هوامش على متن منهار (2)

هوامش على متن منهار (2)

13 يونيو 2021
+ الخط -

كمواطن صالح، أنت بالتأكيد خائف على بلادك ومستقبل أولادك من تداعيات بناء سد النهضة، لكنك أيضاً كمواطن لا يحب البهدلة والاختفاء القسري، خائف على نفسك وقفاك من تداعيات طرح أسئلة عن كم الفشل المذهل الذي حصل في إدارة هذا الملف خلال السنين الماضية، وفي الوقت نفسه لأنك رجل لديه الحد الأدنى من الاحترام للنفس، ليس لديك استعداد للتعريص "بتاع كلنا ثقة في الرئيس القائد مهما حصل"، أحياناً تتمنى لو اخترت السكوت والتفرغ لأكل عيشك، لكنك تشعر بأن هذا ليس اختياراً مناسباً لأنه يخص موضوعاً مصيرياً ولا بد أن تدلي بدلوك فيه لكي تشعر أنك حي وترزق وصاحب رأي وموقف، لذلك، ومع أنك لا تعرف ما الذي يحدث فعلاً في هذا الموضوع الذي لا يسمح لك أحد بمعرفة معلومات حقيقية فيه، ولا تعرف ما الذي يمنع الفشل السابق أن يتكرر في المستقبل، لذلك ستقرر أن تكتب على حسابك الشخصي عبارات آمنة وسهلة الفتح من نوعية "قد نختلف مع النظام لكننا لا نختلف مع الوطن"، لتشعر أنك أرضيت ضميرك ولم تخسر البيه الضابط، لكنك صدقني ستندهش في أول تحقيق من مستوى ذكاء الضابط حين يسألك بعد شخرة طويلة: "وإيه بقى اللي مش عاجبك في النظام يا حيلتها؟".

...

"في هذه الأزمة الوجودية التي تخص نهر النيل، قررنا أن نتبع خطة جديدة، سنسير وراء نفس الشخص الذي فوّضناه على بياض قبل ذلك، وتنازلنا عن حقنا في محاسبته وسؤاله، وسمحنا له أن يغرق البلاد في الديون والقروض ويحفر الشعب على الناشف ويخرس أي صوت معارض ويحتقر العلم والتخطيط ودراسات الجدوى، على أساس ممكن هذه المرة ربنا ينفخ في صورته، ولو ربنا لم يأذن وأراد أن ينفخنا نحن، فلا اعتراض على قضاء الله، المهم ألا نكف عن الشعور بوطنيتنا حماها الله".

أقرأ على "التايم لاين" كل يوم كلاماً تلخص الفقرة السابقة مضمونه وإن لم تستخدم نفس عباراته فأقول لنفسي وأقول لأصحابه: والله، لو كانت الوطنية تعني التهليل الفوري لأي خطاب حنجوري أو تصريح متقن الكذب، مع التنازل عن الحق في السؤال والمحاسبة والانتقاد، وتأجيل الاعتراضات والملاحظات لكيلا تفسد لحظة النشوة الوطنية، فالله الغني عن وطنيتكم، والحمد لله على أنني لم أتقدم لنيل صكوكها من زمان، وأسأله ألا يحوجني لنيل صكوكها حتى آخر الزمان.  

...

 يسعدني أن تذكرني بأخطائي وعيوبي، ويؤسفني أن تحاول اختزالي فيها، وهو ما ستكتشفه حتماً يوماً ما حين تجد من لا يكتفي بأن يهديك عيوبك، بل يحرص على اختزالك فيها.

...

مشاعر النخوة والحميّة والشهامة التي تتملك الذكور والإناث من المصريين بقوة حين يشكون في شرعية اجتماع أو جماع ذكر بأنثى في أي من شقق العمارة، تموت فجأة حين يكون الذكر المجتمع أو المجامع ضابطاً أو مسنوداً أو تكون الأنثى لها علاقة ما بضابط أو مسنود، وهو ما ينفي عنها أي علاقة بالنخوة أو الحميّة ويجعلها مشاعر استنطاع واستعراض للقوة المتوهمة على من هم أضعف، لأن مشاعر النخوة والشهامة تستحق هذا الوصف حين ترتبط برد الظلم أو بنصرة الضعيف.

...

في المستقبل القريب جداً سيكون من شروط قبول الصداقة على مواقع التواصل الاجتماعي إرسال قائمة مسبقة بالمحرمات والمحظورات والمكروهات التي يفضل الطرفان عدم إبداء الرأي فيها، سواء كانت تخص مواقف سياسية أو دينية أو أساتذة لا يجب نقدهم أو كتب وأفلام وأغاني يستحسن عدم مناقشتها، لأن المستقبل سيكون للتلايك الاجتماعي وحده، خصوصاً بعد أن بثت أن من قال إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، قام بتغيير رأيه واكتشف متأخراً أن الحياة يستحيل أن تمر بدون "البلوك".

...

ملاحظة من وحي قراءة الكثير مما يكتبه أصدقاء محبطون لأن أحداً لا يهتم بتقييم ما يقدمونه من أعمال ولا يقوم بالثناء عليه:

الحياة صعبة ورخمة ومليئة بالخوازيق، والكلام الحلو لا ينجيك من الخوازيق، لكنه يخفف من ألمها، والكلام الغتيت معدوم الإحساس يزيد الإحساس بوطأة الخازوق، لكن يبقى أن أهم شيء في الحياة هو العمل، وقيمته ستظل أهم من آثاره اللحظية ومن تداعياته، وحينها سيكون الكلام الحلو أو الغتيت مجرد آثار جانبية مريحة أو مقرفة، لكنها لن تغني عن الرجوع إلى مصدر القيمة الأساسي، العمل، أدامه الله علينا، وكفانا شر البطالة والفَضا والتعلق بآراء العباد.

...

من الطبيعي أن تفلت منا المواقف طالما انشغلنا بالشأن العام، يحاول الإنسان فقط أن يحصر زلاته في أشياء لا علاقة لها بتأييد قتل وقمع الآخرين مهما اختلف معهم، ومهما جلب له ذلك الاتهام بالسذاجة، لكن فيما عدا ذلك من الطبيعي أن تختلف المواقف وتزلّ فتجد من يعبر عن صدمته فيك لأنك اتخذت هذا الموقف أو زللت تلك الزلّة، وأعتقد أن تكرار التعبير عن الصدمات في الكتاب والفنانين والشخصيات العامة له علاقة ببؤس الحياة السياسية في بلادنا التي جنى عليها احتكار أجهزة الأمن للسياسة من قديم الأزل، فلو كان لدينا حياة سياسية طبيعية لما كان مطلوباً من الكتاب والفنانين أن يكونوا رموزاً سياسية ولا أن يعاملهم أحد كذلك، ليصيروا فقط مواطنين أصحاب رأي تتفق معهم في أشياء وتختلف معهم في أشياء، لكن بؤسنا السياسي منح للكتاب والفنانين والمذيعين أدوار الزعماء، ليسوا فقط هم الذين تصوروا أنفسهم كذلك، الجميع يتعامل معهم بوصفهم كذلك، فأصبحوا يشغلون مكاناً في الحياة أكبر بكثير مما يشغله الكاتب أو الفنان أو المذيع في أي مكان في العالم، وبالتالي لم يعد كثير من هؤلاء يهتمون بجماليات كتابتهم أو فنهم أو إتقان وظيفتهم، بقدر اهتمامهم بالتعبير عن مواقف سياسية صاخبة تجعلهم محط الأنظار طيلة الوقت، وأصبحوا يتعاملون مع وظيفتهم الأصلية بوصفها شيء ثانوي لا يستحق كل الاهتمام والانشغال، وأصبحوا من أبرز معالم بؤسنا المثير للكآبة والقرف.

ربنا يكون في العون، ويعفو عن زلاتنا وينجينا من هذا البؤس الذي طال وبوّخ أكثر من اللازم.