صفحات من يوميات لم تكتمل (1)

صفحات من يوميات لم تكتمل (1)

11 يوليو 2021
+ الخط -

حين كنت أبحث قبل أشهر عن الأوراق التي كتبت فيها تفريغاً لحواري مع الأستاذ محمد حسنين هيكل والذي نشرته في هذه المدونة على حلقات، عثرت على أوراق كنت قد سجلت فيها بعض يومياتي خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير ومطلع شهر مارس من عام 2000، وكانت قد طقّت في دماغي ساعتها فكرة تسجيل يوميات، شعرت أنها ستكون مهمة لتوثيق تجاربي المتعثرة والمضطربة في الصحافة والسينما، وقررت أن أكتب فيها بالتفصيل الممل كل ما أعيشه في تلك الأيام، وهو ما التزمت به في بعض الأحيان، ونسيته في أحيان أخرى، وحين قرأت تلك اليوميات شعرت أن نشرها ـ مع حذوفات طفيفة لبعض الشتائم وترميز لبعض الأسماء وإضافة لبعض الهوامش الشارحة ـ يمكن أن يكون مهماً وله معنى ما، ليس فقط لتوثيق تجربتي في تلك الفترة، ولكن لعل هذه التجربة تحمل معنى ما لمن هم الآن في مثل عمري وقتها، أو لعلهم لا يجدون في قراءتها أي معنى سوى التلصص على حياة شاب عابث في مطلع الألفية الثالثة، قرر أن يوثق حياته، ثم اكتشف أن ذلك التوثيق سيزيدها عبثية، فتوقف عن ذلك.

أترككم الآن مع هذه اليوميات التي لم تكتمل:  

الخميس 24/2/2000:

ـ مشوار سخيف إلى البنك، اضطررت لسحب مئة جنيه من المدخرات الهزيلة بشكل "يِعِرّ"، هل كانت نظرات موظف البنك ساخرة مما رآه حين قام بالاطلاع على الحساب أم أنني تخيلت هذا لأن على رأسي بطحة؟ أياً كان، لو لم أقم خلال الأشهر القادمة بالتعاقد على سيناريو مع منتج، أو العمل في مكان منتظم سواء صحيفة أو قناة تلفزيونية، سأتعرض لأزمة مالية حادة، وغالباً سأضطر لترك الشقة والبحث عن خُنّ للإقامة فيه، في الوقت نفسه سيكون من الصعب أن أترك شارع القصر العيني وأعود إلى السكن في حواري الجيزة، لأن مشاوير المواصلات ستستهلك الوقت والمال والأعصاب، لكن أعتقد أن حواري السيدة زينب سيكون فيها اختيارات سكن مناسبة.  

ـ مشوار جميل إلى منزل ست الكل عطيات الأبنودي في مدينة نصر، لا أذهب إليها إلا وأعود مبتهجاً وبحصيلة سينمائية رائعة إما بأفلام أستعيرها أو أشاهدها بصحبتها، تعرفت لديها على أفلام سمعت عنها كثيراً ولم يُتح لي رؤيتها من قبل. هذه المرة طلبت مني التوسط بين الصديقين محمد حلمي هلال وناهد فريد شوقي، لم تكن تعرف أنني حاولت بالفعل وفشلت، حدثتها عن قصتي مع الأستاذ الكبير حسين أحمد أمين وخلافه مع دار الشروق حول حقوق النشر وكيف حاولت التدخل في ذلك الخلاف، ثم ندمت على ذلك، وكالعادة قالت لي رأيها من خلال حكايات مهمة وملهمة. (1)

ـ مكالمة لطيفة مع المهندس إبراهيم المعلم وتحديد موعد للقاء يوم الأربعاء للحديث عن مشروع الصحيفة التي عرضت عليه أن يكون ناشرها، هل يكون هذا هو المكان المنتظم الذي أعمل فيه؟ أعتقد لن يكون الأمر سهلاً ولن يحدث بسرعة فالتعقيدات كثيرة، لكن لماذا لا أحاول؟ الفكرة تستحق. (2)

ـ في رحلة العودة، مشوار سخيف إلى حي الفجّالة لشراء كتب، وخناقة أسخف مع بياع كتب رزل يبحث عن زبائن حمقى لسرقتهم. (فكرة مقال بعنوان: ماذا حدث للبياعين ولاد الوسخة؟).

ـ سقوط التليفون المحمول على الأرض ربما لأنني كنت متوترا بسبب الخناقة، لا أدري هل ستصيبه الخبطة بأضرار فادحة، هذا ليس الوقت المناسب على الإطلاق لشراء محمول جديد، على أساس أن المحمول المخبوط كان جديداً من أصله، خلّيني ساكت أحسن. (3)

ـ العودة إلى البيت، إلى حيث الكنبة التي يندم من يغادرها هذه الأيام.

الجمعة 25/2/2000:

يوم آخر من العبث، نوم حتى الساعة الثامنة مساءً بدءا من الخامسة فجراً. قطعت النوم العميق مكالمة من الأستاذ عماد العبد الله مدير تحرير مجلة (النقاد) اللبنانية التي ستصدر عن دار رياض الريس في بيروت، رشحني لهم الدكتور جلال أمين لكي أكتب معهم وأكون مراسلهم من القاهرة، طلب مني عماد العبد الله ترشيح عدد من الكتاب الشباب للتعاون معهم، رشحت له عدة أسماء ففوضني للتواصل معهم، اتصلت واتفقت مع ثمانية من زملائنا لكي نلتقي به قبل سفره: حمدي عبد الرحيم وأكرم القصاص وأيمن الحكيم وعمر طاهر ومصباح قطب وسعيد شعيب ومحمد مسعد وحلمي النمنم، وجميعهم رحبوا بالفكرة تقديراً لاسم رياض الريس العريق والذي يحظى بالاحترام، ويحظى بالرهبة أيضاً بسبب أسعار كتبه التي تثير الأسى والحسد لمن يتمكن من شرائها.

ـ بعد الصحيان، أنهيت رواية (الحمامة) للروائي باتريك زوسكيند، رواية جميلة وترجمة رائعة كالعادة من عمنا طلعت الشايب. اسم الرواية جاب لي التريقة بالأمس على القهوة من بعض "البُضناء". بعدها تقليب عبثي في قنوات "الديكودر" من على الكنبة التي أصبح التقلب عليها يحتاج إلى مهارات خاصة لتفادي المسمار البارز في جانبها والذي تعلم جسمي كيف يتفاداه حتى وأنا نائم. في أيام خرائية كهذه أدرك أن دفع اشتراك "الديكودر" أصبح بنفس أهمية دفع إيجار الشقة، المهم ألا أضطر لفقد الاثنين في خبطة واحدة، هل يكون موضوع (النقاد) هو الحل؟ يا مسهل يا رب. (4)

ـ مكالمة طويلة غاضبة من حمدي الذي يشكو من تشنيعات بعض المثقفين على عمله في مجلة (القاهرة) وعلى الأستاذ رجاء النقاش رئيس تحريرها وعلى عمنا صلاح عيسى مدير تحريرها، يقول إن العم صلاح اتصل غاضبا بأسامة سرايا بسبب خبر نشرته مجلة (الأهرام العربي)، يعتقد صلاح أن وراء الخبر شاعر يعمل في الأهرام وصحفية مقربة من جمال الغيطاني الذي يتصور صلاح عيسى أنه ليس راضياً عن صدور (القاهرة)، لماذا يتصور عم صلاح أنه سينافس (أخبار الأدب)؟ أعتقد الحكاية صعبة لأن (أخبار الأدب) لديها جمهور واسع في العالم العربي، لكن لا أدري ربما يكون ذلك صحيحاً حين تصدر المجلة. سمعت على القهوة أن محمد القدوسي يتحدث بلهجة العلم عن دور يسري السيد في (القاهرة) مع أن يسري كما أعلم لا ناقة له ولا جمل في مشروع المجلة. لماذا لم يطلب مني الأستاذ رجاء العمل في المجلة بشكل منتظم واكتفى باستكتابي؟ سؤال لا يخلو من استعباط، من يلومه بعد ما تسببت له به من مشاكل في (الكواكب)؟ لو كنت مكانه لقطعت علاقتي به من بابه، لم أكن أقصد التسبب في مشاكل، هو الذي وافق على أن يكون عنوان الباب الذي أكتبه (مشاغبات فنية)، وما جدوى المشاغبات إذا لم تزعج أحدا؟ (5)    

 

هوامش على اليوميات:

ـ1ـ : عطيات الأبنودي هي المخرجة التسجيلية الكبيرة وقد جمعتني بها صداقة قوية لسنوات، وسبق وأن كتبت في هذه المدونة عن الأزمة التي تسبب فيها عرضي في صحيفة (الجيل) لكتابها عن زوجها السابق الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، ومحمد حلمي هلال كاتب سيناريو مهم وهو صاحب أفلام (حكايات الغريب) و(هستيريا) و(يا دنيا يا غرامي)، وناهد فريد شوقي منتجة سينمائية وتلفزيونية بارزة جمعتني بها عدد من المشاريع التي لم تكتمل للأسف، وقد جمعتها صداقة عميقة بمحمد حلمي هلال قبل أن تتطور إلى خلاف عاصف وحاد، كان السبب في عدم اكتمال بعض المشاريع الجميلة التي حلم بها الاثنان، وقد كنت شاهداً على تلك العلاقة وتعلمت منها الكثير بدون قصد. أما الكاتب الكبير حسين أحمد أمين فقد كان من أبرز أساتذتي في تلك الفترة قبل أن تتأثر علاقتي به بعض الشيء بسبب تدخلي في أزمة حدثت بينه وبين دار الشروق، واكتشفت أنه لم يكن محقاً فيها، لكني لم أفقد محبتي ولا تقديري له.

ـ2ـ: كنت بعد أن تركت العمل في صحيفة (الجيل) قد بدأت في الإعداد لمشروع صحيفة بعنوان (الناس) كنت أتصور أنها يمكن أن تكون المعادل المصري لمجلة The People الشهيرة، وقمت بعمل تصور كامل لها لكي يسهل شرح الفكرة لناشرين محتملين، وكنت أفكر في الناشر هشام قاسم الذي كان قد أصدر صحيفة (كايرو تايمز) ولم يكن مهتماً وقتها بالنشر بالعربية، ولذلك عرضتها على الناشر إبراهيم المعلم الذي كان قد بدأ إصدار مجلة (وجهات نظر) فتحمس للفكرة، وقمت بعدها بعمل عدد تجريبي من المشروع الذي لم ير النور.

ـ3ـ: كان أول هاتف محمول حصلت عليه في حياتي مستعملاً من الماركة التي كانت تعرف باسم (نوكيا بانانا)، وكنت قد حصلت عليه كعربون لكتابة سيناريو من المونولوجست محمود عزب الشهير بـ "عزب شو"، الذي كان يحلم بالتمثيل، وكنت قد أجريت معه حواراً في (الدستور) سنة 1997 وأصبحنا أصدقاء، لكنه لم يفاتحني في فكرة كتابة سيناريو له إلا بعد أن رشحني له الأستاذ وحيد حامد الذي كان قد قرأ أول محاولة لي في السيناريو، ورشح له أيضاً علي إدريس الذي كان من أشطر مساعدي الإخراج في مصر وقتها، وظل الاتفاق بيني وبين عزب شو مربوطاً بموبايل النوكيا حتى تمكن من الاتفاق مع منتجين هما الدكتور سمير فرج مدير التصوير البارز ومحمد زين المنتج الفني الشهير الذين أسسا شركة إنتاج وتحمسا للمشروع، لكنه لم ير النور حتى الآن.

ـ4ـ: بدأت تعرفي على عالم الديكودر أو الخدمات التلفزيونية المدفوعة cable بالاشتراك في خدمة "MNET إم نيت" التي كانت موضة في مصر في النصف الثاني من التسعينات، وتعرفت عليها في بيت عطيات الأبنودي وانبهرت بما عليها من أفلام ومسلسلات، وكان مقر الخدمة في جنوب أفريقيا، وبعد ذلك انقرضت من مصر حين ظهرت خدمة "شو تايم" التي كانت تحتوي على قنوات أكثر تنوعاً، ومنها وقعت في غرام المسلسلات الكوميدية الأمريكية وبالأخص مسلسل (ساينفيلد)، وكنت أستدين لسداد الاشتراك لأنني تعاملت معها بوصفها أكاديمية تعلمت منها الكثير في فترة بدايات كتابة السيناريو.

ـ5ـ: كان الأستاذ رجاء النقاش الناقد الأدبي الكبير ورئيس تحرير مجلة (الكواكب) قد دعاني للكتابة في المجلة عقب إغلاق صحيفة (الدستور) تضامناً منه معي لأنه كان يحب كتابتي كثيراً، وقد تحمس لما كنت أكتبه أسبوعياً في باب بعنوان (مشاغبات فنية) وأصر على أن ينشر المقال مصحوباً بصورتي ومسبوقاً بعبارة (بقلم)، وهو ما تسبب له في انتقادات لم يأبه بها، لكن المشاكل التي أثارها المقال الأسبوعي دفعته لأن يطلب مني التوقف عن نشر باب (مشاغبات فنية) والبدء في كتابة شيء لا يثير المشاكل، فبدأت في كتابة باب أسبوعي بعنوان (الموهوبون في الأرض)، لكنه لم يستمر طويلاً، وقد قمت فيما بعد بتحويله إلى برنامج تلفزيوني عرض على شاشة التلفزيون العربي على مدار خمسة مواسم.

...

نكمل غدا بإذن الله.