من صيد الفيس بوك (2)

من صيد الفيس بوك (2)

06 مايو 2021
+ الخط -

أربكتني السيدة التي تعلق صورة السيسي على واجهة حسابها الشخصي في موقع (فيس بوك)، حين أرسلت لي رسالة وجيزة غاضبة تقول: "اخرس يا ابن الكلب يا سافل يا يهودي الدونمة"، وربكتي جاءت لأن حكاية يهود الدونمة هذه تخص مهاويس الشرعية والشريعة من وقت طويل، فقد توارثوا أباً عن جداً حكاية أن الخلافة الإسلامية لم تكن تعاني من أي أزمات أو مشاكل إلى أن قضى عليها مصطفى كمال أتاتورك الذي كان من يهود الدونمة، وبالتالي فإن كل من يعتبرونه علمانياً ومعادياً للخلافة الإسلامية وللإسلام ذات نفسه، يصح أن يكون من يهود الدونمة، إن لم يكن بالانتماء فبالولاء، ولذلك استغربت أن تأتي تهمة يهود الدونمة هذه من الجهة السيساوية، ففكرت أن أسأل الشاتمة الكريمة عن مصدر التهمة، لعلي أفهم متى نزلت سوق الوطنية، خاصة أن السيسي لم يعد مهتماً بإخفاء أوضاعه الغرامية الملتهبة مع إسرائيل منذ سنوات.

كنت في ساعة فَضا، فقررت أن أدخل على صفحة الشاتمة الكريمة لآخذ لفة سريعة قبل أن أرسل إليها رسالة الاستفهام، وكان أول ما لفت انتباهي أن أغلب أصدقائها المتفاعلين مع ما تكتبه، وبعضهم حريص على أن يسبق اسمه بلقب الدكتور أو المهندس، لا يضعون صوراً تعرف بشخصياتهم، بل يستبدلونها بصور لأصداغ السيسي الضاحكة، لكنها بعكسهم اختارت في صورتها التعريفية أن تضع له صورة يظهر فيها جاداً ومهموماً بأحوال الوطن، أما الـ cover photo فقد اختارت له صورة سماء ملبدة بالغيوم في طرفها شمس غاربة بين الأطلال وكتبت على الصورة "الطقس اليوم هو حصيلة ما يتم رشه من الكيمتريل وحصيلة ما يتم توجيهه من أشعة هارب عبر الخونة". 

لو كانت هذه السيدة تعبر عن قلة سيساوية مندسة لهان الأمر، لكنها للأسف تعبر عن ملايين من المصريين، لن يكون ثمن إفاقتهم من تشبيكة الأوهام المركبة سهلاً،

كان يكفي ذلك لكي آخذ ذيلي في أسناني وأغادر حسابها سريعاً قبل أن يصيبني سحر أسود رصّدت به الأكاونت لتقوم بتأمينه من زيارات الخونة، لكن الإنسان طماع، ولذلك شوّقني ما قرأته لكي أواصل التجوال في الحساب، فوجدت أن أول بوست لديها في الصفحة منقول عن صديق سيساوي وصفته بأنه مطلع على بواطن الأمور، حكى فيه بنَفَس ملحمي إغريقي كيف تصدت الغواصات البحرية المصرية بقيادة السيسي ذات نفسه للطائرات الأمريكية في 30 يونيو، وإذا كنت تظن أنني أخطأت نقل ما قرأته وأن الكاتب كان يتحدث عن الطائرات الحربية، فيبدو أن وطنيتك ضعيفة، بعكس السيدة وأصدقائها الذين تباروا في الثناء على كاتب البوست، لأنهم واثقون في قدرات الغواصات البحرية كما حرص الكاتب أن يصفها ـ كأن هناك غواصات برية أو جوية ـ لكن واحداً منهم قرر أن يقدم خدمة إضافية يرد بها على ضعاف الوطنية، فأوضح أن الغواصات أطلقت صواريخ بحر جو تمكنت من إفزاع الطائرات الأمريكية المذعورة التي لم تدر من أين جاءها الضرب، فغادرت سماء مصر المحرقة وعادت إلى قواعدها نافدة بجلدها.

في البوست السابق مباشرة، أعربت السيدة الجليلة عن اهتمامها بقضية الحرب المناخية على مصر، فشرحت بتفصيل أكثر ما كتبته في الصورة التعريفية، وقالت لمتابعيها إنه بسبب ما تقوم به أمريكا من رش لأشعة هارب وغاز الكيمتريل على سماوات مصر، حدثت لخبطة أدت إلى القضاء على جو مصر العظيم الذي كان في السابق "حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاءً"، ليمتد الحر حتى منتصف ديسمبر دون حيا ولا خِشا، ولأنها على ما يبدو كانت تدرك أن قدرات أعداء مصر في هذا المجال أقوى من أي محاولة للمقاومة، لم تقترح أن يتم الاستعانة بسلاح الغواصات البحرية بقيادة السيسي للقضاء على هذه الحرب الكيماوية، فحتى الغواصات البحرية لها قدرات، ولذلك تعاملت مع الموضوع بواقعية وختمت كلامها قائلة: "بس وما له نستحمل عشان مصر أحسن ما نتباع سبايا زي اليزيديين"، ولم يكن ممكنا بعد هذه الخاتمة الانهزامية إلا أن أسحب نفسي بهدوء من الأكاونت وأغلق الباب ورائي بالبلوك المتين وأنا أقول لنفسي: "الحمد لله إنها جت على قد يهود الدونمة".

لو كانت هذه السيدة تعبر عن قلة سيساوية مندسة لهان الأمر، لكنها للأسف تعبر عن ملايين من المصريين، لن يكون ثمن إفاقتهم من تشبيكة الأوهام المركبة سهلاً، خصوصاً ذلك المواطن الرائع الذي كتب عند سيدة الكيمتريل تعليقاً جاداً انفطر له قلبي من هول به من بؤس بئيس، فقد أوضح في "كليمات" قليلة عن وجود تنظيم دولي خفي يشارك فيه المئات إن لم يكن الآلاف من أصحاب محلات الملابس في شوارع المدن المصرية قائلاً: "كويس والله هما كده خدمونا عشان مش حنشتري الهدوم الشتوي إلا في نص شهر اتناشر، خليها تخلِّل بقى في المحلات ويفرحوا بأسعارها الغالية".

لله الأمر من قبل ومن بعد.