alaraby-search
السبت 17/08/2019 م (آخر تحديث) الساعة 19:30 بتوقيت القدس 16:30 (غرينتش)
الطقس
errors

عندما حوّلوا صدام حسين إلى رمز

17 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة
إضافة إلى الضحكة المتقطّعة والذكورة السمراء والطلّة البدويَّة وإطلاق الرصاص بالبواريد، إلا أنَّ جزءاً كبيراً من شعبيّة صدام حسين في العالم العربي قادمة من ظروف محاكمته وطقس إعدامه وتوقيته. 

صدام أُعدِم بسرعة وعلى عجل، وفي محكمة شكليّة تافهة تفتقر إلى أدنى درجات العدالة والنزاهة والتماسك الحقوقي. أعدم صدام بسبب مجزرة الدجيل، وهي أبسط مجازر أبو عديّ، إذْ لها أسباب عشائريَّة، وليس لها أي بعد إقليمي أو دولي أو غطاء سياسي، مثل المجازر الأخرى ضد الأكراد أو إبادة الشيعة العرب في الجنوب أو الحرب العراقية الإيرانيَّة.

صدام لم يُحاكم بسبب ارتكابات لها حيثيّات إقليميَّة وامتدادات دوليَّة، بل بسبب مجزرة داخليَّة معزولة. لأنّ سرد تفاصيل وظروف المجازر الأخرى سيكون فاضحاً للقوى الإقليميّة والدوليّة التي كانت على علمٍ بها، خصوصاً بعد الثورة الإيرانيّة وفترة الحرب (راجع: صفقات الأسلحة الغربيَّة لصدام لمواجهة إيران، بناء الفرنسيين لمفاعل "تمّوز" النووي، السلاح الكيميائي البريطاني المستخدم ضد الأكراد).  

من جهة أخرى، مشهد إعدام صدّام كان مشهدًا أبعد ما يكون عن العدالة والمدنيّة والوطنيَّة. لم يُعْدَم صدام كمجرم حرب أذى كل العراقيين، بل كعنوان ورمز للطائفة السنيّة، وكإعلان تدشين حقبة هيمنة الشيعية السياسية في العراق. طقس الإعدام الطائفي واستحضار الشعر الجاهلي والآيات القرآنية، رسم مستقبل العراق، وحوّل صدام إلى رمز رجولي مقاوم عند الكثير من الناس. آليّة إعدام صدام حدّدت شكل ومصير الدولة العراقيَّة ما بعد الغزو.

حالة القذّافي مشابهة أيضاً، إذْ صُفّي في مشهد شديد الوحشيَّة لا يؤسّس أبدًا لقيم العدالة والمدنيَّة، والتي يمكن البدء بغرسها بمحاكمة عادلة شفّافة يقوم بها الليبيون. حوّلت تلك المحاكمة صدام إلى بطلٍ عند آلاف الناس، ومنهم "مفاوض الثورة السورية" أسعد الزعبي الذي ترحّم عليه أخيرًا.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: صدام حسين النزاع الطائفي دارا عبدالله الأكراد العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 29 ديسمبر 2019 | لديّ تجربة شخصيّة مع نوبة الرعب، أو ما يسمّى بـ Panic Attack، الحالة التي تشغل العالم الأوروبي حتّى الآن.
    • مشاركة
  • 1 نوفمبر 2019 | قُتِل البغدادي، انتهى "الإرهاب" خلاص. انتصارٌ عظيم حققته حوالي 50 دولة تبحث منذ سنوات عن شخصٍ، لقبهُ الحركيّ، هو كنية ممثلة إباحيّة.
    • مشاركة
  • 25 أكتوبر 2019 | ما يحصل في لبنان هو ثورة، ويجب رفض أي مصطلحات أخرى مثل "حراك" و"احتجاجات". انهيار مقولة الطائفية كمصير أبديّ للبلد، وانتشار الثورة في مناطق لا تقتصر بلون طائفي واحد، والحضور الفاعل جداً للنساء والشباب، يؤكد جديّة الغضب
    • مشاركة
  • 21 سبتمبر 2019 | نحن من اعتقدنا أنَّ مُجرد إرادة النهوض الجماعي، هو أمر كافٍ لإحقاق التغيير، نقلقُ من كلفة التفاؤل، لأننا رأينا أكثر من ثلاثين ألف طفلٍ ميَّت، وأجنَّة أُخرِجَت من أرحام أمّهات موتى.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة

عندما حوّلوا صدام حسين إلى رمز

17 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة
إضافة إلى الضحكة المتقطّعة والذكورة السمراء والطلّة البدويَّة وإطلاق الرصاص بالبواريد، إلا أنَّ جزءاً كبيراً من شعبيّة صدام حسين في العالم العربي قادمة من ظروف محاكمته وطقس إعدامه وتوقيته. 

صدام أُعدِم بسرعة وعلى عجل، وفي محكمة شكليّة تافهة تفتقر إلى أدنى درجات العدالة والنزاهة والتماسك الحقوقي. أعدم صدام بسبب مجزرة الدجيل، وهي أبسط مجازر أبو عديّ، إذْ لها أسباب عشائريَّة، وليس لها أي بعد إقليمي أو دولي أو غطاء سياسي، مثل المجازر الأخرى ضد الأكراد أو إبادة الشيعة العرب في الجنوب أو الحرب العراقية الإيرانيَّة.

صدام لم يُحاكم بسبب ارتكابات لها حيثيّات إقليميَّة وامتدادات دوليَّة، بل بسبب مجزرة داخليَّة معزولة. لأنّ سرد تفاصيل وظروف المجازر الأخرى سيكون فاضحاً للقوى الإقليميّة والدوليّة التي كانت على علمٍ بها، خصوصاً بعد الثورة الإيرانيّة وفترة الحرب (راجع: صفقات الأسلحة الغربيَّة لصدام لمواجهة إيران، بناء الفرنسيين لمفاعل "تمّوز" النووي، السلاح الكيميائي البريطاني المستخدم ضد الأكراد).  

من جهة أخرى، مشهد إعدام صدّام كان مشهدًا أبعد ما يكون عن العدالة والمدنيّة والوطنيَّة. لم يُعْدَم صدام كمجرم حرب أذى كل العراقيين، بل كعنوان ورمز للطائفة السنيّة، وكإعلان تدشين حقبة هيمنة الشيعية السياسية في العراق. طقس الإعدام الطائفي واستحضار الشعر الجاهلي والآيات القرآنية، رسم مستقبل العراق، وحوّل صدام إلى رمز رجولي مقاوم عند الكثير من الناس. آليّة إعدام صدام حدّدت شكل ومصير الدولة العراقيَّة ما بعد الغزو.

حالة القذّافي مشابهة أيضاً، إذْ صُفّي في مشهد شديد الوحشيَّة لا يؤسّس أبدًا لقيم العدالة والمدنيَّة، والتي يمكن البدء بغرسها بمحاكمة عادلة شفّافة يقوم بها الليبيون. حوّلت تلك المحاكمة صدام إلى بطلٍ عند آلاف الناس، ومنهم "مفاوض الثورة السورية" أسعد الزعبي الذي ترحّم عليه أخيرًا.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: صدام حسين النزاع الطائفي دارا عبدالله الأكراد العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 29 ديسمبر 2019 | لديّ تجربة شخصيّة مع نوبة الرعب، أو ما يسمّى بـ Panic Attack، الحالة التي تشغل العالم الأوروبي حتّى الآن.
    • مشاركة
  • 1 نوفمبر 2019 | قُتِل البغدادي، انتهى "الإرهاب" خلاص. انتصارٌ عظيم حققته حوالي 50 دولة تبحث منذ سنوات عن شخصٍ، لقبهُ الحركيّ، هو كنية ممثلة إباحيّة.
    • مشاركة
  • 25 أكتوبر 2019 | ما يحصل في لبنان هو ثورة، ويجب رفض أي مصطلحات أخرى مثل "حراك" و"احتجاجات". انهيار مقولة الطائفية كمصير أبديّ للبلد، وانتشار الثورة في مناطق لا تقتصر بلون طائفي واحد، والحضور الفاعل جداً للنساء والشباب، يؤكد جديّة الغضب
    • مشاركة
  • 21 سبتمبر 2019 | نحن من اعتقدنا أنَّ مُجرد إرادة النهوض الجماعي، هو أمر كافٍ لإحقاق التغيير، نقلقُ من كلفة التفاؤل، لأننا رأينا أكثر من ثلاثين ألف طفلٍ ميَّت، وأجنَّة أُخرِجَت من أرحام أمّهات موتى.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة