في محبة مارادونا

29 نوفمبر 2020
+ الخط -

يومها، بكيت على خروج الأرجنتين المُهين من كأس العالم كما لم تبكِ أرملة في بوينس آيرس على رحيل "أبو عيالها".

إذا كنت قد تجاوزت الثلاثين من عمرك فأنت إذن عاصرت ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، ولست محتاجًا لأن أخبرك أنّ الرئيس حسني مبارك كان يحكمنا وقتها برضُه، ولا كم كان الساحر الأرجنتيني دييغو مارادونا يعني لنا ولكل أبناء العالم الثالث قاطبة، إذا كنت لم تعاصر تلك الفترة اسأل أحدًا من الناجين من محرقة امتحانات الثانوية العامة في صيف 1990، واجعله يحكي لك عن عشرات الشباب الذين كاد مارادونا أن يضيع مستقبلهم عندما ضحوا بمراجعة الجبر والفلسفة والتفاضل، وفضَّلوا تشجيع الأرجنتين وهي تسحق البرازيل ويوغوسلافيا وإيطاليا، قبل أن تنهزم أمام ألمانيا بضربة جزاء ملعوب في صحتها. قيل يومها إن خطيب مسجد دعا في صلاة الجمعة: "اللهم انصر إخواننا في الأرجنتين على الألمان الصليبيين"، وبعد الصلاة مباشرة اقترب منه مصلٍ ليهمس في أذنه بكلام ما، جعل الخطيب يعتذر، ليس لأنه تفوه بهذا الدعاء الطائفي، بل لأن الإخوة الأرجنتينيين طلعوا صليبيين أيضًا.

لم أصدق هذه الواقعة، مع أنها بدت منطقية في ظل الهوس الأرجنتيني الذي كان يجتاح الكون بأسره، كان لنا صديق حَرِّيف بلغ هوسه بـمارادونا إلى درجة أنه قام بتدبيس بوسترات "مارادونا" على وجه وضهر "الكوفرتة" التي يتغطى بها، ولم يرتدع إلا بعد أن قال له والده كلامًا لا يصح نشره هنا، كان صديقنا ميسور الحال، لكنه كان يضيع مصروفه على شراء كل صحيفة أو مجلة تنشر أي كلام من أي نوع عن مارادونا. مرة فاجأنا بأنه قرر أن يبدأ في شم الكوكايين بعد انتهاء الامتحانات، فقط لكي يمتلك الدماغ التي تجعل مارادونا يلعب بكل هذه الحرفنة، كنا نظن أنه يمزح، لكنه كان جادًّا أكثر مما توقعنا، وعندما حاولنا أن نبين له مخاطر الكوكايين ونقنعه بالاكتفاء بالحشيش، اتهمنا بانعدام الطموح، بعد الامتحانات قيل له إن هناك من يبيع الكوكايين في مكان ما بجبل ناعسة، وعندما ذهب إلى هناك وهو يظن أنه يضع قدميه على أول طريق المجد المارادوني، ثَبَّته اثنان من فراودة المنطقة اللذين هرشا كونه فرفورًا عندما سألهما: "مفيش حد بيبيع كوكايين هنا يا جماعة؟"، فقاما بتقليبه وفعلا فيه أشياء يندى لها الجبين، كان من نتيجتها أنه ترك الملاعب والبلد بأسرها، وكان آخر ما علمته من أخباره أنه هاجر إلى صلالة.

لم يصل بي عشق مارادونا إلى هذا الحد المزري، لكنني ظللت على مر السنين أتابع انتصاراته وانكساراته بشغف وتعاطف، ازددت له حبًّا بعد أن شاهدت فيلمًا روائيًّا أرجنتينيًّا بديعًا عنه اسمه "يد الله"، وفيلمًا وثائقيًّا صنعه عنه أحد كباتن السينما العظام الصربي أمير كورستاريتكا، وها أنا ذا بعد أن ظننت أنني قد فقدت إلى الأبد تعصبي الكُروي

لم يصل بي عشق "مارادونا" إلى هذا الحد المزري، لكنني ظللت على مر السنين أتابع انتصاراته وانكساراته بشغف وتعاطف، ازددت له حبًّا بعد أن شاهدت فيلمًا روائيًّا أرجنتينيًّا بديعًا عنه اسمه "يد الله"، وفيلمًا وثائقيًّا صنعه عنه أحد كباتن السينما العظام الصربي أمير كورستاريتكا، وها أنا ذا بعد أن ظننت أنني قد فقدت إلى الأبد تعصبي الكُروي، اتضح أنه عاد إليَّ وبشراسة مع رؤيتي للمدرب مارادونا وهو يقف كالأسد الهصور القصير على خط الملعب. أشفقت عليه عندما خذله لاعبوه الأوغاد، ليفترسهم الألمان الذين نزع الله من قلوبهم الرحمة ومن أقدامهم الوهن، حتى ظننت مع نهاية المباراة أنه سيصاب بأزمة قلبية، وظللت أتابع تعبيرات وجهه بترقب إلى أن انقطع الإرسال من الملعب، وبدأ رغي الاستديوهات التحليلية، فهرعت إلى الإنترنت أبحث عبثًا عما يطمئنني على بطل مراهقتي، إلى أن وجدت ما يجعلني أطمئن على الأرجنتين، البلد وليس الفريق، وأزداد غمًّا على حال مصر، البلد والفريق والمجتمع والناس.

مراسل الـ "بي بي سي" في العاصمة الأرجنتينية «بوينس آيرس نشر خبرًا في نفس يوم الهزيمة الأرجنتينية عن إحالة الرئيس الأرجنتيني الأسبق جورج فيديلا إلى المحاكمة لدوره في قتل ثلاثين معارضًا يساريًّا خلال توليه الحكم بعد انقلاب عسكري بدأ منذ عام 1976 واستمر حتى عام 1981، مع أنّ فيديلا أصلًا يقضي عقوبة السجن مدى الحياة هو وعشرين من قيادات عهده بسبب جرائم ارتكبوها بحق مواطنين أرجنتينيين معارضين، كان الرئيس السابق كارلوس منعم قد منح فيديلا عفوًا في عام 1990، لكن المحكمة العليا ألغت هذا العفو المريب وأعادت فيديلا إلى السجن ذليلًا صاغرًا برغم بلوغه سن الرابعة والثمانين وإصابته بسرطان البروستاتا، كانت المفارقة أن فيديلا استغل عقد كأس العالم في بلاده عام 1978 لكي "يغلوش" على ما تناقلته وسائل الإعلام العالمية عن انتهاكات حقوق الإنسان في بلاده، وها هي عدالة السماء تختار هذا التوقيت بالتحديد لكي تنزل على أم رأسه مع أنه لم يقتل المعارضين بيديه، ولم يعذبهم بقدميه، لكن العدالة أوجبت محاكمته؛ لأن جرائم التعذيب حدثت تحت مسؤوليته السياسية، وجرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم.

لم تعد الأرجنتين واحدة من جمهوريات الموز التي لا سعر فيها للمواطن ولا كرامة له، فلا خوف عليها إذن إن انهزمت في الكرة، طالما تنتصر فيها العدالة، طالما أن الظَّلمة والفاسدين والحرامية لا يموتون فيها كما قال الخال الأبنودي: "بدون عقاب ولا قصاص.. بيموتوا وخلاص".

حكمتك يا رب، اللهم إن لم ترزقنا ذات يوم لاعبين بمهارة مارادونا، فاجعل عدالة السماء تنزل علينا كما أنزلتها على محاكم بوينس آيرس.

...

نشرت هذه السطور في صحيفة "المصري اليوم" بتاريخ 12 يوليو/ تموز 2010 وحتى الآن لم يستجب الله لدعائي، فلم تنزل عدالة السماء علينا كما نزلت على محاكم بوينس آيرس، ولم نُرزق بلاعبين بمهارة مارادونا عليه ألف رحمة ونور.