صفحات من يوميات لم تكتمل (5)

صفحات من يوميات لم تكتمل (5)

15 يوليو 2021
+ الخط -

في الاستديو رأيت الأستاذ سعيد صالح بعد غياب، "عمل نفسه مش فاكرني"، يبدو أنه لا زال غاضباً بعد خناقتنا قبل سنتين ونصف بسبب العدد الخاص الذي أصدرته (الدستور) عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي اعتبر أنه لا يليق برغم أنه كان يمتلئ حباً لسيدنا النبي، لم يعجبه الموضوع الذي كتبته والذي كان فيه حديث نقدي للخرافات التي تتحدث عن يوم الميلاد النبوي وما شابهها، وحين ناقشته اتضح لي أنه غاضب من العناوين ولم يقرأ المتن، كنا جالسين يومها في ميدان الدقي على رصيف بجوار مطعم رضوان للسندوتشات، كان معي صديقي وشريكي في السكن وقتها المصور حسن عبد الفتاح، لم تكن أول مرة أقابل فيها سعيد صالح، لكنه بدا يومها عدوانياً بعد أن كان لطيفاً في المرات السابقة، حاول بعض الأصدقاء تغيير الموضوع ليلتها وانتهى الأمر دون أن تتطور الخناقة.

لاحظت في الاستديو أن مجدي الهواري المنتج يكاد ينفجر من الفخر بنفسه، طبعاً فهو ينتج لعلاء وهنيدي معاً، أي منتج يتمنى أن يكون في مكانه، لاحظت أيضاً أن سعيد صالح أصبح يعاني من ثقل ما في النطق، ربما ظروف صحية حدثت له بعد خروجه من السجن، لكن لا زال كما هو خفيف الظل وأبيح، ولا زال أيضاً في حالة الدروشة التي تصاعدت منذ أن التقيت به أول مرة. (16)

بعد أن انتهى تقطيع التورتة وذبح العجل والتقاط الصور التذكارية، صعدنا أنا وأشرف عبد الباقي وعلاء ولي الدين ومحمود عبد الغفار وطارق الشورة إلى غرفة هنيدي الخاصة في اللوكيشن، بدأ يحكي لنا عن مشاهد سيصورها في الفيلم، يعتبرها فتحا كوميديا والكل يضحك مجاملة مع أنها بدت لي سقيمة، ألوم نفسي لأنني لم أقل رأيي الحقيقي، لكن هل أستطيع أن أقوله فعلا؟ وما الذي سيحدث لو قلت له رأيي بيني وبينه؟ هل سيأخذ به أم سيعتبر أنني كاره لما يقوم به، مع أنني لم أعرض عليه أي عمل من قبل؟

المشكلة أنني أحب هنيدي، لكن لماذا سيأخذ برأيي وكل من حولي وهم أكثر خبرة وممارسة يستلقون على قفاهم من الضحك؟ هل يعجبهم فعلا ما يسمعونه وأنا ثقيل الظل؟ هل يمكن أن يعجب الناس فعلا بالذي سيصنعه في الفيلم؟ مين عارف؟

هالة فاخر ترتدي ملابس الشخصية التي تلعبها في الفيلم، ظريفة ولاسعة ولسانها لاذع، قبل أن أراها سمعت من يقول في اللوكيشن إن هنيدي مجنون لأنه اختار هالة، لأنها ستشعل له الكواليس ولن تكف عن التوقيع بين الناس. حين ظهرت رأيت الذي قال ذلك وهو يحتضنها بكل حب ويقول لها كلاما مليئا بالمجاملة، بدا لي أن هالة وصلها ما يقال عنه، لأنها قالت لعلاء ولي الدين ضاحكة بعد قليل إنها لن تسكت وستصور أول يومين في هدوء ثم "ستفشخهم" بعدها، هل كانت توصل رسالة لمن تحدث عنها من وراء ظهرها، أم أنها كانت تأخذ الموضوع ببساطة؟ لا أدري، لكن المؤكد أنها طاقة كوميدية جبارة أتمنى أن تستغل. بعد قليل دخلت الممثلة فلك نور، اكتشفت أنها أقصر مما تظهر عليه في الشاشة، كانت سعيدة جدا لأن هنيدي أعطاها فرصة لكي تمثل معه، لكن تعبيرها عن سعادتها بدا لي مبالغاً فيه بعض الشيء، أعتقد أن تكرار هذه المبالغات والمجاملات لن يكون وقعه جيداً على هنيدي في المستقبل وأتمنى أن يأخذ باله من ذلك.

برغم أن القهوة قريبة من بيتي إلا أنني لم أعد أفضل الجلوس عليها منذ أن تم إغلاق صحيفة (الدستور)، كلما جئت إليها أتذكر سهراتنا أيام (الدستور)

حين ازدحم المكان أشار إلي أشرف لكي ننصرف، بعد السلام على الجميع وتبويس الجميع والمزيد من النفاق المتبادل بين الجميع غادرنا المكان والهمّ ماليني، لا أدري لماذا ذهبت مع أشرف إلى المكتب بدلاً من أن أعود إلى البيت، تصورت أن ذلك سيساعدني على المزيد من السهر، حين وصلنا إلى المكتب جاءت بعد قليل أمل فوزي الصحفية بمجلة (صباح الخير)، كنا قد دخلنا مؤسسة روز اليوسف سوياً في بداية المشوار، أنا عملت في روزا وهي عملت في صباح الخير وأكملت فيها بينما أنا تركت المؤسسة وفي طريقي لترك الصحافة، انطباعي عنها منذ أن رأيتها لم يتغير، طيبة ولطيفة، ظللت قليلا في المكتب ثم غادرت لكي يبدأ الحوار، واتفقت مع أشرف على اللقاء غدا لنكمل كلامنا وطلب مني أن أحسم موضوع الورقة التي طلبها فوعدته خيراً.

في طريقي إلى البيت اتصلت بي الزميلة هديل غنيم من مجلة (وجهات نظر)، كنت قد التقيت بها من قبل في مقر المجلة، شخصية لطيفة، حدثتني عن مقال طلبته مني المجلة منذ أشهر ولم أكتبه، بعد أن كنت قد كتبت مقالا للمجلة عن فيروز، اقتراحات جديدة أتحدث عنها بحماس وأعرف أنني لن أنفذ منها شيئاً (17)

سواق التاكسي استمع إلى حديثي ولَقَط منه كلمة صحافة، فبدأ بعد أن أنهيت المكالمة يحدثني عن الصحافة المعرصة والبلد الخربانة، وقرر فجأة أن يخرج محفظته ويريني منها صوراً له في لندن، قال إنه فعل ذلك لكي أصدقه، لأن السفر إلى لندن معجزة كما يعتقد، معه حق، أنا الذي عملت في الصحافة لسنوات لا يبدو أنني سأرى لندن، لأنني لا أعمل في الصحافة المعرصة، قلت له ذلك لكي أرفع معنوياته، أو بمعنى أصح لكيلا يتمادى ويطلب أجرة أعلى من حقه. (18)

قررت أن أنزل من التاكسي عند قهوة فيينا لأقعد عليها وأطيل موعد سهري ما استطعت، على القهوة التقيت بشخصيات عكرة ليس لها لازمة، عبد الله كمال يجلس على القهوة كعادته دافساً فمه في الشيشة، تذكرت أول مرة التقيت فيها به على هذه القهوة ثم معاركي السابقة معه. (19)

برغم أن القهوة قريبة من بيتي إلا أنني لم أعد أفضل الجلوس عليها منذ أن تم إغلاق صحيفة (الدستور)، كلما جئت إليها أتذكر سهراتنا أيام (الدستور)، ننتهي من العمل كل ليلة ونأتي إلى القهوة ونسهر لنلعب الدمنة ونرغي ونضحك من قلوبنا، أحياناً حتى الصباح، ودائماً حتى وقت متأخر من الليل، لم أعد أرى أحداً من الذين كنت أسهر معهم على القهوة كل ليلة، مع أننا كنا نظن أننا لن نفترق إلى الأبد. إبراهيم عيسى يجلس الآن على القهوة الشهيرة بقهوة الكلاب في أول معروف، وأنا أفضل (الندوة الثقافية) أو (المنظر الجميل) في باب اللوق.

شربت ليمون ثم غادرت إلى البيت مقرراً أن أؤجل مقابلتي مع المخرج أشرف فايق إلى الغد، حين وصلت إلى البيت وأنا مجهد، لم أنم على طول، جاءتني مكالمة من عمر طاهر يعتذر لأنه لم يحضر موعدنا مع عماد العبد الله، لم أشعر أنه متحمس للمشروع أو أنه غير محتاج إليه بسبب انشغاله في مجلة (نصف الدنيا). هدّني التعب لكنني أخذت لفة في القنوات قبل أن أروح في نوم متقطع وطويل وسمج. (20)

...

هوامش على اليوميات:

ـ15ـ: كنت قد كتبت عن هنيدي في (الدستور) بوصفه أهم اكتشافات سنة 1997، وأصبحنا أصدقاء، وحين بدأت الكتابة في (الكواكب) ونجح فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، طلب مني الأستاذ رجاء النقاش أن أجري معه حواراً لينشر صورته على غلاف المجلة، وتسبب لي الحوار في مشكلة بعدها مع الأستاذ عادل إمام، حكيت عنها في إحدى حلقات (الموهوبون في الأرض). ما لاحظته في الكواليس استمر بعد ذلك وظهر أثره على الشاشة في فيلم (بلية ودماغه العالية)، وبدا أن نادر جلال لم يكن منسجماً مع هنيدي بالقدر الكافي، وهو ما ظهر على مستوى الفيلم فنياً.

ـ16ـ: لم يحقق (بلية ودماغه العالية) الكثير من النجاح التجاري مقارنة بفيلم (الناظر) الذي اكتسح السوق في صيف 2000، ليحدث العكس في الصيف التالي، حيث نجح فيلم هنيدي (جاءنا البيان التالي) مع سعيد حامد، وفشل فيلم (ابن عز) فشلاً ذريعاً، وكان الأخير من إنتاج مجدي الهواري الذي عملت معه بعدها بعامين في فيلم (الباشا تلميذ).

ـ17ـ: في العدد الثامن من مجلة (وجهات نظر) الصادر بتاريخ سبتمبر 1999 نشرت مقالاً بمناسبة صدور أحدث ألبومات السيدة فيروز وقتها، وكان يحمل عنوان (فيروز خمسون عاماً من الغناء والصمت)، وكان من دواعي سروري أن تنشر إعلانات المجلة في الصحف وهي تحمل اسمي بعد أسماء الأساتذة محمد حسنين هيكل وسلامة أحمد سلامة وفهمي هويدي وأحمد كمال أبو المجد وحسن نافعة ووديع فلسطين، وهو ما اعتبره أفراد أسرتي أهم خطوة في حياتي الصحفية، ليس لأنهم يقرأون المجلة أو يشترونها، بل لأنهم شاهدوا إعلانها المنشور في الصفحة الأخيرة في (الأهرام)، وقد قمت أنا مثلهم بقص الإعلان والاحتفاظ به في المحفظة، هم بغرض الفخر، وأنا بغرض المساعدة على الإفلات من الكمائن واللجان لأنني كنت وقتها أسكن في منطقة "لَبَش" قريبة من وزارة الداخلية والسفارة الأمريكية. لكنني بمنتهى الصراحة كنت أسعد أكثر بالمبلغ الذي حصلت عليه كمكافأة عن كتابة المقال: ستمائة جنيه مرة واحدة، وهو مبلغ كان يساوي قيمة أربع مقالات مما كنت أكتبه للصحف العربية، والأهم أنه كان يوازي قيمة إيجار شهر لشقتي، وهو ما كان يجب أن يشجعني على مواصلة الكتابة، لا أذكر الآن ما هو المقال الذي كان مطلوباً مني ولم أكتبه، ولا ما هي الأفكار التي اقترحتها على الصديقة العزيزة هديل غنيم التي كانت وقتها سكرتيرة تحرير المجلة، لكني أذكر أنني كنت وقتها مشغولاً بالتحضير لمشروع الصحيفة الجديدة التي سعيت لإقناع المهندس إبراهيم المعلم بنشرها، وقد اعتبرتها محاولتي الصحفية الأخيرة، وقلت لنفسي إنها لو لم تنجح سأترك العمل في الصحافة إلى الأبد، ولم تنجح المحاولة ولم أترك الصحافة إلى الأبد.

ـ18ـ: سافرت إلى لندن بعد سنوات، بالتحديد في سنة 2007، وسافرت إليها عدة مرات بعد ذلك مضطراً إما في مهمة عمل أو للسفر منها إلى ويلز أو اسكتلندا، ولم يعجبني ما رأيته فيها في كل زيارة، وهي من أثقل المدن ظلاً على قلبي حتى الآن.

ـ19ـ: حين تعرفت على عبد الله كمال في نهاية عام 1994، كنت طالباً في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، بدأت التدريب الصحفي في مجلة (روز اليوسف) وكان هو صحفياً في المجلة منذ سبع سنوات على الأقل، ومع أنه دخلها مع زميل دفعته إبراهيم عيسى، إلا أنه تأخر في التعيين ولم يتم تعيينه فيها حتى عام 1998، وكان هو من دعاني لكي أجلس معه على القهوة، وقال لي إنه يمكن أن يساعدني في تطوير أفكاري التي أقدمها للمجلة، لكني لم أرتح له منذ أول مرة جلست معه فيها، وقد جمعتني به لاحقاً معارك ومناوشات استمرت وتضاعفت بعد أن أصبح رئيساً لتحرير (روز اليوسف) وهي حكاية تستحق أن تروى في مناسبة تالية. لا تزال قهوة فيينا كما هي في شارع قصر العيني بمواجهة مسرح السلام، وحين ترددت عليها بعد سنوات من هجري لها، ساهمت رداءة المشاريب في تخفيف إحساسي بالحنين إليها.

ـ20ـ: تعرفت على المخرج أشرف فايق عن طريق صديقي الصحفي حمدي بسيط الذي كان سباقاً دائماً إلى الخير، وقال لي إنني سأتحمس للعمل مع أشرف، لو شاهدت الفيلم الروائي القصير الذي أخرجه وحصل عنه على جائزة مهمة، وهو ما حدث بالفعل حين شاهدت فيلم (أسانسير خمس نجوم) الذي كان من تأليف أحمد عبد الله، ومع أنني حرصت على العمل مع أشرف إلا أن الظروف لم تساعدني على ذلك، وسبقته إلى العمل في السينما، حيث تأخر إخراجه لفيلمه الأول عدة سنوات.

...

نكمل يوم الأحد القادم بإذن الله.