الجيلالي الغرباوي.. سيرة بالألوان والوثائق

26 سبتمبر 2020
الصورة
(من المعرض)

في اللحظة التي عُثر فيها على الجيلالي الغرباوي ميتاً على مقعد في ساحة شان دو مارس بباريس، لم تكن الحركة التشكيلية المغربية قد استوعبت بعدُ الحداثة التي أسّس لها من خلال أعماله التجريدية التي تشكّل امتداداً للتراث البصري في تاريخ بلاده بما يتضمّنه من رموز وعناصر وعلامات.

خاض الفنان المغربي (1930 - 1970)، مغامرته ضمن تيار برز بعد الاستقلال، ضمّ أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، أعلن تمرّده على الأسس المدرسية التي كانت قائمة على تقديس الحرف والفنون الشعبية التي كرّسها المستعمر الفرنسي باعتبارها التمثيل الوحيد للفن في المغرب.

"الغرباوي: الجذور السامقات"، عنوان المعرض الذي افتتح في "متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر" بالرباط، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، ويتواصل حتى الثامن من شباط/ فبراير المقبل، حيث يعرض أكثر من سبعين عملاً للغرباوي. يستعيد المنظّمون سيرة الفنّان الراحل أيضاً من خلال عرض متعلّقاته الشخصية، من كتالوغات، ورسومات معارضه، ومشاريع كتب ومذكّرات، بالإضافة إلى أرشيف الصحافة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي للوقوف على تجربته المؤثّرة في الفن المغربي، والأفريقي عموماً.

احتفاء بالفنان الذي منح أبناء جيله تنظيراً لمرحلة بأكملها

لا يغفل المعرض البعد التراجيدي في حياة الغرباوي الذي وُلد في مدينة جرف الملح، وفقد والديه في العاشرة من عمره ليقضي بقية طفولته في ملجأ أيتام ويتعلم هناك مهنة يدوية، لكنه سيواصل تعليمه ويلتحق بمدرسة الفنون الجميلة التي غادرها بمنحة دراسية إلى باريس، ليحصل على منحة ثانية لدراسة الفن في إيطاليا، إلّا أنّ إحساسه بالاغتراب لن يفارقه بعد عودته إلى المغرب.

في عام 1955، سيرسم أول لوحة تجريدية عرفها تاريخ الفن المغربي، معبّراً عن شغف بالخطوط الغرافية والشكل والفراغ، والتي ستظلّ ملجأه الوحيد من اكتئاباته التي قادته إلى محاولة الانتحار عدّة مرات، كانت تفشل جميعها، لكن نوبات الهستيريا ستلازمه حتى النهاية.

وفي تعليق للغرباوي، عُرض ضمن الوثائق التي تستعيد حياته، يتذكّر الفنان عودته إلى المغرب عام 1956، حيث عرض بعض أعماله في الرباط وطنجة، وأثارت دهشة الزوار، فيدّون: "لقد كان شيئاً جديداً بالنسبة إليهم. لذلك أصرّ على حقيقة أن المغرب قد عرف معي فن التجريد في الرسم، ثم مع الشرقاوي من بعدي.. أمّا التجريد بشكل عام، فقد قدّمته بالطبع فنون الزخرفة والعمارة الإسلامية".

يتضمّن المعرض لوحته الشهيرة "تفتّح" (1968)، التي وصل سعرها إلى أكثر من سبعة ملايين درهم مغربي في آخر مزاد فني، وهي تنتمي إلى فترة متأخّرة قدّم خلالها أعمالاً تجريدية حرّة تركّز على حركة الفرشاة، وتبرز عن قصد أثر يد الفنان الذي لجأ إلى طبقات الألوان السميكة، ممّا يسلّط الضوء على تفاعل الألوان والخطوط، بعد لوحاته الأولى التي اتّبع فيها أسلوباً تجريدياً هندسياً.

يأتي المعرض احتفاءً بفنّان منح أبناء جيله تنظيراً لمرحلة بأكملها حين كان التشكيل المغربي يتقدّم بخطوات واثقة نحو حداثة مكّنت أجيالاً لاحقة من مراكمة إبداعاتها، كما أنه تعامل بنديّة مطلقة مع أقرانه من الفنانين الفرنسيين في فترة كان الفنانون المغاربة بأمسّ الحاجة إلى الاعتراف لا الإلحاق بمشهد غربي يعود تاريخ اللوحة فيه إلى أكثر من ستّة قرون.