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وإمكانية الاطلاع على الأعمال المعروضة في أي معرض على الشبكة العنكبوتية". وتخلص الناقدة إلى أن الجمهور "يريد صوراً ولا يريد لوحات".

تبدو الجملة الأخيرة مضحكةً بقدر ما هي صحيحة... تقليب الصور على هواتفنا المحمولة له لذة خاصة، يختلط فيه الخاص بالعام، اللوحات مع صور أطباق الطعام مع سيلفي النرجسيين... والموضوع لم ينته.


هاشتاغ الفن
لم يكن الفن متاحاً على نحو واسع النطاق، مثلما هو اليوم في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. من خلال البحث عن كلمة "فن" على انستغرام وتويتر، يمكن الفتح على عالم كامل من الفنانين الذين يعرضون أعمالهم عبر الإنترنت، إضافة إلى استعادة الأعمال الكلاسيكية التي نجت من اختبار الزمن. في الواقع، كان وسم #art في المرتبة الخامسة من الهاشتاغ الأكثر شعبية في انستغرام، أكبر غاليري للفنون في زماننا، لسنة 2017.

المساهمون