ما لن تراه من إيميلات هيلاري

18 أكتوبر 2020

بتاريخ 14 يوليو/ تموز 2011 أرسلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون من مقر إقامتها في القاهرة، رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى مساعدتها هوما عابدين التي كانت وقتها في واشنطن وقد منعها إنجابها لابنها من مرافقة هيلاري في جولتها في الشرق الأوسط.

مع الأسف لم تهتم أي من المواقع الإلكترونية في الفترة الأخيرة بنشر هذه الرسالة لخطورة ما فيها، ولكشفها عن حقيقة الصراع الذي يجري في المنطقة منذ سنوات، ولذلك تواطأ الكل على أهمية حجبها عن القارئ العربي، وسأترك بين يديك نص الرسالة، وأعتذر عن أي زلّات في الترجمة:

"عزيزتي هوما: سننهي غداً زيارة القاهرة، كنت أتمنى أن تكوني معنا، كانت زيارة جميلة لكنها مرهقة للغاية، زحام المدينة وتلوثها مرعبان للغاية، كنت أحتفظ بصورة رومانسية لميدان التحرير الذي رأيناه في التقارير الإخبارية، لكن عندما زرته كان مختلفاً تماماً عما تصورت، كنت أتنفس بصعوبة من زحام المحيطين بي، أغلبهم يصيحون صيحات غير مفهومة، وبعضهم يعتقد أنه يتحدث بالإنكليزية، وأنا برغم الحر والعرق والغبار مضطرة لأن أبتسم للجميع وأؤكد لهم أنني أفهم ما يقولونه.

كان يفترض أن نذهب إلى مطعم قريب يبيع الوجبة الشعبية الأولى في مصر (الكشري)، أحد مسؤولي السفارة اختار مطعم كشري بالقرب من الميدان يحمل اسم (التحرير)، ظننت أنهم أطلقوا عليه هذا الاسم بعد الثورة، ثم اتضح أنّ المطعم يحمل الاسم من سنوات بعيدة، لكن الأمن المصري طلب منا إلغاء الفكرة بعد أن جاءت تقارير حول إمكانية اختراق مطبخ المطعم ووضع شيء ما في مكونات الصلصة التي يتم وضعها على الكشري، وهو ما قالوا لنا إنه يتسبب في حالات تسمم للبعض، في الحقيقة بدا لي وصف الجميع للطبق مغرياً، لذلك تحسرت على إلغاء الفكرة.

قبل حوالي ساعتين، اتصل بي جاك دانيال ضابط المخابرات المرافق لنا في جناحي بالفندق، وقال إنّ رئيس المخابرات الحربية المصرية اللواء عبد الفتاح السيسي يطلب مقابلتي على وجه السرعة، فتصورت أنّ هناك مصيبة وقعت وأنّ انقلاباً عسكرياً حصل للتو، وبدأت أفكّر في الاحتمالات المختلفة، لكنني فوجئت حين دخل رئيس المخابرات الحربية إلى الجناح، أنه يحمل معه كرتونة ورقية ضخمة، قال إنّ بداخلها "علبة كشري"، واتضح أنهم هنا يضعون الكشري في علب بلاستيكية ليسهل أكلها في أي مكان، وبرغم أنّ ذلك ليس صحياً، لكنني تأثرت بتلك الحركة جداً، خصوصاً حين قال لي السيسي إنه أراد أن أجرب مشاعر ملايين المصريين الذين لا يأكلون الكشري في المطاعم لضيقها الشديد، ويفضلون أخذها في عِلَب، بينما يفضّل طلاب المدارس أكلها في أكياس بلاستيكية يقومون بثقبها من الأسفل، وقد أصابتني القشعريرة حين تخيّلت الصورة.

اتضح أنّ الكرتونة الورقية تحوي إلى جوار العلبة عدداً من الأكياس بها سوائل مختلفة الألوان، يتم وضعها على الكشري طبقاً لرغبة الآكل، وقد سألني السيسي عن موقفي من الشطة فسألته: هل هي حرّاقة جداً؟ فقال لي: يعني على حسب، فطلبت منه ألا يضع منها الكثير، لكنني حين جربتها وقعت في سحر ما يطلقون عليه "الدقّة"، والتي أظن أنهم سموها بذلك الاسم لأنها تدق رأس من يأكلها من فرط اللذة، قال السيسي إن كل ما أكلته يتم إعداده في مطابخ متخصصة داخل القوات المسلحة، كنت أظن أنها تقوم بعمل الكشري للضباط والجنود، ثم اتضح أنّ الجيش يمتلك من الباطن سلسلة محلات كشري منتشرة في أرجاء البلاد، فلم أرغب في التعليق على ذلك بشكل سلبي احتراماً له.

بعد الكشري الذي جلب منه السيسي كميات كافية لجميع الزملاء، تناولنا سوياً كوبين من الشاي بالنعناع والقرنفل المزروعين في مزارع القوات المسلحة، وتبادلت معه حديثاً طويلاً عن تقييمه للموقف السياسي في مصر والبلاد المجاورة، وشعرت بارتياح أنني رأيته قبل سفري لأنني تعرفت منه على الكثير من الحقائق التي أخفاها عني جميع من رأيتهم.

دعيني أقول لك شيئاً يا هوما، هذا الرجل مدهش، وأظن أنه سيكون له مستقبل كبير في هذه البلاد، فقط لو تغلب على مشكلة العَرَق والبشرة الدهنية التي تشوش رؤيتك له بشكل واضح، لكنه يظل أفضل من رئيسه طنطاوي الذي أشعر أنه ينام على نفسه حين أتحدث معه، ونائب رئيسه سامي عنان الذي ينبعث الرذاذ من فمه طول الوقت بشكل مزعج.

قبل أن ينصرف قال لي السيسي إن الكشري الذي أعجبني جداً لا يقارن بالكشري الذي تقوم زوجته بعمله في البيت، وأن "الكشري البيتي" يعتبر دليلاً على تميز المرأة في الطبخ، ووعدته أن أقوم بزيارة منزله في زيارتي القادمة، لكنني استغربت حين قال لي بعد ضحكة غريبة: "ومن يدري ربما نأكل الكشري سوياً في قصر الرئاسة"، ولم أفهم هل كانت هذه دعابة أم زلة لسان أم رسالة يجب أن أقوم بتأملها؟ على أية حال، لدي الكثير من المفارقات المضحكة عن هذا البلد العجيب والجميل، سنحكي كثيراً حين نلتقي".

بتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الأول 2012 أرسلت هيلاري كلينتون من غرفتها في مستشفى والتر ريد العسكري الرسالة الإلكترونية التالية إلى مساعدتها هوما عابدين التي كانت تعاني وقتها من أزمة نفسية حادة؛ بسبب فضائح زوجها أنتوني وينر التي نشرتها الصحافة:

"عزيزتي هوما، أتمنى أن تكوني قوية في ظل كل ما يجري، أطمئنك أنا الآن بخير، لم تسبب الجلطة لي أي إصابات عصبية مباشرة، وهذا ما كان يقلقني، لن تصدقي ما قاله لي الدكاترة، اتضح أنّ كل ما جرى لي كان بسبب فيروس تسلل إلى الأمعاء، يقول الأطباء إنني ربما أكون التقطته خلال زيارتي إلى أوروبا، لكن سؤالهم لي عما إذا كنت آكل الشطة بكثافة، جعلني أشك في الكشري الذي أكلته في مصر العام الماضي، هل تظنين أنّ السيسي له علاقة بما حدث؟ لا أريد أن أظلم أحداً، لكنني لن أسامحه أبداً لا هو ولا الجيش المصري لو اتضح أنّ لهم علاقة بالموضوع، ابقي على اتصال. ملاحظة: لا تخبري أنتوني بشيء لكيلا يتسرب الخبر، ماذا أقول لكِ يا عزيزتي، أنا وأنتِ ليس لنا حظ مع الرجال، ملعون أبوهم ولاد كلب".

بتاريخ 3 يوليو/ تموز 2013 أرسلت هيلاري كلينتون من منتجعها الصيفي في ولاية نيويورك الرسالة الإلكترونية التالية إلى مساعدتها هوما عابدين التي كانت قد بدأت مباحثات الانفصال عن زوجها بعد تكرر فضائحه الجنسية التي نشرتها الصحف والقنوات التلفزيونية بكثافة:

"عزيزتي هوما، أنتظر زيارتك بفارغ الصبر، كوني قوية ولا تكرري خطئي وتسامحي هذا اللعين، قلتها لك من قبل وأكررها: ملعون أبو الرجالة ألف مرة. بالمناسبة هل تابعتي ما جرى في مصر اليوم؟ أخيراً فهمت ما كان يقصده السيسي في ليلة الكشري، اتضح إذن أنه كان يخطط للموضوع من زمان، لعلمك، الآن أصبحت أشك في أنّ ما جرى لي بسبب ذلك الكشري اللعين كان مقصوداً للإطاحة بي، لا تنسي أنّ المصريين يتعاونون مع الروس والصينيين منذ فترة والطرفان لديهما خبرة في موضوع تسميم المعارضين، هل تظنين أنّ السيسي وضع لي شيئاً له تأثير طويل المدى في الكشري؟ لا أدري، أنا الآن مشوشة، هل تظنين أنّ من الحكمة أن أخبر باراك ليفتح تحقيقاً في الموضوع، المشكلة أنني لو فعلت سأضطر لرؤية جون كيري بوجهه الشاحب كأنه خارج للتو من المشرحة، هل شاهدتِ كيف يفتي في كل شيء بمنتهى الجهل، على أية حال، قلبي ليس مرتاحاً لهذا الموضوع، لكن سأترك تصفية حسابي مع السيسي إلى ما بعد وصولي إلى الرئاسة، وحينها سأدعوه على الكشري في البيت الأبيض، وسأصنع له الصلصة بنفسي، لن أترك حقي بسهولة".

...
ليس عندي أدنى شك أنك تدرك منذ ثالث فقرة، إن لم يكن من أول فقرة، أنّ كل ما قرأته في السطور السابقة كان من قبيل الهجص المستلهم من هوجة الاهتمام بإيميلات هيلاري كلينتون، والتي سيذكر لها التاريخ أنها السياسية الوحيدة التي اشترك آلاف البشر في كتابة مذكراتها ورسائلها وإيميلاتها، وأصدر كل منهم طبعته الخاصة من مذكراتها ورسائلها بما يناسب مزاجه ويعكنن على خصومه السياسيين، وأظن أنها خلال فترة وجيزة ستتجاوز دستويفسكي ونجيب محفوظ وصلاح جاهين في كم الاقتباسات المنسوبة لهم، التي لم يكتبوها ولم تخطر لهم يوماً على بال.

في الأيام الماضية شعرت بالإشفاق على بعض الزملاء الجادين الذين قرروا أن يقوموا بتفنيد كثير مما يُنسب إلى هيلاري كلينتون في إيميلاتها التي اختار الكثيرون من أبناء جلدتنا أن يطلقوا عليها وصف "التسريبات" لإضفاء المزيد من الإثارة والتشويق، مع أنها أتيحت للجمهور بقرار رسمي من إدارة دونالد ترامب، مما يعني أنها ليست وثائق ينطبق عليها توصيف السرية الذي يوجب حجبها لفترة عن الجمهور لأغراض الأمن القومي، وبرغم تقديري لكل ما يقوم به هؤلاء الزملاء الجادين، إلا أنّ جهودهم في اعتقادي ستلاقي نفس مصير جهود السابقين لهم بإحسان، والذين حاولوا تفنيد الأكاذيب المنسوبة إلى مذكرات هيلاري كلينتون، التي صدرت باللغة العربية قبل أن تنشرها هيلاري بالإنكليزية أصلاً.

أقول هذا عن تجربة، فقد سبق أن قدمت في أولى حلقات برنامج "عصير الكتب" قراءة لمذكرات هيلاري كلينتون تفند الكثير مما نُسِب إليها في مواقع الإنترنت العربية وصفحات "فيسبوك" "المشمومة"، والتي أصبحت لأسباب معلومة مصدراً تعتمد عليه الأذرع الإعلامية من كتاب الرأي ومقدمي برامج "الهبد شو" في هجومهم المستمر على ثورة يناير ومديحهم لعبد الفتاح السيسي دائماً ولحسني مبارك أحياناً، مع أنّ هيلاري كلينتون تقوم في مذكراتها بتبرير موقفها المتحفظ من ثورة يناير والذي كان مثار خلاف بينها وبين باراك أوباما وبعض مستشاريه، وتقدم ما يشبه التبرير لسياسات مبارك، وتصفه بالنص بأنه كان يواجه تحدياً مؤثراً في الموازنة بين رغبات التحديث من الأقلية المتعلمة ورغبات الأغلبية المحافظة، وفي موضع آخر تطوعت بتبرير انتهاكات عبد الفتاح السيسي لحقوق الإنسان بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد، وأعربت عن أملها في أن يتطور ديمقراطياً في المستقبل، وقالت إنّ البديل عما يفعله السيسي أن تغرق المنطقة في الرمال.

أذكر أنني تلقيت بعد إذاعة الحلقة رسالة من زميل دراسة يهاجمني لأنني أقوم بتضليل وعي الناس، وقبل أن أمسك أعصابي وأعاتبه بهدوء حرصاً على العيش والملح، تخيلت للحظات أنه ربما يكون قد قرأ نسخة مزورة من الكتاب، ولذلك تحدث بكل تلك الثقة، لكنه فاجأني حين قال لي إنه لم يقرأ كتاب هيلاري أصلاً، لكنه لا يصدق أن يكذب كل من قرأ لهم أو شاهدهم بتلك البساطة وهم ينقلون عن مسؤولة أميركية سابقة تصريحات تنشر وتذاع على الملأ، ولذلك لا يعقل في رأيه أن يخطئ كل هؤلاء وأصيب أنا، وحين أرسلت له صوراً من الكتاب تثبت ما قلته، ردّ على الفور: "طيب، ومن يضمن أن النسخة التي لديك ليست مزورة؟"، ليزهق برده الحاسم روح النقاش والجدل.

طيب، إذا كانت هذه هي الطريقة التي تم التعامل بها لسنوات مع مذكرات منشورة بشكل رسمي وواضح، وتمت ترجمتها إلى اللغة العربية ترجمة معتمدة، فهل تنتظر أن يتم التعامل بطريقة مختلفة مع إيميلات يروي فيها موظفو وزارة الخارجية بعض الوقائع والأحداث كما روتها لهم مصادر مختلفة بعضها لا يتم ذكره صراحة في الإيميلات، ويضيفون عليها بعض التحليلات والتفسيرات التي تخصهم، والتي لم تتبن الإدارة الأميركية أغلبها بشكل رسمي في تعاملاتها المعلنة مع السياسة المصرية؟ فهل يمكن أن تندهش من حمى التأليف والضرب التي تعم المواقع والصفحات، وفي أحسن الأحوال هل تنتظر شيئاً غير أن يقوم كل من السيساوية والإخوانجية والمباركجية بتنقية الإيميلات واختيار السطور والفقرات التي تناسب تصوراتهم المسبقة للأحداث، والتي تؤكد غالباً إيمانهم بنظرية المؤامرة، مع أنّ الإيميلات لم تقدم في مجملها جديداً يذكر عن الخيبة التي نعيشها منذ سنوات، والتي تسببنا فيها لأنفسنا مع سبق الإصرار والترصد، وهو ما يصعب أن نواجه أنفسنا به، ولذلك لو لم تظهر إيميلات هيلاري لاخترعناها.