من الهرمية إلى الشبكية: تغييرات عميقة في العلاقات

08 فبراير 2021
+ الخط -

إلى أين تمضي المؤسسات التعليمية؟ وكيف يجري تنظيم التعليم والمهن والإجازة بممارستها؟ وكيف يتم تشغيل منصات التعليم والتطبيقات التدريبية والتي صارت متاحة وممكنة بنفقات أقل بكثير من تكاليف المدارس والجامعات والمراكز التدريبية..

تساؤلات عميقة وكثيرة جدا لدرجة تجعلك تقف حائرا تارة، ومتأملا تارة أخرى، ليأخذك إبراهيم غرايبة إلى طريقة تفكير بعيدة عما يدور حاليا في كتابه (من الهرمية إلى الشبكية) إلى آفاق أكثر رحابة من حاضرنا وأدواتنا، عندها يصعب عليك التكهن بمجالات تطبيقاتها على حياتنا المستقبلية.

الكتاب يلقي الضوء على عدة قطاعات وكيف ستتغير بفضل الشبكية لتأخذنا إلى الجيل الرابع من الإنترنت. ففي المشهد الإعلامي الذي وصل إلى فضاء مفتوح للتلقي والمشاركة بلا حدود ولا تنظيم، ستجد المؤسسات الإعلامية العريقة أنها تتنافس مع عدد لا يحصى من المنصات التي تقدم بسهولة ومن غير تنظيم ما تشاء من محتوى بالصوت والكلمة والصورة ومن وإلى جميع أنحاء العالم. فماذا تفعل الأمم إذن في إدارة وتنظيم هذا الفضاء؟ وكيف تحمي نفسها من الإشاعات والأخبار المزيفة؟

فقد أصبح الإنسان اليوم دائم البحث في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات السريعة وجذريتها، فأصبح البحث عن أولوية وأهمية أسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه وليحمي نفسه من هيمنة التقنيات الجديدة، وليرتقي بنفسه أولا، ثم يحلّ فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة. وستبرز الحاجة إلى أوعية جديدة لتنظيم علاقاته وبناء الصداقة.

ثمة سؤال بديهي عن الأخلاق والقيم المتوقعة في ظل الشبكية وبخاصة مع صعود الأزمات الاجتماعية والسلوكية اليوم على نحو غير مسبوق

وفي استعراض للتغييرات التي سنشهدها بفعل الشبكية، سنتعرف أن طبيعة البيوت وتصاميمها ستتغير تغيرا جذريا لأنها ستكون مقرا للعمل أيضاً، وهذا ما شهدناه خلال جائحة كورونا. وستتقلص كثيراً مساحات المكاتب، وبالمحصلة ستتغير أيضا عادات واتجاهات النقل وتصاميم الشوارع والطرق وأماكن السكنى والإقامة. كما ستتلاشى المدن العملاقة وتزدهر الضواحي والقرى، وتصبح العائلات كلها تعمل معاً وتنتج معاً، وهكذا ستعود العلاقات العائلية إلى تماسكها، وكأننا نرجع للمجتمع الزراعي مع تقنية بالغة التقدم!

وحتى الأوراق المالية ستحل محلها "عملات رقمية". ستضعف البنوك المركزية سيطرتها بسبب هذه النقود البلاستيكية التي تصدرها شركات مستقلة عنها، دون ضوابط وأنظمة. ناهيك عن المليارات من الناس الذين عبر الشبكة، يشترون ويبيعون، ويتبادلون المعلومات، وكل ما يمكن للمرء أن يدخله عبر جهازه من صحف وكتب وأفلام وموسيقى ومسرحيات، والاستشارات الطبية والقانونية، وأعمال التسويق والعقود والتأمين والتعليم. إنه سوق من عدة تريليونات دولار سنويا، ولا يقل عن ربع الاقتصاد العالمي.

ولكن مع هذا التسارع الهائل في المدنية واللهاث نحو الشبكية، ثمة مشكلات أخلاقية ستبرز لا محالة. والتحدي يكمن في إيجاد التوازن ما بين العالم المادي والروحاني.  فالعالم اليوم يحتاج إلى الروحانية التي توازن بين شعورنا بالعجز إزاء كثير من الأسرار المحيطة بنا، لمعرفة إجابات وجودية تعصف بنا: الحياة، الموت، الهدف من الوجود. ماذا سنفعل عندما تتمكن الهندسة الوراثية من تغيير شخصية الجنين؟ كيف سنتعامل مع الجرائم العابرة للحدود على الإنترنت؟

أما الشباب الذين يبيعون ويشترون من خلال الشبكة، ويتبادلون الآراء والمعارف والأفكار ويتحاورون ويتجادلون، وهم لا يقرؤون الكتب التي تنشر والصحف التي تطبع في بلادهم، كما لا يستمعون إلى إذاعاتها وتلفزيوناتها، لكنهم في الوقت نفسه منخرطون في عمليات تفاعل ونقاش وإنتاج واستماع وقراءة وتعلم وتعليم وتصميم وبيع وتسويق وحوار، مستقلة ومختلفة عما يجري في عالم الواقع، هم في واقع الحال ينشئون عالماً جديداً مختلفاً، ويشكلون أفكارهم وعلاقاتهم المختلفة والمستقلة عما تشكل حاليا بطرق تقليدية، والحال أن ثمة حضارتين اليوم تعملان في فضاء واحد، ثمة عمليتان تسودان العالم: الهدم والبناء. وحتماً، فإن الحضارة الجديدة الزاحفة والمتشكلة تزيح الحضارة السائدة. إن إنساناً جديداً يظهر ويسود، ويختفي إنسان اليوم.

لذا، فإنّ الوعي العالميّ بهذا التّوجه بشقّيه –البنّاء والهدّام- سيقرّبنا بشدّة نحو الصّورة الطّبيعية المألوفة لهذا الكوكب بِلَوْنَيه الأزرق والأبيض الّذي يسبح في فضاء أسود لا مُتناهٍ، ويعكس لنا صورة تخبرنا بحقيقتنا كشعب واحد يعيش على أرضٍ واحدةٍ غنيّ بالتّنوع والتّعدّد. فلقد مرَّ الجنسُ البشريّ، بمراحل من التطوُّر تُشبهُ المراحل التي تصاحب عادةً عهد الطُّفولة والحداثة في حياة الأفراد.  وها هو الآن يمرُّ في الحقبة الختاميَّة للمرحلة العاصفة من سنوات المُراهقة، ويقترب من سنِّ الرُّشد الذي طال الانتظار لبلوغه.

إن مبدأ وحدة العالم الإنساني يضرب وتراً حساساً في أعماق الروح. وأثبتت الجائحة بأنه ليس مجرد شعار، ولكنه يعكس حقيقة أبدية بل وأخلاقية لوحدة البشرية جمعاء. وأتاحت الشبكية الفرصة لملاقاة مفكرين وقادة دينين متنورين وقد بدأوا في استكشاف المفاهيم الأساسيّة التي كانت غائبة عن الحوارات العامّة.  إنّها ليست سوى ومضاتٍ مُبْكِرةٍ، مع ذلك فهي تحمل في طيّاتها إمكانيّةَ أن تُسفر عن لحظةٍ من وعي جماعي.

ثمة سؤال بديهي عن الأخلاق والقيم المتوقعة في ظل الشبكية وبخاصة مع صعود الأزمات الاجتماعية والسلوكية اليوم على نحو غير مسبوق، وهي ظاهرة كما الأزمات الأخرى الجديدة لا يمكن فصلها عن التحولات والارتباكات المصاحبة للشبكية . كما سنحتاج إلى تأمل طويل لملاحظة التشوه الذي أصاب الإنسان على نحو متراكم بفعل التنشئة الاجتماعية والسلسلة الطويلة المتراكمة من المنظومات الاجتماعية والمؤسسية، كيف يستعيد ذاته وينعتق من كل هذا الركام ويكون في الوقت نفسه أقدر على تحقيق السلام؟ كيف يحل الضمير المنبعث من التعاليم الدينية محل المجتمع في التنظيم الاجتماعي والسياسي والبناء الإيجابي للعلاقات الاجتماعية؟ كيف ينظم الناس أنفسهم ومصالحهم من غير أحزاب ومنظمات اجتماعية.
ومن غير الإنصاف اختزال صفحات الكتاب التي تقارب على 400 في مقال، لأن مؤلفه، إبراهيم غرايبة يجعلك تحلل العالم من حولك، فالوضع ليس مخيفا ولا مطمئنا، لكنه مزيج من الخوف والتقدم.

وثمة حاجة ملحة اليوم باللحاق سريعا بالثورة الرقمية وإلى إشاعة الإنترنت لتكون مرفقاً عاماً متاحاً مثل الطرق والإذاعات والتلفزيونات، ففي بقاء الإنترنت خدمة غير متاحة، إلا مقابل تقديم المال، تحرم فئة واسعة من المواطنين من الحصول على المعرفة والخدمات. وليس هناك خيار سوى الدخول في التحول نحو الحوسبة والتشبيك، بالرغم من الآلام والخسائر في بداية الطريق، مثل ضياع فرص عمل، وعدم قدرة مديرين وعاملين كثيرين على الاندماج في البيئة الجديدة.

كيف يمكن إذن تجنب الأخطار والتحديات؟ والمستقبل يبدو غامضا ومنقطعا عن الماضي والحاضر، ماذا يحدث للعالم عندما يقدم الدين بــ"بداهة" علمية وتقنية ليجعل من موائمته مع العلم واستخدامه وتطبيقه متاحاً لكل أتباعه والباحثين في شأنه؟ ماذا يمكن أن تغير تكنولوجيا المعنى المتنامية والمتجهة إلى السيادة؟ سوف تكون المنظومة الدينية مفتوحة لسؤال المعنى وتحري الحقيقة، ويبدو بدهياً أنه يتحول أو يعود شأناً فردياً خالصاً نشأت من الحاجة إلى فهم الدين.

وأخيرا، لقد مُنح الجنس البشريّ اليوم الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف التي تجمّعت نتيجة النُضج المستمر في الوعي والإدراك. وفي هذا السياق، يبدو أنّ الإنترنت ماضٍ في طريقه في إحداث تغييرات عميقة في العلاقات الإنسانيّة ـ علاقات تطاول الأفراد والعائلات وأماكن العمل والمؤسّسات العامّة وحتّى الشّؤون الدوليّة.  هذه ظاهرة توضِّح كيف أنّ "الثّورات في العلوم والتقنيّة لا تُغيّر الأداء فقط بل تغيّر مفهوم المجتمع، وفي الحقيقة مفهوم الوجود نفسه".