قناع أفريقي في دفتر إقامتي

28 مارس 2020
الصورة
من معرض في "متحف برانلي"، 2018 (لودوفيك مارتن)
+ الخط -

بدأنا في فرنسا بالتعرُّف عن قرب على سُمر البشرة، ونقصد الأفارقة، فهم موجودون فيها أينما اتّجهنا. جاء أغلبهم من بلدان كانت في الماضي القريب مستعمرات فرنسية. اكتشفنا أنَّ منهم من، عندما يبدأ بالضحك لا ينتهي بسهولة منه، حتى ولو كان في مكان عام، حتى إنك في غالب الأحيان تضحك بالعدوى أو كما نقول "ع الريحة"، أي من دون أن تعرف عمّا يتكلّمون أو عن سبب الضحك.

وفي خُلُق بعضهم قليلٌ من الحدّة، مثل فنّان مررنا به وهو يرسم بين زملائه في ساحة حيّ الفنانين الباريسي "مونمارتر". كنت يومها مع صديقة لي حينما تابعناه يصوّر لوحةً فيها أقنعة أفريقية، فقالت بالعربية إنه يصوّر أقنعة مثل بيكاسو. لم يكن صوت الصديقة مرتفعاً، لكن حساسية الكلمة بالنسبة إليه كانت كافية، فالتقط صاحبنا كلمة بيكاسو وفهم ما تقصده، ونظر إلينا بغضب مزمجراً: "نحن الأصل، وبيكاسو يقلّدنا". هززنا برأسينا موافقَين ومضينا.


■ ■ ■


في ضاحية بانيو الباريسية؛ حيث سكنتُ قرابة سنتَين من الزمن، يُقام سوق لعرض البضاعة على ساحة محدّدة مرّتَين في الأسبوع. هي تقاليد موجودة في كل فرنسا وربما في كل الغرب الأوروبي. يمكنك أن تشتري فيه الخضار والفواكه، اللحوم، الخبز، كذلك بعض الحاجات المنزلية والمصنوعات اليدوية. كنت أذهب بنيّة "الفرجة" أكثر من غرض التبضع.

في أحد هذه الأيام، كان شاب أفريقي يبيع بعض الأشغال اليدوية التقليدية وأغلبها منحوتات من الخشب. اقتربتُ منه أتفقّد البضاعة من حلي بسيطة وجميلة وتماثيل خشبية صغيرة. من بين ما كان يعرضه أقنعة، أحببتُ واحداً منها. وعندما سألته عن ثمنه قال لي: 40 يورو، وأردف شارحاً: هذا قناع "أونّا" الأم الحارسة من داهومي.

رغم أن للقناع مقدّمة هجومية تتمثّل في خط من النتوءات المدبّبة، إلّا أنه بالمقابل كان وجهاً ضاحكاً وسعيداً قد أحببته. قلتُ له إنه مرتفع الثمن بعض الشيء، وأقمنا تفاوضاً سريعاً في السعر انتهى إلى خصم صغير أرضى طرفَي النزاع. أعطيته النقود وأخذتُ القناع في كيس بلاستيكي مستعمَل، ثم ودّعته فتمنّى لي نهاراً سعيداً.

عندما وصلت إلى البيت فرحاً بصفقتي الرابحة هذه، بحثت في النت عن داهومي؛ الاسم الذي ظلّ عالقاً في ذاكرتي من أطلس جغرافيا قديم كان لدينا، فإذا هي بنين. ولا أعرف لماذا قال لي إنه من داهومي، هو اسم بلاده حتى سبعينيات القرن الماضي. كانت على وجهه ثلاثة أثلام مزدوجة خطّتها ربما آلة حادّة بعد مرورها على النار، عرفتُ أنّها تدلّ على معتقده الديني.


■ ■ ■


على مقربة من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، تكثر صالات الفنون التي نتردّد عليها كلّ فترة. ويحتلّ الفن الأفريقي البدائي والفطري موقعاً لا بأس به في عدد الصالات التي تهتمّ بتسويقه. تُحفٌ خرجت من بلادها أحياناً كثيرة بطرق غير مشروعة، لا تقلّ قيمة بعضها عن قيمة بعض أعمال الفنّانين الأعلام. أمّا المتاحف، الأوروبية بشكل عام، فقد بدأت بعملية الاقتناء في القرن العشرين مع اهتمام البعثات العلمية بحضارات تلك الشعوب.

ولعل أهم حدث في هذا الشأن هو افتتاح "متحف برانلي" في باريس على مقربة من برج إيفل، في عهد جاك شيراك سنة 2006. يضمّ هذا المتحف بالإضافة إلى الفن الأفريقي القديم، الفنون البدائية والفطرية لحضارات آسيا وأميركا وأوقيانوسيا، (أو بالأحرى كل ما هو غير أوروبي)، وقد تجاوز عدد زوّراه في السنوات العشرة الأولى، العشرة ملايين زائر.

لا نستطيع بالطبع أن نضع قناعنا "أونّا" الذي كلّفنا مبلغاً زهيداً في خانة القطع الثمينة أو المتحفية، وإن كان يحمل مهارة في الصنعة ومظهراً يوحي بالقِدم. لكنه يذكّرنا ببيكاسو حين وضع قناعين لاثنتين من نساء آفينيون (البعض يرى ثلاثة أقنعة)، واحدة من أشهر لوحات القرن العشرين، والتي وقّعها في سنة 1907، معلناً بداية حقبة جديدة من تاريخ الفن الحديث.

لم يخطئ صاحبنا في الحقيقة في أنهم الأصل، لكنّ بيكاسو نبّه إليهم وجعل معلّمين كباراً يهتمّون بالفن الأفريقي البدائي، وعلى رأسهم الفرنسيّان جورج براك وهنري ماتيس وكاتب هذه السطور في عمل بسيط من دفتر إقامته في باريس!


* فنّان تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا