ساعات مع هيكل وحوار لم يتم (2/5)

22 فبراير 2021
+ الخط -

تخيلت أن الأستاذ هيكل لن يكون مهتماً بسماع قصة كفاحي في دروب الحياة، ربما لأنني تنبهت إلى ذلك بفضل أناقته المبهرة أو الشياكة المفرطة لمكتبه أو الهيبة المعنوية للسيجار غير المشتعل في يده على غير العادة، فقد كنا يومها في نهار التاسع والعشرين من رمضان، لذلك قررت ألا أعكِّر صفوه برحلتي مع العذاب والضنى، وأركز حديثي عن نفسي على كوني خريجاً من قسم الصحافة بإعلام القاهرة، وبدا لي أنني اخترت المدخل المناسب حين لمعت عيناه باهتمام، حين عرف أنني كنت الأول على دفعتي عام 1995 لكنني فضلت العمل في الصحافة على الاستمرار في المجال الأكاديمي.

طلب مني الأستاذ هيكل أن أحكي له عن دراستي في كلية الإعلام ومناهجها وأساتذتها، وهل أدركت أنني استفدت من تلك الدراسة حين التحقت بالعمل في الصحافة، وحين لمح استغرابي من  أسئلته، قال إنها أكثر ما يشغل باله الآن خلال دراسته لأوضاع الصحافة والإعلام في مصر، وقال إن اهتمامه بكلية الإعلام ومناهجها له جذور قديمة، بدأت بعد أن أصبح وزيراً للإعلام في أواخر عهد عبد الناصر، وأضاف طبقاً لما سجلته في أوراقي بعد أن انتهى الحوار: "طلبت وقتها من الدكتور عبد الملك عودة إنه يجيب لي مناهج دراسة الإعلام في جامعة القاهرة، وصُعقت عندما رأيت أن المناهج كانت مصممة على مقاس سكرتير التحرير بالمفهوم القديم، من أيام سكرتير التحرير الشهير في الأهرام الأستاذ نجيب كنعان مثلاً، مناهج تنتج الجمود والعقم مع الأسف، ولم يكن يدرس فيها حتى كيفية جمع الأخبار بالمفهوم الحديث، صحيح كان هناك دور لا بأس به يقوم أساتذة إعلام مثل الدكتور خليل صابات، لكن مقارنة مناهج الكلية بمناهج الصحافة في جامعة كولومبيا في نيويورك والتي كنت ولا أزال على اتصال بها كانت مخجلة، وحاولت أن أقوم بتعديل المناهج لكن جهدي انقطع بخروجي من الوزارة، وعشان كده ممكن لو تكرمت تكلمني بالتفصيل عن وضع ومستوى دراسة الصحافة في السنوات الأخيرة؟".

كان ملخص ما قلته للأستاذ هيكل إن أزمة كلية الإعلام هي جزء من أزمة الجامعة في مصر، التي تحولت إلى مكان يبحث فيه غالبية الأساتذة عن الأمان المادي بأي وسيلة حتى لو كانت عبر التذلل للأمن وقمع حرية التفكير وقولبة الطلاب، ويبحث فيه غالبية الطلاب عن شهادة تكون عاملاً مساعداً لما لديهم من "وسايط" ومعارف سيحصلون لهم على فرصة عمل مضمونة، وأن وضع دراسة الصحافة هو تماماً كوضع الصحافة المصرية، ثمة نقط مضيئة ولكنها تبدو كرقع بيضاء في ثوب أسود مهلهل، مشيراً إلى الدور المهم الذي لعبه أساتذة متميزون مثل الدكتورة عواطف عبد الرحمن والدكتور حماد إبراهيم والدكتور فاروق أبو زيد والدكتور محمود خليل، بالإضافة إلى بعض الأساتذة الذين درسونا في السنتين الأولى والثانية ما يمكن أن نطلق عليه مداخل إلى عدد من العلوم الاجتماعية المهمة لدارس الإعلام، وتصادف أن كان من بينهم أسماء كبيرة مثل الدكاترة حسن حنفي ورؤوف عباس ومفيد شهاب وسليمان العطار وطه وادي ومحمد الجوهري وشعبان خليفة وحامد زهران، وقد استفدت من هؤلاء بشدة ولا أنكر فضلهم على تكويني المعرفي، لكنني لا أستطيع أن أغفل ضعف التدريب العملي الذي تلقيته في الكلية وفي قسم الصحافة التي لم يكن بها حتى تخرجي معمل للتجهيزات الفنية الخاصة بالصحافة أو مطبعة أو ورش للتدريب الصحفي، وفيما عدا محاضرة أسبوعية درسنا فيها صحفيون أصحاب خبرة في أول سنتين لنا مثل عادل حمودة وعمرو عبد السميع، لم نتلق أي تدريب عملي يؤهلنا للمنافسة في سوق الصحافة، بدليل أن من نجح منا في العمل في الصحافة بعد التخرج، كان قد اجتهد لتعويض ذلك النقص بحرصه على التدريب في مؤسسات صحفية خلال دراسته في الكلية.

اهتم الأستاذ هيكل بما قلته وناقشني في بعض تفاصيله، وقال لي إنه يؤكد تصوره عن أن ضعف الإعلام وتردي مستواه الحالي مرتبط بضعف مناهج وطرق التدريس في الكليات التي يتخرج منها الإعلاميون والصحفيون، ولم أكن أعلم وقتها أن وراء تساؤلاته الدقيقة اهتمام كان يتصاعد في ذهنه بضرورة إيجاد بديل لرفع المستوى المهني للصحفيين الشبان الذين إذا أفلتوا من خواء المناهج وضعف أساتذة الإعلام الذين يتم تعيين أغلبيتهم على أساس الكفاءة في الحفظ والدحّ والبعد عن المشاكل وخلو ملفاتهم من أي نشاط سياسي أو موقف معارض، فلن يفلتوا من خراب الممارسات الصحفية التي لعلك لا تحتاج إلى تبيان لها، ولذلك قرر الأستاذ هيكل أن يستعيد حلمه القديم بتعديل مناهج الإعلام حين كان في السلطة، محاولاً من خلال المؤسسة التي أنشأها بعد ذلك أن يقوم بأنشطة تدريبية لأسماء منتقاة من الصحفيين الذين تلمح المؤسسة فيهم التميز، لعل تطوير قدراتهم المهنية يساهم في تغيير وجه الصحافة المصرية الذي أظلم على أيدي الكثيرين من ولاة أمورها، ومن بينهم بعض تلاميذ الأستاذ هيكل الذين عاثوا في الصحافة الفساد.

كنت خلال استماعي لحديثه المتحمس أسأل نفسي الأمّارة بالعبث ماذا سيكون تعليق الأستاذ هيكل لو قلت له إنني استلفت مئة جنيه بالأمس لأشتري "تي شيرت" جديداً أذهب به لمقابلته

حين قرأت بعد ذلك اللقاء بسنوات قيام المؤسسة التي أنشأها هيكل باستقدام عدد من كبار صحفيين العالم ليحاضروا في مؤسسته، وانتدابه لعدد من الصحفيين الشبان ليسافروا للتعرف على تطورات الصحافة الإنجليزية والأمريكية، تذكرت سؤاله لي في تلك الجلسة عن جيلي الذي شارك في إطلاق ظاهرة الصحف المستقلة بدءاً من منتصف التسعينات وموقعه مما يحدث في العالم على المستوى الصحفي، وكيف أبدى أسفه حين قلت له بصراحة إن جيلنا شديد المحلية لأسباب كثيرة على رأسها ظروفه المادية الصعبة، وضعف بنيانه التعليمي لأنه قادم من مدارس حكومية نخرها الفساد والإهمال، وهو ما أدى إلى انتشار جهلنا باللغات الأجنبية واعتمادنا فقط على ما يترجم وهو قليل ونادر، لتنحصر آمالنا في الحصول على فرصة للعمل والحياة في ظل سيطرة بارونات الصحافة على حد تعبير الكاتب جميل عارف في كتابه الجميل الذي كتب الأستاذ هيكل مقدمته.

قال الأستاذ هيكل تعليقاً على ما قلته: "مع الأسف ما تتحدث عنه هو منتهى الخطورة.. وهذا الشعور بالانعزال لا بد أن تتخلصوا منه فوراً، لا يمكن أن تعيشوا وأنتم فاقدين القدرة على الاتصال بالعالم"، ثم حكى عن شعوره بالإحباط لأنه حاول قبل ذلك أن يعرف عددا من تلاميذه وزملائه بصحفيين أجانب كبار لكنهم عجزوا عن التواصل معه وكسفوه أمام الصحفيين الأجانب بضيق أفقهم ومحدودية رؤيتهم، ثم أخذ الأستاذ هيكل يتحدث بحماس عن تجربته منذ كان شاباً في الحرص على الاتصال بالعالم، وهو ما يعتبره أمراً لا غنى للصحفيين والكتّاب عنه، مؤكداً على أهمية الانتظام في قراءة مطبوعتين أو ثلاث مطبوعات مهمة للتعلم منها والاستفادة مما تقدمه من رؤية عن العالم وأحواله.

كنت خلال استماعي لحديثه المتحمس أسأل نفسي الأمّارة بالعبث ماذا سيكون تعليق الأستاذ هيكل لو قلت له إنني استلفت مئة جنيه بالأمس لأشتري "تي شيرت" جديداً أذهب به لمقابلته؟ بلاش هل أقول له إن أغلب من أعرفهم من صحفيين يحلمون بحل مشكلة خطوط التليفون في صحفهم التي تدار بطريقة وضيعة للاتصال بالمصادر الصحفية فضلا عن الاتصال بالعالم، في صحيفة (الدستور) التي كانت تقيم الدنيا وتقعدها كل أسبوع، قرر مالك الصحيفة عصام إسماعيل فهمي أن يصمم نظاماً للاتصالات الهاتفية يجعل المكالمة تقطع بعد مرور دقيقتين أياً كان من تتصل به، لكي يقوم بالسيطرة على استهلاك الهاتف، وهو ما كان يسبب الكثير من الحرج لكل من يعملون في الصحيفة. طيب لنفرض أن الأستاذ هيكل لم يتعاطف مع حديثي، وواصل كلامه عن تجربة جيله الذي لم تمنعه صعوبات الحياة من الحفر بأظافره في الصخر، أليس عيباً أن يتحول الحديث معه لسؤاله عن سعر البيضة وتذكرة الأتوبيس في أيامه مقارنة بأيامنا، وهو ما أوصلني ربما للحديث عن خناقتي مع سائق التاكسي الذي اخترت التضحية والذهاب به بدلاً من الأتوبيس لأصل إلى موعد الأستاذ باحترامي، لذلك قررت أن أكتفي بالصمت وأهز رأسي مدعياً أنني أوافق على كلامه، منعاً لانزلاق الحديث إلى مسارات غير متوقعة.

في غمرة حماسه في الحديث عن أهمية التواصل مع العالم أشار الأستاذ هيكل إلى رف من الكتب يقع خلف مكتبه مباشرة، وضع عليه الكتب التي كتبها باللغة الإنجليزية وحدها، قائلاً إنه اختار وضعها في هذا المكان "لكي يتأكد لي أنني لم أضيع وقتي في الحياة دائماً وتواصلت مع العالم"، في حين كنت أفكر في النسخ التي أمتلكها من كتبه العربية والتي تقلبت على العديد من زملائي وكتب كل منهم ما يراه على هوامشها، ليواصل تأكيده على أهمية إتقان اللغات الأجنبية للكاتب الذي لا يصح أن يكتفي بالترجمات التي أشار إلى بؤسها قائلاً: "عندما تتقن لغة أجنبية ستكتشف أن كثيراً مما تقرأه بالعربية مؤلفاً هو في الحقيقة مترجم وترجمة رديئة كمان، فضلاً عن أن الكتب المترجمة لا تستطيع نقل الحضارة والثقافة بشكل جيد"، وحين بدا له من وقع كلامه علي أن جلسة التعارف تحولت إلى جلسة تقليب للمواجع، قام بتغيير الموضوع، فبدا لي أن هذا ربما كان سر اختياره أن يجلس من يزوره على كرسي يواجه مكتبه تماماً، ربما لكي يتمكن من الإحاطة بمشاعر جليسه المرتسمة على وجهه.

انتقل الحديث بعدها إلى الصحافة المستقلة، والتي قال إن رؤيته لها لم تكن قد تبلورت بعد لأن تلك الصحافة كانت لا تزال في طور التكوين والتشكل، وحين سألته عن انطباعاته المبدئية عن التجارب الصحفية التي رآها ومن بينها تجربة (الدستور) التي كان قد مضى ما يقرب ثلاثة أعوام على ذبحها، قال إنه سيحدثني بصراحة حتى لو بدت قاسية، وأنه يرى أن جميع الصحف التي تم تصنيفها كصحف مستقلة أو خارجة عن المؤسسة الرسمية مشكلتها أن صوتها مسموع، لكنها لا تراهن على الاستمرار والبقاء والتأثير، وإنها تنسى أن الصحافة ليس دورها فقط رصد ما يحدث في الحياة والتعليق الغاضب عليه، بل ودورها أيضاً التأثير في الحياة والتفاعل معها، ويضيف قائلاً طبقاً لما سجلته في أوراقي بعد انتهاء اللقاء: "كنت وأنا أقرأ هذه الصحف أحس أن الجميع يريد أن يخرج كل ما لديه مثلما كان يحدث في صحف القرن الثامن عشر في العالم دون وجود رؤية أو تفكير"، وحين سألته: " أليس هذا طبيعيا نتيجة الاحتقان الطويل الذي عاشت فيه مصر منذ تأميم الصحافة؟"، فسكت للحظات ثم قال ضاحكاً: "أحيانا أشعر أنه احتقان في بعض الصحف وأحيانا أشعر أنه حزق في صحف أخرى".

حين تحدثنا في تلك الجلسة لم يكن نفوذ الصحافة الحكومية قد تدهور مثلما حدث في السنوات التالية، ولذلك كان الأستاذ هيكل متمسكاً بتقسيم الصحافة المصرية إلى صحافة متن وصحافة هامش، وحين حدثني عن برنامجه اليومي الذي يختلف عند إقامته في منزله بالقاهرة عن جدوله خلال إقامته في عزبته في برقاش في محافظة الجيزة، حيث يبدأ برنامجه في القاهرة بلعب الجولف صباحاً، يعقبه بقراءة سريعة في صحف المتن بعد حذف صفحات متخصصة ليعرف من خلال هذه القراءة ما الذي تريده الدولة المصرية، ثم يقرأ بعد ذلك على حد تعبيره "الصحافة الحقيقية" التي تصدر في العالم على اختلاف بلدانها ومدارسها سواءً عبر ملخصات لها يعدها مكتبه أو عبر تصفح أعدادها التي يشترك فيها منذ سنوات.

أما الصحف المستقلة والحزبية التي يصفها بأنها "صحف الهامش" برغم أنه يهتم بها أكثر فيقرأها بعد الظهر قائلاً: "أتحمل كمية الهلس التي تكثر في بعضها لأعرف مود ومناخ المجتمع ومزاجه، وأحياناً أفتكر إن الصحفيين الموهوبين يخرجون أساساً من صحف الهامش إلى أن تحاول صحف المتن استيعابهم وتبطيطهم لكن أعتقد أن مستقبل الصحافة المصرية سيأتي على يد هؤلاء المشاغبين الخارجين من صحف الهامش وهو ما حدث قبل ذلك في تاريخ الصحافة المصرية". أذكر أنني في معرض الحديث مع الأستاذ هيكل عن تجربتي المحدودة في صحيفة شاركت في إصدارها ثم تركتها سريعاً وهي صحيفة (الجيل)، قلت له إن رجل الأعمال الذي أصدر الجرنال بتاعه استخدمه لتحقيق مكاسب بالتنسيق مع الأمن يستفيد منها في عمله في البورصة، فاستوقفه تعبير "الجرنال بتاعه"، وقال لي: "عارف إنك لخصت بهذا التعبير الوضع الذي يقلقني من الصحافة المستقلة أو الصحافة الخاصة بتعبير أدق، فأنا لا أحب للصحافة أن ترتمي في نفوذ رجال الأعمال فنعود إلى عصر إيرما الغانية وزميلاتها التي لكل منها رجل أعمال هي بتاعته ونتوهم أننا بصدد صحف مستقلة لكنها في الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق".

...

نكمل غداً بإذن الله.