"وصيفات الشرف" لـ دييغو فيلاسكيز: موضعة الناظر في اللوحة

30 سبتمبر 2020
الصورة
لوحة "وصيفات الشرف" لـ دييغو فيلاسكيز

توقّفتُ مطوّلًا قبل أيام أمام حوار بدا مكثّفاً في فيلم I’m thinking of ending things بين بطلة الفيلم الرسّامة وزوجين مسنَّين حول الرسم التجريدي والبورتريه. اتّفق الزوجان على أنَّ الرسم يجب أن يُظهر مهارة الرسّام في نقل تعابير الوجه، وبدا الزوجان متشكّكين تمامًا حيال قدرة الرسّامين التجريديّين الذين تستعصي لوحاتهم على الفهم والقبض على مداليلها.

الفنّانة الشابّة، التي بدت مرتبكة إزاء الفكرة، نفت كونها فنّانة تجريدية، لكنها لا ترسم الوجوه، بل ترسم المناظر الطبيعية وتحاول أن تنقل الشعور الإنساني في هذه اللوحات. غير أنَّ الزوجين المسنّين تشكّكا أيضاً إزاء فكرة نقل المشاعر الإنسانية في لوحة تفتقد إلى العنصر البشري. الصمت الذي تلا تساؤل الزوجين، كان لافتًا أيضاً، ومؤسّسًا لنقاش لاحق حول موضعة ذات الناظر إلى اللوحة داخل هذه اللوحة من أجل أن تكتمل، إذ إنَّ المشاعر الإنسانية لا تنقل نفسها بنفسها دون محاولة الناظر أن يتماهى مع اللوحة، وبالتالي تكتمل العلاقة البصرية باللوحة من خلال التماهي.

وضع في هذه اللوحة كل ثقافته الفنية للدفاع عن فن الرسم

أخذني هذا الحوار السينمائي لإحدى لوحات الرسّام الإسباني دييغو فيلاسكيز، والتي اعتُبرت في ما مضى بمثابة "الأساس اللاهوتي لفن الرسم"، وقد تمّ الاعتراف بها لثلاثة قرون تلتها كمرجع فنّي للرسّامين الإسبان، وخصّص لها ميشيل فوكو جزءًا كاملًا من كتابه "الكلمات والأشياء". لوحة "وصيفات الشرف" (1656) لفيلاسكيز لم تعتمد فقط على ترتيب العناصر البصرية في اللوحة والاكتفاء بها، بل كشفت، من جملة ما كشفت، أنّ الناظر إليها، ويسقط هنا عنصر زمن التأمُّل فيها، هو جزءٌ أصيل منها، يكملها ويضيف إليها من هواجسه وأفكاره وزوايا نظره. ولعلّ هذا ما يمكن الافتراض أنه أهمّ ما حملته هذه اللوحة.

المفارقة الأولى في هذه هو تناقُض اسمها "وصيفات الشرف" مع الأضواء المركّزة على الأميرة الصغيرة الشقراء التي تتوسّط الوصيفات، فيما تظهر الوصيفات كلاعبات لأدوار ثانوية في اللوحة، أو "كومبارس"، وتظهر فيها مجموعة من العناصر غير الواضحة؛ مثل الرجل الذي على وشك المغادرة عند البوابة الخلفية، والرجل والمرأة الواقفين خلف الوصيفات وغير المنتبهَين لما يحدث.

الناظر إليها هو جزءٌ أصيل منها، يكملها ويضيف عليها

من حيث المحتوى، يقوم الرسّام، الظاهر جانب اللوحة، برسم الملك والملكة، لكنّهما لا يظهران مباشرة في مركز اللوحة، بل يظهران بشكل باهت، وبالكاد يُرى في المرآة في الخلفية، وبينما يقوم الرسّام بتركيزالنظر إلى الأجسام التي يريد رسمها (الملك والملكة)، فإنه ينظر إلى الجهة التي يقفان فيها بالتعاكس مع المرآة، وبالتالي فهو ينظر إلينا نحن المشاهدين والمتأمّلين. يقول ميشيل فوكو هنا: "إنه محض تبادل: إننا ننظر إلى لوحة وفيها رسّام يتأمّلنا بدوره... نحن مشاهدون لسنا إلّا مجرّد زيادة، وإذ نستقبل هذه النظرة، فإنّها تطردنا، ليحل محلّنا ما كان منذ بدء الأزمنة يتواجد هناك قبلنا: النموذج نفسه".

تاريخيًا، اعتُبر فنّ الرسم في القرن الخامس عشر تقريباً، فنًا وضيعًا، وتحديدًا الفنون المتحرّرة من الرسم الكنسي والرموز الدينية، لذلك قرّر الرسام فيلاسكيز أن يضع في هذه اللوحة كل ثقافته الفنية كدفاع عن فن الرسم، ورافعة له، وهو ما حدث بالمناسبة.

اللوحة غنية بالعناصر البصرية، بإضاءة ذكية قادمة من يمين اللوحة، تمنحها أريحية بصرية في غاية الفتنة، فيما تتكامل العناصر البصرية: الأشياء والأشخاص والإضاءة، كقصّة مكتملة الأركان، أبطالها لا يظهرون أصلًا في اللوحة، بل في المرآة الخلفية.

لم تكن هذه اللوحة الوحيدة التي يلعب فيها صاحب لوحة "خوان دي باريخا" (1650) بالفكرة البصرية القائمة على تبادل الأدوار، فقد سبقها بستّ سنوات بلوحة حملت اسم "فينوس عند مرآتها" يلتقط فيها المشاهدون وجه فينوس، إلهة الحب ومثال الجمال الأنثوي، من مرآة يحملها كيوبيد، فيما تظهر وهي مستلقية عاريةً على جانبها، وظهرُها مكشوف على كرسي طويل.

ويرجّح ناقدون أنّ اللوحة قد تم رسمها في روما، وهي مدينة أكثر ليبرالية من مدريد آنذاك، وما يجعل هذا العمل لافتًا هو أنه العمل الوحيد الباقي لإناث عاريات تظهر ظهورهن فقط لفيلاسكيز والأول الذي يلعب فيه لعبة المشاهدين والأجسام المتعاكسة.

هذا النوع من اللوحات مليء بالمتناقضات الذكية التي تعطي اللوحة عمقًا فلسفيًا لا يمكن القبض عليه من النظرة الأولى، بل تجعلك تفهم قصص الكثيرين الذين يقضون وقتًا طويلًا بالوقوف أمام اللوحات من أجل الحصول على حكايتها الخلفية ودلالاتها غير المحكية. وبالتأكيد هذه واحدة منها.


* كاتب من فلسطين