ساعات مع هيكل وحوار لم يتم (4/5)

24 فبراير 2021
+ الخط -

برغم أن علاقتي به ظلت متقطعة وتقتصر على المناسبات التي تقيمها دار الشروق، إلا أن الأستاذ هيكل ساهم من جديد في تغيير مساري المهني، وبدون أن يقصد كما فعل أول مرة.

حدث ذلك بعد أن تركت الكتابة الصحفية في عام 2007 لكي أتفرغ لكتابة مسلسلي التلفزيوني الأول (هيمه: أيام الضحك والدموع)، وبعد أن انتهيت من كتابته، قررت ألا أعود للكتابة في صحيفة (الدستور) اعتراضاً على الطريقة التي يتم بها معاملة الصحفيين الشباب فيها من قبل رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير الأستاذين عصام فهمي وإبراهيم عيسى، وبدأت أفكر في مكان آخر للكتابة فيه، وكنت قد تلقيت عرضاً من الصديق مجدي الجلاد رئيس تحرير (المصري اليوم) لكتابة عمود يومي في الصفحة الأخيرة، وقبل أن أوافق على العرض، قال لي المهندس إبراهيم المعلم وكنت قد بدأت التعامل معه كناشر لكتبي، إنه بدأ في تأسيس صحيفة يومية تحمل اسم (الشروق).

ولكي يشجعني على الكتابة في الصحيفة قال المهندس إبراهيم إن الأستاذ هيكل خلال جلسات التحضير للصحيفة نصح المسئولين عنها بأن يتفقوا معي على تولي مسئولية الصفحة الثانية في الصحيفة، فأكتب فيها عموداً يومياً ساخراً أو أقوم بالإشراف على تحريرها، لأن الصفحة الثانية تكون عادة ميتة بالنسبة للقارئ، ولذلك تعود المسئولون عن الصحف اليومية أن يضعوا فيها بقايا الصفحة الأولى أو بعض المتابعات الإخبارية الأقل أهمية من أخبار الصفحة الأولى أو برامج الإذاعة والتلفزيون أو أحياناً بعض الأخبار الخفيفة، ولذلك رأى أنني يمكن إذا قمت بتحريرها والكتابة فيها أن أقدم تجربة مختلفة وممتعة، واعتبرت تلك الملاحظة إطراءً رائعاً من أستاذ كبير في المهنة، لكنني لم أكن أرغب في تكرار تجربة الكتابة الساخرة التي قدمتها في (الدستور) وشعرت أنها استنفدت أغراضها بالنسبة لي، خصوصاً أنني كنت قد خضت بعد صدور الإصدار اليومي من (الدستور) في 2007 تجربة كتابة عمود يومي بعنوان (قلمين)، وبرغم صعوبة التجربة إلا أنني استمتعت بها ووجدت فيها تحدياً يساعدني على تنظيم يومي ومضاعفة قراءاتي والهروب من مضيعات الوقت.

لذلك ترددت في قبول عرض المهندس إبراهيم المعلم، ومن باب كسب الوقت في المزيد من التفكير، قلت له إن شهادة الأستاذ هيكل على رأسي من فوق، لكنني من باب الرغبة في توثيقها أريدها شهادة مكتوبة في صورة إهداء على أحد كتبه، وكانت علاقتي الطيبة بالمهندس إبراهيم تمنعه من إصدار صوت غاضب رداً على ذلك "الدلع المِرِق"، لذلك وعدني بأن يطلب ذلك من الأستاذ هيكل، ولأنني تصورت أنه لن يفعل ذلك، فقد انتهزت تأخره في تحقيق طلبي، وتهربت من طلباته المتكررة بضرورة إرسال تصور للصفحة الثانية، أو إرسال نموذج للمقال الذي يمكن أن أكتبه فيها، وظللت أفاضل في ذهني بين العرضين الذين تلقيتهما.

كان من السهل بعد ما قاله الأستاذ هيكل أن أفهم لماذا بدا الأستاذ أحمد بهجت يومها أكبر من الأستاذ هيكل بكثير، مع أنه أصغر منه بتسع سنوات فقط

بعدها التقيت بالأستاذ هيكل بالصدفة خلال حفل تكريم أقامته دار الشروق لوزير الثقافة الأسبق الدكتور ثروت عكاشة، واتضح أن المهندس إبراهيم قام بإبلاغ طلبي للأستاذ الذي قرر أن يقول لي رأيه شفوياً لا تحريرياً، فكرر كلامه اللطيف الذي نقله لي المهندس إبراهيم من قبل، لكن ما قاله لي يومها ساعدني على حسم الجدل والتردد، خصوصاً حين تكررت في حديثه كلمة "المشاغبة" التي حدثني عنها من قبل، والتي يتوقع أن أقوم بها لكي أضفي حيوية على الصحيفة الوليدة وصفحتها الثانية، فقلت لنفسي بعدها إن التوقف عن التركيز على المشاغبة هو بالضبط ما أريد أن أبدأ في فعله، لكي أبدأ تجربة مختلفة لا تقتصر على السخرية السياسية، بل تكون كتابة متنوعة تشمل القصص القصيرة والتعليق على الأحداث وعروض الكتب والأفلام والقراءات التاريخية، لكنني بالطبع شكرت الأستاذ هيكل على لطفه وتقديره، وقلت له مداعباً إنني أحتفظ بحق تسجيل تلك الشهادة الجميلة في صورة إهداء على أحد كتبه.

كان الاعتذار عن قبول عرض (الشروق) صعباً على نفسي، فقد كانت كتبي تنشر في الدار التي تساعد على وصولها إلى أكبر عدد ممكن من القراء داخل وخارج مصر، وكنت قبلها قد وقعت عقدين لكتابة السيناريو لفيلمين سينمائيين كان يفترض أن يكونا باكورة إنتاج الشركة التي أسستها الدار للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وقمت بتسليم أول سيناريو بالفعل كان مأخوذاً عن رواية (شيكاجو) للصديق الدكتور علاء الأسواني، ولم أكن أرغب في تعكير صفو علاقتي بالمهندس إبراهيم المعلم الذي كان دائماً في غاية اللطف معي منذ أن تعاونّا سوياً في عام 1999 في تجربة صحيفة (الناس) التي لم تر النور، ولذلك ضعفت ولم أبلغه بقراري النهائي، وقررت أن أمنح نفسي فرصة إضافية، فأقوم بتسليم مقالة يتم رسمها على ماكيت العدد التجريبي للصحيفة، لأؤجل القرار النهائي بعد رؤية العدد التجريبي، ولذلك طلبت من المهندس إبراهيم تأجيل التوقيع على العقد حتى أرى العدد التجريبي وأحسم قراري.

حين ذهبت لتسليم المقالة في مقر صحيفة (الشروق) في المهندسين، كانت كلمات الأستاذ هيكل عن المشاغبة والشغب تتردد في ذهني، وحين تسلم الصديق الأستاذ عمرو خفاجي المقالة، وكان يومها عضواً في مجلس تحرير الصحيفة التي يرأس تحريرها الأستاذ سلامة أحمد سلامة، وقرأها دون أن يعلق عليها بحرف، ثم وضعها في الدرج وشكرني على تسليمها في الموعد، دون أن يناقشني فيها أو يبدي بخصوصها أي رد فعل، وهو ما لم أكن متعوداً عليه من رؤساء التحرير الذين عملت معهم، ولذلك قررت أن أتخذ من ذلك اللقاء البارد ـ ولو أنه كان غير مقصوداً ـ تلكيكة للاعتذار عن الكتابة في (الشروق).

اتصلت بعد خروجي من مقر (الشروق) بمجدي الجلاد لأقول له إنني قبلت عرضه بكتابة العمود اليومي، خصوصاً أن الصديق رسام الكاريكاتير عمرو سليم كان قد فاتحني برغبته في ترك (روز اليوسف) والذهاب إلى (المصري اليوم)، وقال لي إنه سيتشجع لو ذهبنا سوياً، مع أننا لم نكن سنقوم بعمل صفحة مشتركة كصفحة (قلمين) التي قمنا بعملها في (الدستور) عام 1995 والتي حققت نجاحاً كبيراً كان هو الذي جعل الأستاذ هيكل يقترح ذلك الاقتراح اللطيف، وتحمس مجدي الجلاد بقوة، وطلب مني أن نلتقي في نفس اليوم دون تأخير، وبالفعل ذهبت بعدها بساعتين أنا وعمرو سليم إلى المقر الإداري القديم لـ (المصري اليوم) لأجد مالك الصحيفة رجل الأعمال صلاح دياب في استقبالنا هو والصديق شريف عبد الودود العضو المنتدب لمؤسسة المصري اليوم، وقال لي صلاح دياب إنه لن ينسى لي قراري بتفضيل الكتابة في (المصري اليوم) على غيرها، ولأنني كنت قد أبعدت قبلها بفترة عن المشاركة في تقديم برنامج (القاهرة اليوم) بقرار من رئاسة الجمهورية، فقد طلب مني بعد أيام أن اذهب معه لمقابلة رجل الأعمال الدكتور أحمد بهجت مالك قناة دريم لكي أعرض عليه فكرة تقديم برنامج (عصير الكتب) التي كنت أحلم بها من سنوات، وكان يفترض أن تشارك (المصري اليوم) في إنتاجه، وبرغم أن مشكلة كبيرة حدثت بيني وبين المهندس إبراهيم المعلم استمرت آثارها لفترة قبل أن تعود العلاقة طيبة، إلا أنني كنت سعيداً بتعاوني مع (المصري اليوم) و(دريم)، وقد كان ما قدمته في الصحيفة والقناة من أفضل ما قمت بتقديمه في مشواري ككاتب وكمقدم برامج، ولا أستطيع أن أنسى أن حديث الأستاذ هيكل معي عن الشغب والمشاغبة كان له تأثير على قراري النهائي، ولذلك كنت ممتناً له، حتى لو لم يكن يقصد ما حدث بسبب حديثه.

مع أنني أمتلك كل كتب الأستاذ هيكل، سواءً التي أحبها أو التي لا أحبها، إلا أنني حرصت في ذلك اللقاء الطويل معه على أن أحصل على توقيعه على أول كتاب أصدره وهو كتاب (إيران فوق بركان)

في واقعة أخرى ساهم الأستاذ هيكل بدون أن يقصد أيضاً في تغيير طريقتي في التعامل مع صحتي ونظامي الغذائي، وإن كان ذلك قد تحقق بصعوبة بعكس التغييرين السابقين، حدث ذلك بعد أن حضرت في عام 2009 حفل غداء أقامته دار الشروق في فندق (سوفيتيل) بالجزيرة لتكريم الكاتب الكبير أحمد بهجت بمناسبة عيد ميلاده السابع والسبعين، وطلب مني المهندس إبراهيم المعلم أن ألقي كلمة في الحفلة بوصفي "أشبب" الحاضرين أو أصغرهم سناً، لأن الشباب مسألة نسبية في نهاية المطاف، وكنت في غاية السعادة بتلك الفرصة التي أتيحت لي للمشاركة في تكريم كاتب كان من أوائل من أحببت القراءة له وأنا طفل حين قرأت كتبه الدينية الجميلة الموجهة للأطفال، ثم أحببته أكثر حين قرأت أسلوبه القصصي الساخر الذي لم يلق الاهتمام النقدي الذي يليق به حتى الآن.

في قاعة الاحتفال التي نُصبت الطاولات فيها بشكل دائري، شاء حظي الحسن أن أجلس بين الأستاذين محمد حسنين هيكل وفهمي هويدي، وكنا بعد أن انتهت الكلمات والسلامات والتحيات قد أصبحنا على مشارف الرابعة عصراً، وكنت أكاد أن أقع من الجوع، فاستبشرت خيراً ببدء نزول أطباق الغداء، لكني سرعان ما صدمت حين اكتشفت طبيعة الأكل الذي قدمه المطعم الفرنسي الذي كنا نجلس فيه، فقد كان في الطبق الأول قطعتا جمبري مشوي انزويتا في ركن من الطبق الفسيح وهما غارقتان في سائل أصفر مخاطي القوام، اتضح أن له علاقة بالمسطردة، وبدلاً من أن يملأ الشيف التافه فضاء الطبق بالجمبري، قرر أن يملأه برسومات بلهاء استخدم فيها الصوص الذي كان طعمه أرحم من شكله.

أجهزت على "الجمبريايتين" بضربتين متتابعتين توفيراً للوقت واستعجالاً لما هو قادم، وحين نظرت إلى طبق الأستاذ هيكل، وجدت أنه لم يلمسه، فظننت أنه لا يحب الجمبري أو ربما قرف من شكل السائل الغريب، فاستكملت حديثي معه ومع الأستاذ فهمي، لينزل بعد قليل الطبق الثاني الذي كان عبارة عن خليط غير متجانس من أشياء خضراء مسلوقة وكتل صلبة يرجح أنها لحوم، ودون الانشغال بتبين كنهه، تم التعامل معه على الفور، وحين نظرت إلى الأستاذ هيكل وجدته محتفظاً بمسافة من الطبق ومستمراً في الحديث، فقررت أن أسأله عما إذا كان لديه موقف من المطبخ الفرنسي، ربما كان يعود إلى ملابسات علاقاته السابقة بشارل ديجول أو جورج كليمنصو أو شيء من هذا القبيل.

أجاب الأستاذ هيكل على تساؤلي بهدوء قائلاً: "لا ما فيش موقف من المطبخ الفرنسي، أنا عندي موقف من الأكل بعد الساعة أربعة العصر أيا كان نوع المطبخ اللي طالع منه الأكل، ولإني لسه متغدي الساعة اتنين فمش جعان دلوقتي"، ولأن ما قاله لم يكن من السهل على أمثالي استيعابه فقد أعدت سؤاله عن الموعد الذي يتوقف فيه عن الأكل، وحين أكد أنه يتوقف عن الأكل بعد الساعة الرابعة مساءً، سألته: "طيب حضرتك بتنام الساعة كام؟"، متخيلاً أنه سيقول لي إنه ينام في الثامنة مساءً، ليتمكن من الاستيقاظ فجراً للعب الجولف مع صنّاع القرار وشهود العصر، لكنه قال إنه ينام في الحادية عشرة ليلاً وأنه كان ينام من قبل في التاسعة والنصف أو العاشرة مساءً، لكن نومه أصبح أقل في السنوات الأخيرة.

قلت له محاولاً إخفاء ذهولي مما أسمعه: "طيب حضرتك ما بتصحاش مثلاً بالليل تعدّي على التلاجة وتنأنأ أي حاجة"، فرد بتعبير بديع كعادته قائلاً: "أنا مُصمّم ضد النأنأة"، فقلت له إنني يمكن أن أطبق نفس نظامه وأتوقف عن الأكل بعد الساعة الرابعة، بشرط أن أنام في الخامسة عصراً، وأصحو في الواحدة ليلاً لكي أتناول إفطاراً مبكراً أو عشاءً متأخراً، لكي أتمكن من مغالبة الحرمان الذي لن يقوى عليه جسمي، فقال الأستاذ هيكل بابتسامة لا أثر فيها للفخر، إنه لا يشعر بأي حرمان لأنه تعود على هذا النظام من سنين طويلة، فتآلفت معه معدته، ولم يعد يحس بأي تضحية، وقد اكتشفت بعدها أن الكاتب الساخر الأستاذ أحمد رجب كان يسير على نفس الطريقة، ويتوقف عن الأكل من العصر مهما سهر، لكن الأستاذ هيكل كان أكثر انضباطاً من الناحيتين الغذائية والمائية، ولذلك لم تتدهور صحته بسرعة كما حدث لأحمد رجب.

كان من السهل بعد ما قاله الأستاذ هيكل أن أفهم لماذا بدا الأستاذ أحمد بهجت يومها أكبر من الأستاذ هيكل بكثير، مع أنه أصغر منه بتسع سنوات فقط، لأنه ظل لعقود طويلة ينتمي إلى مدرسة المحمّر والمشمّر التي تبدأ الأكل بعد الساعة الرابعة عصراً، وهي المدرسة التي ظللت لسنوات أتشرف بالانتماء إليها، وغادرتها مضطراً بحكم المرض إلى مدرسة "اتعشى خفيف وما تاكلش قبل ثلاث أربع ساعات من النوم"، ونجحت بعد محاولات طويلة في خفض حوالي 35 كيلو من وزني، وإن كنت أحاول إقناع نفسي من حين لآخر بضرورة القرص على نفسي أكثر، لكي أتبع نظام الأستاذ هيكل لعل ذلك يساعدني على التخلص من أدوية مرض السكر المزعجة.

في السنوات التي حقق فيها عمود (اصطباحة) اليومي الذي بدأت كتابته في صحيفة (المصري اليوم) في خريف 2008 سعدت بتلقي مكالمات لطيفة من الأستاذ هيكل يعلق فيها على ما أكتبه، من أهمها اتصال جاءني منه يوم 6 فبراير 2011 تعليقاً على مقال كتبته في (المصري اليوم) بعنوان "وآدي كمان مبادرة" كنت أسخر فيه من ظاهرة انتشار المبادرات التي تحاول إطالة بقاء الرئيس مبارك على كرسيه وأعلق فيه على طريقته في التحاور مع كريستيان أمانبور، وكان الأستاذ هيكل متحمساً لما كتبته وقال لي إنه يستغرب من عدم إدراك البعض لخطورة بقاء مبارك على كرسيه، وحين استأذنته في نشر بعض ما قاله لي عن رؤيته للموقف، اعتذر وقال إنه يتصل بي كقارئ معجب بما أكتبه، ورجاني أن أحافظ على سلامتي خصوصاً حين قلت له إنني أسكن بالقرب من ميدان التحرير، على أمل أن نلتقي بعد أن تنجح الثورة في الإطاحة بمبارك.

التقينا بالفعل في العام التالي لقاءً طويلاً لكنه كان بعيداً عن كل ما يجري في مصر برغم صخبه وخطورته، فقد ذهبت إلى مكتبه بعد حوالي 11 سنة على لقائنا الأول، لكي يحدثني باستفاضة عن الزعيم مصطفى النحاس الذي عرفه عن قرب، والذي كنت أقوم بكتابة مسلسل تلفزيوني عنه لم يكتمل مع الأسف، ومع أن بعض ما قاله لي في ذلك اللقاء كان قد نشره في كتابه (سقوط نظام)، إلا أنني ركزت على سؤاله عن عدد من التفاصيل الشخصية في حياة مصطفى النحاس والتي تغفل عنها كتب التاريخ، والتي أشار إلى أكثرها حساسية وحرجاً في أحد هوامش كتابه، لكن بعض ما قاله عن تلك المساحة الشخصية في حياة مصطفى النحاس لم يكن قابلاً للمعالجة الدرامية ولا للنشر، خصوصاً أن بعض ما أشار إليه في هامش كتابه اعتبره البعض تصفية حسابات يقوم بها الكاتب الأول في عهد عبد الناصر ضد واحد من أبرز رموز حزب الوفد أو ما يطلق عليه استسهالاً "العصر الليبرالي"، لكنني في الوقت نفسه وجدت الأستاذ هيكل معجباً على المستوى الشخصي بمصطفى النحاس وبدوره في الحركة الوطنية في فترة حرجة أعقبت رحيل سعد زغلول عن الساحة، لكن النحاس في رأيه لم يدرك أن الواقع قد تجاوزه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ولذلك لم يمتلك فضيلة الابتعاد عن الساحة في الوقت المناسب، وهو ما أثر على النحاس باشا على المستوى الشخصي والسياسي، وكان لذلك تأثيره على مصر بأكملها.

ومع أنني أمتلك كل كتب الأستاذ هيكل، سواءً التي أحبها أو التي لا أحبها، إلا أنني حرصت في ذلك اللقاء الطويل معه على أن أحصل على توقيعه على أول كتاب أصدره وهو كتاب (إيران فوق بركان) الذي اقتنيت نسخة من طبعته الأولى من سور الأزبكية، لكنها كانت نسخة بدون غلاف، وقد تأثر الأستاذ هيكل جداً حين رآها، وكتب عليها بخطه الذي اندهشت حين اكتشفت أنه يُقرأ بصعوبة الإهداء البديع التالي:
"إلى الصديق بلال فضل
وقتنا لم نكن قد تعارفنا 
الآن تعارفنا والبركان ما زال يثور". 

الصورة
بلال فضل .. من محمد حسنين هيكل

كانت ذكرى ذلك اللقاء طيبة، لكنها تبددت في الشهور التالية حين شجعت التقلبات السياسية العنيفة في مصر السلطوي القديم بداخل الأستاذ هيكل على أن يعود إلى الواجهة، بعد أن كان قد قنع لسنوات طويلة بلعب دور المحلل والمنظر البعيد عن السلطة والقريب من الناس، وهو الدور الذي جعل البعض يتسامح مع دوره القديم في دعم الاستبداد في مصر في العهد الناصري وبدايات العهد الساداتي، ليثمنوا مواقفه المهمة في معارضة نظام مبارك في أوقات شديدة الصعوبة والأهمية، وكان أبرز هذه المواقف إطلاقه للتعبير العبقري (سلطة شاخت فوق مقاعدها)، خلال الأزمة التي اندلعت بين نظام مبارك وجموع الصحفيين في تلك الأيام التي كان يصح أن نستخدم فيها تعبير "جموع الصحفيين" قبل أن نكتشف تضليله، وقبل أن ندرك أن خلاف هيكل مع النظام لم يكن تغييراً لتفكيره في السلطة، وإنما كان خلافاً مع من يمسك بالسلطة.

...

نختم غداً بإذن الله.