فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (9)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (9)

14 أكتوبر 2021
+ الخط -

كانت نقابة الممثلين قد اتخذت موقفاً محترماً ونادراً عقب قرار القاضي محمد بدر بحبس سعيد صالح احتياطياً، حيث أصدر نقيبها حمدي غيث بياناً رسمياً في غاية القوة جاء فيه ما نصه: "الفنان سعيد صالح موجود الآن في سجن الحضرة، لا ليصور فيلما أو مسلسلا تلفزيونيا، ولكن لقضاء عقوبة محددة، ولسنا نستطيع ولا من حقنا أن نناقش حكما أصدرته محكمة، ولكن من حقنا بل من واجبنا أن نناقش قانون الرقابة الذي يحاكم بمقتضاه الفنان على ما يقول، من حقنا أن نرفضه، ونعلن بملء حريتنا وبكل ما نملك من ثقافة وقدرة على التفكير أنه قانون رجعي متخلف يساوي بين الفنان وبين عتاة المجرمين من اللصوص والقتلة وتجار المخدرات، وأن هناك طرقا متحضرة لمساءلة الفنانين والمفكرين، عما يصدر منهم من أفكار أو أقوال، ولا يصح في المجتمعات الراقية التي تحترم الإنسان فضلا عن المثقفين، قادة المجتمع ورواده العظام. لا يصح أن يكون السجن من بين هذه الطرق عقاباً على كلمة مكتوبة أو منطوقة. هل يوضع فنان كبير في السجن لأنه قال كلمة زائدة أياً كانت هذه الكلمة، وبالرغم من أننا لا نوافق على انتهاك محرمة المسرح وقداسته بالابتذال والسوقية، فإننا نخشى أشد الخشية، بل ونفزع كل الفزع أن يتخذ هذا ذريعة لمصادرة الكلمة المكتوبة أو المنطوقة، وللحجر على حرية الفنان وتلقائيته، وعلى هذا التجاوب والتوحد بين الفنان وبين جمهوره.

إن محاكمة الفنانين والأدباء يمكن أن تكون عن طريق نقاباتهم واتحاداتهم حفاظا على شرف المهنة وحرمتها، وقانون نقابة المهن التمثيلية وميثاق الشرف ينص على عقاب الفنان، بداية من الإنذار وحتى الشطب والمنع من ممارسة المهنة إذا أخل بشرف المهنة وآدابها أو خدش الحياء العام، ولا يسعنا إلا أن نوجه نداءنا إلى كل الفنانين والمثقفين أن يضعوا أيديهم في أيدينا، لنقف جميعا صفا واحدا من أجل تعديل هذا القانون الجائر المتخلف الذي يعتبر وصمة عار مخجلة يندى له جبين كل إنسان متحضر".

نجحت المواقف التي تضامنت مع سعيد صالح في تشكيل قوة ضغط على الحكومة، أدت إلى ألا يطول حبس سعيد صالح أكثر من سبعة عشر يوماً، وبعد خروجه من حبسته القصيرة والمفاجئة قال سعيد صالح للصحفيين الذين تهافتوا على محاورته إن أصعب ما واجهه في السجن كان ضرورة استيقاظه في السادسة صباحا كل يوم، وأنه حاول إقناع قيادة السجن بأن تستثنيه من ذلك، لأنه يريد النوم لكي ينسى لكنهم رفضوا ذلك، مؤكدا أنه بعد أن تعود على الصحيان مبكرا كان أكثر ما يؤلمه هو وجود حجرته بالقرب من حجرة المشنقة، وأنه بسبب ذلك فقد شهيته للطعام وكان يفكر ليل نهار في طفلته هند التي لم يرها طيلة فترة سجنه، وكانت تلك مشاعر مختلفة عن مشاعر سعيد صالح في فترة سجنه الثانية الأطول والتي تآلف فيها أكثر مع جو السجن، لدرجة أنه قال عبارته الشهيرة إن لافتة السجن يجب أن تعلق من الداخل وليس من الخارج، لأن المجرمين الحقيقيين موجودون خارج أسوار السجن وليس داخله.

بعد الإفراج عن سعيد صالح، كانت فرقة الفنانين المتحدين قد أغلقت أبواب مسرحيته (لعبة اسمها الفلوس)، لكنه عاد للتمثيل في السينما بحماس منقطع النظير لكي يعوض الخسائر التي أصابته بسبب إغلاق المسرحية، في الوقت الذي ظلت فيه القضية مستمرة، وبعد عام ونصف من نظرها في أروقة القضاء، كانت المفاجأة أن القضاء حكم بحبس سعيد صالح لمدة أسبوعين بتهمة الخروج على النص، ولأنه كان قد قضى قبل ذلك 17 يوما محبوسا احتياطيا فقد تم استنزال مدة العقوبة منها، وأصبحت الحكومة مدينة لسعيد صالح بثلاثة أيام تم سجنه فيها من قبل، وقد جاء في حيثيات الحكم الذي نسيه الجميع بما فيه سعيد صالح نفسه إن "المسرح من أدوات تكوين الرأي العام وأن دور الممثل هو أنه أصبح مثلا يحتذى به وأصبحت العبارات التي يرددها تجري على ألسنة الكافة، فحفاظا على المكانة السامية للمسرح والعاملين به كان حقا أن يعاقب من يثبت أنه ردد مثل قول محل هذا الاتهام ليبقى المسرح في مكانة عالية".

يقول سعيد صالح في حواره بالنص: "دي كانت أيام سوده بعيد عنك.. القاضي كان واخد مني موقف، أصله مرة حضر لمشاهدة المسرحية أثناء عرضها، نام فأوقفت العرض وعاتبته

بعد 13 سنة من الواقعة أجرى رشاد كامل الصحفي المتخصص في أخبار الحوادث والشئون القضائية حواراً مع سعيد صالح ليضعه في الفصل الذي خصصه لقضيته في كتابه (نجوم وراء القضبان)، وكانت تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها سعيد صالح بصراحة مدهشة عن أسرار حبسه، مؤكدا أن القضية لم يكن لها علاقة بخروجه على النص، ولم تكن انتقاما من سلطة حسني مبارك كما أصبح متواترا بين الناس، بل لأن حظه "الدكر" جعله يسخر من شخص نام خلال مسرحيته، وأنت تدري كيف يمكن لسخرية سعيد صالح من شخص وسط جمهور المسرح أن تكون فتاكة، وبالطبع لم يتصور سعيد أن الأيام ستدور ليقف أمام ذلك الشخص كمتهم بالخروج على النص، فيجري له كل ما جرى.

يقول سعيد صالح في حواره بالنص: "دي كانت أيام سوده بعيد عنك.. القاضي كان واخد مني موقف، أصله مرة حضر لمشاهدة المسرحية أثناء عرضها، نام فأوقفت العرض وعاتبته، طبعا ما كنتش أعرف إنه قاضي، لكن لما رحت المحكمة افتكرته وقلت بس وقعتك سودا يا سعيد، أقصى عقوبة للخروج على النص في ظل العقوبة هي الغرامة 50 جنيها، لكن القاضي أضاف لتقرير الرقابة عبارة "منافية للآداب"، وده دخلني في المادة 39 من قانون الآداب والتي تصل أقصى عقوبة لها إلى ثلاث سنوات، عشان كده قدمت طلب لرد القاضي واترفض".

وعندما سئل عن اتهام الرقابة له بخلع البنطلون على خشبة المسرح رد سعيد صالح بغضب: "أنا فنان محترم وأحترم جمهوري، وأنا لم أكن أرتدي بنطلونا، وإنما كنت أرتدي سروال فلاحي، لإني كنت بامثل شخصية فلاح عبيط، والسروال كان مربوط بسلك ربابة، السلك اتفك، فاعتقد مولانا الرقيب إني بخلع البنطلون، أما بخصوص مشهد خلع الحذاء فهل يعقل أن يصدر مثل هذا الكلام عن فنان محترم. ثم إن الرقابة يجب أن يكون لها حدود، الرقيب موظف عينته القوى العاملة وعمره لا يتجاوز 24 عاما أي أن لا إدراكه ولا وعيه يسمحان له بمعرفة ما أفعله على المسرح، عمرك سمعت عن لاعب كرة ضرب زميله أو عمل فاول والشرطة قبضت عليه في الملعب وحبسته".

ولكيلا يبدو أنه يعتبر الخروج على النص تهمة، حرص سعيد صالح كعادته على أن يدافع عن الخروج على النص، قائلا "معظم المسرحيات التي قدمها ممصرة عن مسرحيات أجنبية، وما يضحك الشعب الفرنسي مثلا لا يضحك الشعب المصري، والفنان على المسرح زي الجراح يضع يده على الإفيهات التي تضحك الناس فالمسرح ليس متحفا وإنما هو معايشة، ومثال ذلك الإفيه الشهير بتاع شراب أستك منه فيه، ده غير موجود أصلا في النص الأصلي، شوف إزاي تجاوبت معه الجماهير"، وعندما سأله الصحفي رشاد كامل في نهاية حواره ما الذي يقوله للقاضي الذي حبسه، يجيب "ربنا يشفيه"، أما رقيب مسرح الحرية فقال له: "ياريت تشوف شغلة كويسة تاكل منها عيش"، وعندما سأله ماذا سيفعل لو رأى رقيبا يشاهد احدى مسرحياته أجاب سعيد صالح: "أقفل الستارة في وشه وأطلعه بره".

لكن المزاج الشعبي لم يستوعب حجم المهزلة التي جعلت قاضيا يحبس ممثلا لأنه أيقظه من النوم خلال عرض المسرحية، فقرر إعادة كتابة الواقعة بشكل يتناسب مع كراهيته للسلطة ومحبته لمضحك عظيم مثل سعيد صالح، ليستسلم سعيد صالح بعد مرور السنين للواقعة كما رواها الناس، وليس كما حدثت بالفعل، لتكون تلك ملهاة تليق بسعيد صالح الذي لم تمر عليه تجربة السجن برغم قصرها هادئة، بل "شقلبت حاله ولخبطت كيانه" فلم يعد بعدها مثلما كان أبداً، لينتهي عصر سعيد صالح الكوميديان الصرف أو البحت، أو "الكوميديان الهلاس" على حد تعبيره، ويبدأ عصر سعيد صالح المهووس بالتلحين والكوميديان السياسي و"الفنان المحرض" على حد تعبيره أيضاً.

...

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.